آخر الأخبار

الدكتورة مها أبو خليل… من البندقية إلى الشهادة، حكاية لا تموت

672090582_1484035423436711_2594422691903624674_n
أحمد مراد
لم يكن استشهاد الدكتورة مها أبو خليل حدثًا عابرًا في سجل الألم، بل كان لحظةً موجعةً تختصر حكاية وطنٍ بأكمله. ارتقت شهيدةً إثر الغارة الصهيونية الوحشية التي استهدفت مدينة صور، قبيل لحظاتٍ وجيزة من دخول وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ، وكأنّ العدو، بعجزه عن تحقيق أي إنجازٍ ميداني، أراد أن يختم عدوانه بدمٍ جديد، يضاف إلى سجل جرائمه بحق شعبٍ صامدٍ لم ينكسر.
خمسة وأربعون يومًا من المواجهات البطولية، سطّرت خلالها المقاومة اللبنانية أروع ملاحم الصمود، ووقف الشعب اللبناني شامخًا في قراه وبلداته ومدنه، على امتداد الجنوب المقاوم، متحديًا آلة القتل والدمار. وفي تلك اللحظة الفاصلة، كانت الدكتورة مها أبو خليل على موعدٍ مع الشهادة، لتلتحق بقافلة الخالدين، بعد مسيرةٍ حافلةٍ بالعطاء والتضحية.
منذ ريعان شبابها، لم تكن مها أبو خليل امرأةً عادية، بل كانت مشروع مقاومةٍ متكامل. حملت البندقية مبكرًا، وانخرطت في صفوف النضال لتكون من بين الفدائيين الذين نفذوا عملية الطائرة الصهيونية “العال” في مطار أثينا، في العام 1969 إلى جانب رفيقيها (س .ع و ع.ض). اعتُقلت حينها، لكنها لم تُكسر، بل خرجت أكثر صلابةً بفعل الضغط الذي مارسته الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، لتعود إلى ميادين النضال بإرادةٍ أشد وأعمق. وقد جمعتها مسيرة النضال بعلاقةٍ وثيقة مع القائدين الكبيرين جورج حبش ووديع حداد، حيث نهلت من تجربتهما روح الالتزام الثوري وصلابة الموقف، وظلّت تلك العلاقة مصدر فخرٍ واعتزاز في مسيرتها. وتبقى الصورة التي جمعتها بالدكتور جورج حبش، والتي ما زالت عائلته تحتفظ بها على مكتبه حتى اليوم، شاهداً حيّاً على عمق هذا الارتباط وصدق الانتماء.
لم تتوقف مسيرتها عند حدود الكفاح المسلح، بل أدركت مبكرًا أن المعركة مع المشروع الصهيوني الإمبريالي هي معركة وعيٍ وثقافةٍ بقدر ما هي معركة بندقية. فتابعت تحصيلها الأكاديمي بإصرارٍ نادر، ونالت العديد من الشهادات العلمية، لتجمع بين الفكر والمقاومة، بين القلم والبندقية، في صورةٍ نادرةٍ لمناضلةٍ شاملة.
في ميادين العمل الثقافي والاجتماعي والإعلامي، تركت بصماتٍ لا تُمحى، وكان دورها في الإدارة العامة في مؤسسات الإمام موسى الصدر شاهدًا على إيمانها العميق بأن بناء جيلٍ مثقفٍ وواعٍ هو حجر الأساس في استمرار المقاومة. لم تكن تبحث عن الأضواء، بل كانت تفضّل العمل بصمت، حيث يكون الأثر أعمق، والبصمة أبقى.
عرفناها إنسانةً مثقفة، واعية، متواضعة، حاضرةً في كل التفاصيل، حتى تلك التي لا يراها كثيرون. كانت حريصةً على متابعة العمل الوطني والجبهوي، تواكب الأخبار يوميًا، وتشير بصدقٍ ومسؤولية إلى مكامن الخلل، لا من باب النقد، بل من باب الحرص على أن تبقى المسيرة في أفضل حالاتها. ورغم عدم ارتباطها التنظيمي المباشر منذ سنوات، إلا أنها بقيت مرتبطةً روحيًا بالجبهة، بهذه المسيرة التي لم تغادرها يومًا.
كانت تذكّرنا دائمًا بالرفاق المنسيين، أولئك الذين صنعوا التاريخ بصمت، وتصرّ على أن نؤدي واجبنا تجاههم. كانت ترى في الوفاء جزءًا لا يتجزأ من النضال، وفي الذاكرة سلاحًا لا يقل أهمية عن أي سلاحٍ آخر.
اليوم، ونحن نودّعها شهيدةً، ندرك أننا لا نرثي شخصًا فحسب، بل لنؤكد أننا في مرحلةٍ تتطلب المزيد من النقاء الثوري، من الالتزام العميق، من الإيمان الذي لا يتزعزع بعدالة القضية. ولنؤكد للشهيدة الكبيرة، وفي يوم وداعها، بأننا نستمد من سيرتها القوة لنواصل الطريق.
قرّي عينًا يا رفيقة الدرب والنضال… نعاهدكِ، ونعاهد كل الشهداء، أن نحمل الأمانة، وأن نواصل المسيرة، مهما اشتدت الصعاب، ومهما عظمت التضحيات. فدماؤكم ليست نهاية الحكاية، بل بدايتها المتجددة في كل جيل..
*مسؤول المكتب الإعلامي
الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين في لبنان 

شارك على :

واتس أب
فيسبوك
تويتر
تيليغرام
لينكد إن
بين تريست
الأيميل
طباعة