آخر الأخبار

لحظة فلسطينية… مجدداً

11172328405268739632923487613201
زاهر أبو حمدة

هي مرحلة تشبه إلى حدّ ما مرحلة النكبة وما سبقها من ثورة (1936 – 1939). تفاصيل كثيرة تُعاد كأنها «فلاش باك» مع أبطال وسياق زمني مختلفين. منذ عشرة أعوام، وكأن «وعد بلفور» هو «قرار ترامب» بإعلان صفقة القرن، وتكرّ التكرارات حتى نصل إلى الإبادة عام 1948، التي تشبه ما يحصل في قطاع غزة منذ عامين ونصف العام. صحيح أن المفارقات كثيرة أيضاً، لكن نجد الخلافات بين الحاج أمين الحسيني (مفتي القدس) وراغب النشاشيبي (رئيس بلدية القدس سابقاً) تتساوى في العمق مع خلافات «فتح» و«حماس» حالياً، فلم تستطع الأطراف تحديد برنامج وطني شامل له آليات تنفيذية للمواجهة، فكانت الخسارة تكبر أكثر وأكثر.

وبعيداً عن الإسقاط بين زمانين، اختلف الواقع الإقليمي والدولي حالياً، ما يجعل الفرصة الفلسطينية لتحقيق إنجازات أكبر، رغم كل تصورات الاحتلال أنه ينتصر ويتجه نحو «النصر المطلق».

المتغيرات كثيرة، فغداة النكبة ونهاية الحرب العالميه الثانية خرج العربي من نير الاستعمار نحو الدولة القطرية المستقلة مع تدحرج سريع لنهاية السطوة لمن قسموا الخريطة في «سايكس-بيكو». وحينها تبدو الدول العربية الناشئة قدمت فلسطين هدية كي تضمن استمرارها. أما الآن، فالأمور تغيرت في الإقليم والحفاظ على الممالك والجمهوريات يمر بالحفاظ على ما تبقى في فلسطين. وأصبح العالم أكثر معرفة بما يجري، فدور الضحية لليهودي من جراء الهولوكوست لم يعد مقنعاً وانقلبت الأمور لنرى تأييد حكومات وأحزاب وشخصيات عالمية للحق الفلسطيني.

■ ■ ■

قبل عام، لم يكن مطروحاً سحب السلاح، لكن الآن أصبح شرطاً إسرائيلياً وأميركياً وجزءاً منه عربياً في غزة والضفة ولبنان وجنوب سوريا. هذا يعكس تقديرات قيادة الاحتلال أنه يمكن حصد ثمار الإبادة والتدمير وفرض شروط الاستسلام على الشعوب قبل الحكومات. وهذا التقدير مبني على أربعة أهداف حاول الاحتلال تحقيقها حين اندفع في 27 تشرين أول 2023 بالهجوم البري في قطاع غزة:

1. تحطيم «الطوق الناري الإيراني» أو «قتل الأخطبوط الإيراني» كما يسميه أفيف كوخافي: لم يحصل بالمستوى المطلوب رغم كل الاغتيالات والجولات المتواصلة من خان يونس إلى أصفهان، وتطابق النموذج في بيت حانون ومخيم جنين مع الخيام.
2. كسر الكتلة الديموغرافية الفلسطينية في فلسطين التاريخية عبر الإبادة أو التهجير وتحويل مَن يتبقى إلى عبيد وفي أعلى تقدير عمال بناء وعناصر شرطة. وهذا لم يحصل بعد عامين ونصف العام من الإبادة ومشاريع التهجير القسري والطوعي.
3. التوسع الجغرافي عبر المناطق العازلة الخالية من السكان الجاهزة للاستيطان وصولاً إلى «إسرائيل الكبرى». هذا يتفاوت في كل ساحة.
4. الإخضاع بالتطبيع، أي فرض التطبيع على كل العواصم والاعتراف بإسرائيل كدولة يهودية وأن تكون المرجعية في الإقليم. هذا أيضاً لم يحدث حتى الآن.

وفق الأهداف الأربعة أعلاه يمكن تحديد مَن سجّل نقاطاً أكثر في هذه الحرب متعددة المعارك والجولات. وبالتالي، هذه الحرب مستمرة وتتوسع وتستعر رغم الهدن. وذلك لأن الاحتلال يرى أن فكرة إسرائيل كمستوطنة وكيبوتس وقاعدة عسكرية متطورة متفوقة على محيطها تدمرت في عبور «الطوفان». وعليه، يكسر الاحتلال قوقعته وتحصنه بالجدران بالتوسع لكن كل توسع زائد هو انحسار بائد. وسيجد جيش الاحتلال تقهقره بعد تمدده في أراضٍ وضد شعوب ستقاتله حتى يفنى أحد الطرفين.

■ ■ ■

ربما كان الرئيس محمود عباس صائباً بتجنيب الضفة المحتلة التدمير والتهجير خلال المدة الماضية باعتبار أن لا إمكانيات لعسكرة المواجهة، لكن حالياً يجب الصعود في القطار وإلا فقدنا فرصة ذهبية. بيان الرئيس الأخير حول وجوب تضمين فلسطين ببنود الاتفاق الأميركي الإيراني، بداية التقاط أهمية اللحظة. في حين، إذا لم تمتلك أوراق قوة للجلوس على الطاولة، فلن يدفع عنك أحد تذكرة القطار. لذلك نقترح على الرئيس التالي: تظاهرات سلمية شعبية في الساحات من دون أي احتكاك مع الاحتلال، وتعمل السفارات الفلسطينية على حشد المناصرين في حملة عالمية مع تظاهرات أسبوعية في العواصم. أما أهداف التحركات فهي المطالبة بالحقوق السياسية وفي مقدمها الحرية والحماية الدولية ومحاسبة الاحتلال ووقف الاستيطان والمستوطنين والإفراج عن الأسرى، والأهم تفعيل بند وحدة الشعب والأرض.

■ ■ ■

قبل ثلاثة أعوام، وفي هذه الجريدة، نشرنا مقالاً بعنوان «لحظة فلسطينية» ولم تكن المتغيرات بهذا الحجم، وأكدنا فيه أنه «منذ ما قبل النكبة، لم يحصل أن تكون التحولات الدولية والإقليمية لمصلحة القضية الفلسطينية كما هي الآن. هي لحظة فلسطينية يجب استثمارها بدل أن يستغلها الاحتلال لمصلحته. هذه التحولات تبدأ بأوكرانيا، ولا تنتهي بالحضور الصيني إلى منطقة غرب آسيا، مروراً بالمصالحة الإيرانية – الخليجية. ولكن على صانع القرار الفلسطيني أن يحدد أولوياته، ويضع خياراته بالنسبة إلى المعسكرات الدولية.
وإذا كانت إسرائيل في المعسكر الغربي، فحتماً على الفلسطيني أن يكون في المعسكر المضاد، ولا سيما أن الأميركيين لن يتخلوا عن إسرائيل كدولة وظيفية وحليف استراتيجي، ولن تهمهم المصالح الفلسطينية. في المقابل، يمكن توظيف المصالحات الإقليمية خدمة للأهداف الفلسطينية. وهنا وجب تحديد هذه الأهداف وأساليب تحقيقها.

أمّا بالبقاء في خانة المراهنة على حلول «الرباعية الدولية» ستكون الخسارة أفدح مما سبقها. هي لحظة فلسطينية لن تتكرر يمكن في خلالها بناء مشروع فلسطيني متكامل يمكن فرضه وسط كل التحولات. وبدل من أن يكون الفلسطيني لاحقاً بالتغيرات يجب أن يشارك فيها. وبالفعل، كان «الطوفان» بعدها بخمسة أشهر. أمّا الآن، ففرصة الانقضاض مع رافعة إقليمية ودولية، بعد صمود إيران وتبدل المزاج العالمي باتجاه القضية بعد الإبادة، يمكن أن تضع فلسطين على الخريطة كدولة في أقل تقدير.

* كاتب وصحافي فلسطيني

شارك على :

واتس أب
فيسبوك
تويتر
تيليغرام
لينكد إن
بين تريست
الأيميل
طباعة