بقلم: د. عبد الرحيم جاموس
ليست المناصب هي التي تصنع المناضلين، ولا الكراسي هي التي تمنح الإنسان قيمته الوطنية، فالتاريخ الفلسطيني لم يخلّد أصحاب النفوذ العابر، بل حفظ أسماء أولئك الذين بقوا أوفياء لفلسطين في أصعب اللحظات، ودفعوا أثمان مواقفهم ثباتًا وصبرًا وتضحية.
فالفتحاوي الحقيقي لا يُعرَّف بما يشغله من موقع تنظيمي أو سياسي، بل بما يحمله من إيمان عميق بالقضية الوطنية، وبقدر التزامه بقيم النضال والوفاء والصدق ونقاء اليد. لذلك بقيت أسماء كبيرة في ذاكرة الشعب الفلسطيني لأنها ارتبطت بالموقف الوطني الصلب، لا بالمكاسب أو الامتيازات، أمثال خليل الوزير، صلاح خلف، كمال عدوان، ودلال المغربي، الذين تحوّلوا إلى رموز خالدة لأنهم جسّدوا معنى الانتماء الحقيقي لفلسطين.
إن أخطر ما قد يواجه أي حركة تحرر وطني ليس فقط ضغوط العدو أو المؤامرات الخارجية، بل تراجع منظومة القيم الداخلية، حين تختلط الشعارات بالمصالح، ويتحوّل العمل الوطني من رسالة تحرر إلى وسيلة لتحقيق النفوذ الشخصي. فالحركات الوطنية تفقد روحها حين يصبح الموقع هدفًا بحد ذاته، بدل أن يبقى أداة لخدمة الشعب والقضية.
ولهذا فإن قيمة المناضل لا تُقاس بعدد المناصب التي تقلّدها، بل بقدرته على الثبات حين تتبدّل الظروف، وعلى الحفاظ على مواقفه حين تتسع مساحة الصمت أو الخوف أو الإغراء. فالمناضل الحقيقي لا ينتظر تصفيقًا، ولا يبحث عن لقب، لأنه يدرك أن احترام الجماهير لا يُشترى، بل يُنتزع بالموقف النظيف والعمل الصادق والتضحية.
لقد أثبتت التجربة الفلسطينية الطويلة أن الجماهير تميّز دائمًا بين من حمل القضية بإخلاص، وبين من اتخذها سلّمًا لتحقيق مصالحه الخاصة. فكم من أصحاب مواقع غابوا سريعًا عن الذاكرة، وكم من مناضلين حوربوا أو ضُيّق عليهم، لكنهم بقوا أحياء في وجدان شعبهم لأنهم اختاروا الانحياز لفلسطين لا لأنفسهم.
ولا يعني ذلك التقليل من أهمية العمل المؤسسي أو المسؤولية التنظيمية، فالحركات الوطنية تحتاج إلى مؤسسات قوية وكفاءات حقيقية وقيادات قادرة على الإنجاز. لكن الفارق الجوهري يبقى في طبيعة العلاقة مع المنصب: هل هو تكليف لخدمة المشروع الوطني، أم امتياز شخصي ومصدر نفوذ؟
إن التحدي الأكبر أمام حركة التحرير الوطني الفلسطيني فتح، وأمام الحركة الوطنية الفلسطينية عمومًا، هو استعادة الثقافة النضالية الأصيلة التي قامت عليها الثورة الفلسطينية المعاصرة؛ ثقافة التضحية والانتماء الشعبي والالتزام الوطني والأخلاقي، بعيدًا عن الحسابات الضيقة وصراعات المواقع.
فالأوطان لا يحميها الباحثون عن مصالحهم، بل أصحاب العزيمة والإيمان والوفاء، والكرامة الوطنية لا يصنعها أصحاب الامتيازات، بل أولئك الذين يبقون أوفياء لشعبهم مهما اشتدت العواصف وتعاظمت التحديات.
وفي النهاية، تبقى الحقيقة الأوضح أن المناصب إلى زوال، أما الرجال أصحاب المبادئ والمواقف الصادقة، فتبقى أسماؤهم منقوشة في ذاكرة الشعوب، لأن قيمة الإنسان لا تُقاس بما جلس عليه من كرسي، بل بما دافع عنه وضحّى من أجله.