يوسف أبو سامر موسى*
منذ انطلاقة الثورة الفلسطينية المعاصرة مطلع عام 1965 ارتبط المشروع الوطني الفلسطيني بثوابت واضحة لا لبس فيها أساسها أن فلسطين التاريخية من البحر إلى النهر هي حق ثابت للشعب العربي الفلسطيني وأن الكيان الصهيوني قام على الاحتلال والاقتلاع والإحلال بالقوة. ولم تكن هذه المبادئ مجرد شعارات عاطفية بل شكّلت جوهر الميثاق الوطني الفلسطيني وروح الكفاح المسلح الذي التف حوله الشعب الفلسطيني والأمة العربية والإسلامية لعقود طويلة.
لكن مع التحولات السياسية التي شهدتها القضية الفلسطينية برز خطاب جديد حاول إعادة تعريف “الثوابت” بما يتناسب مع مسار التسوية السياسية حتى وصل الأمر إلى تقديم محمود عباس على أنه “الثابت على الثوابت” رغم أن مسيرته السياسية منذ بدايتها ارتبطت بسلسلة من التنازلات الجوهرية التي مست أساس المشروع الوطني الفلسطيني، وهو الذي يعترف، بأنه ومنذ التحاقه بحركة فتح كان ضد نهج المقاومة المسلحة، وميال الى نهج التسوية.
لقد كان محمود عباس من أبرز المنظّرين لاتفاق أوسلو، الاتفاق الذي شكّل أخطر انعطافة سياسية في تاريخ القضية الفلسطينية المعاصرة بعدما نقل القضية من قضية تحرر وطني لشعب تحت الاحتلال إلى نزاع إداري وأمني محدود الصلاحيات. فبموجب أوسلو جرى الاعتراف الرسمي بالكيان الصهيوني على أكثر من 78% من أرض فلسطين التاريخية مقابل سلطة محدودة السيادة مقيدة أمنياً واقتصادياً وسياسياً دون ضمانات حقيقية لقيام دولة فلسطينية مستقلة، وانعكست كل هذه التنازلات بشطب الميثاق الوطني الفلسطيني، وإفراغه من كل المضامين الوطنية، ومن كل ما يزعج قادة العدو وكيانهم العدواني.
ولم يتوقف الأمر عند حدود الاعتراف بالاحتلال بل ترافق مع إسقاط تدريجي للكثير من الثوابت التي نشأت عليها الحركة الوطنية الفلسطينية وفي مقدمتها حق المقاومة بوصفه حقاً مشروعاً للشعوب الواقعة تحت الاحتلال حيث تحوّل التنسيق الأمني لاحقاً إلى ركيزة أساسية في نهج السلطة الفلسطينية حتى وصفه محمود عباس نفسه بأنه “ مقدس” في تناقض صارخ مع إرث الثورة الفلسطينية وتضحيات آلاف الشهداء والأسرى.
كما شهدت تلك المرحلة تعديلات خطيرة على الميثاق الوطني الفلسطيني تحت ضغوط أمريكية وإسرائيلية مباشرة في مشهد اعتبره كثيرون تخلياً سياسياً عن الرواية التاريخية الفلسطينية ومحاولة لإعادة صياغة الوعي الوطني بما يتلاءم مع شروط التسوية الأمريكية الصهيونية.
أما على مستوى السلطة فقد ارتبط صعود محمود عباس إلى رئاسة الحكومة الفلسطينية عام 2003 بضغوط وقرارات أمريكية مباشرة في إطار مشروع إعادة تشكيل القيادة الفلسطينية بما ينسجم مع الرؤية الأمريكية والإسرائيلية للمنطقة، ثم جاء وصوله إلى رئاسة السلطة بعد إغتيال الرئيس الراحل ياسر عرفات في ظل توافقات دولية وإقليمية اعتبرت أن عباس يمثل “الشريك الفلسطيني المقبول” القادر على ضبط الحالة الفلسطينية وإدارة المرحلة وفق متطلبات التسوية.
ومنذ ذلك الحين استمر النهج السياسي ذاته القائم على الرهان على المفاوضات رغم فشلها المتكرر، وعلى التمسك بخيار التسوية رغم التوسع الاستيطاني وتهويد القدس والحصار والحروب المتتالية على قطاع غزة دون أن تتمكن هذه السياسة من انتزاع الحد الأدنى من الحقوق الوطنية الفلسطينية.
إن توصيف محمود عباس بأنه “ثابت على الثوابت” يطرح تساؤلات عميقة حول مفهوم الثوابت نفسه: هل الثبات يكون بالتمسك بحقوق الشعب الفلسطيني التاريخية كاملة؟ أم بالثبات على خيار التسوية مهما بلغت التنازلات؟ وهل يمكن اعتبار التخلي التدريجي عن أدوات القوة الفلسطينية وفي مقدمتها المقاومة حفاظاً على الثوابت أم خروجاً عنها؟
اليوم، وبعد عقود من مسار أوسلو تبدو النتيجة واضحة أمام الشعب الفلسطيني: احتلال أكثر تغولاً، واستيطان أكثر توسعاً، وانقسام داخلي أكثر عمقا، وسلطة محدودة الصلاحيات تحاصرها القيود الأمنية والاقتصادية.
ولعلّ المشهد الأخير المتعلق بما سُمّي “تجديد البيعة” لمحمود عباس وتفويضه مجدداً بقيادة حركة فتح يعكس حجم الأزمة البنيوية التي تعيشها الحركة الوطنية الفلسطينية لا سيما داخل الأطر القيادية لحركة فتح نفسها، فبدلاً من أن يشكل المؤتمر محطة مراجعة سياسية وتنظيمية ونقدية لمسار طويل من الإخفاقات والتراجعات جرى تكريس حالة التفرد وإعادة إنتاج القيادة ذاتها في مشهد بدا أقرب إلى الإقرار بالأمر الواقع منه إلى ممارسة ديمقراطية حقيقية تعبّر عن إرادة القاعدة الفتحاوية أو المزاج الوطني العام.
إن منح تفويض مفتوح لعباس تحت عنوان “الشرعية” أو “الحفاظ على وحدة الحركة” يطرح تساؤلات جوهرية حول قدرة اللجنة المركزية لحركة فتح على اتخاذ مواقف مستقلة بعيداً عن الضغوط السياسية والأمنية والارتباطات الخارجية، خصوصاً أن تركيبة القيادة الحالية تشكلت على مدار سنوات ضمن بيئة سياسية مرتبطة بشكل مباشر بمسار أوسلو والتنسيق الأمني والالتزامات الدولية المفروضة على السلطة الفلسطينية. ولذلك يرى كثيرون أن حالة الإجماع المعلنة داخل الأطر القيادية لا تعبّر بالضرورة عن قناعة وطنية موحدة بل عن غياب الحياة الديمقراطية الحقيقية والخشية من أي تغيير قد يهدد بنية السلطة القائمة ومصالح الطبقة السياسية المرتبطة بها.
وفي الوقت الذي كانت فيه الجماهير الفلسطينية تنتظر مراجعة جادة لمسار أثبت فشله في حماية الحقوق الوطنية، جاءت هذه “البيعة الجديدة” لتؤكد الإصرار على النهج ذاته وكأن المطلوب ليس تصحيح المسار بل إعادة تدوير الأزمة وتمديد عمرها السياسي مهما كانت الكلفة الوطنية.
إن إعادة الاعتبار للمشروع الوطني الفلسطيني تتطلب مراجعة شاملة وصريحة لهذه المرحلة بعيداً عن الشعارات والتوصيفات السياسية الزائفة والعودة إلى جوهر القضية باعتبارها قضية تحرر وطني لا يمكن اختزالها باتفاقات أثبت الواقع فشلها وعجزها عن حماية الأرض والإنسان والحقوق الفلسطينية.
*باحث وكاتب سياسي/ فلسطين.