مازن كريّم
تتواصل ردود الفعل اللبنانية الرافضة للعقوبات الأميركية الأخيرة التي استهدفت شخصيات من “حزب الله” و”حركة أمل”، إلى جانب ضباط في الجيش اللبناني والأمن العام، وسط تحذيرات من تداعياتها السياسية والأمنية على لبنان ومؤسساته الرسمية.
وفي هذا السياق، اعتبر العميد الركن المتقاعد، والخبير العسكري منير شحادة أن العقوبات الأخيرة تحمل دلالات بالغة الخطورة، لأنها تعكس – بحسب وصفه – انتقال الولايات المتحدة من استهداف “حزب الله” فقط، إلى تحميل الدولة اللبنانية نفسها مسؤولية استمرار نفوذ الحزب داخل مؤسساتها.
وقال شحادة في حديث مع “قدس برس” إن واشنطن باتت تنظر إلى بعض مؤسسات الدولة، وخصوصًا الأمنية منها، على أنها “مخترقة أو متواطئة أو عاجزة عن الفصل بين الدولة ونفوذ حزب الله”، معتبرًا أن ذلك “ينسف عمليًا الحصانة السياسية التي تمتعت بها المؤسسات الأمنية اللبنانية لعقود”.
وأوضح أن السياسة الأميركية السابقة كانت تقوم على “احتواء حزب الله” عبر العقوبات المالية والضغط الاقتصادي والدبلوماسي، إلى جانب دعم الجيش اللبناني وعزل الحزب عربيًا ودوليًا، إلا أن المرحلة الحالية تشهد انتقالًا نحو “سياسة الإكراه”.
وأشار إلى أن “واشنطن باتت تضغط بشكل مباشر على الدولة اللبنانية، وتربط أي دعم دولي أو اقتصادي بمسار واضح يتعلق بحصر السلاح بيد الدولة”، لافتًا إلى أن “التصريحات الأميركية الأخيرة ركزت بصورة متكررة على ضرورة استعادة الدولة اللبنانية سلطتها الحصرية على السلاح”.
ورأى شحادة أنّ”العقوبات تحمل أيضًا رسالة مباشرة إلى الجيش اللبناني، مفادها أن استمرار الدعم الأميركي للمؤسسة العسكرية قد يصبح موضع مراجعة إذا لم يتحول الجيش إلى أداة تنفيذية فعلية لمشروع حصر السلاح بيد الدولة”.
وأكد أن “هذه الرسالة شديدة الحساسية، في ظل اعتماد الجيش اللبناني بشكل كبير على التمويل الأميركي والتدريب والدعم اللوجستي والتقني والاستخباراتي”.
وفي قراءته لتوقيت العقوبات، أشار شحادة إلى أنها “تأتي في ظل تصعيد إقليمي واسع يشمل الحرب على لبنان، والمواجهة مع إيران، والتوترات الممتدة في سوريا والعراق والبحر الأحمر”، معتبرًا أن “واشنطن ترى في استمرار ملف سلاح حزب الله تهديدًا دائمًا للجبهة الشمالية لإسرائيل”.
وأضاف أن “هناك ضغوطًا إسرائيلية متزايدة على الإدارة الأميركية لمنع إعادة بناء قوة حزب الله، وفرض ترتيبات أمنية جديدة جنوب لبنان، وتحويل الجيش اللبناني إلى القوة المسلحة الوحيدة جنوب الليطاني”.
كما لفت إلى أن “العقوبات تأتي قبيل مسارات تفاوض أمني بين لبنان و”إسرائيل” برعاية أميركية، ما يعكس – بحسب قوله – محاولة واشنطن رفع مستوى الضغط السياسي والأمني قبل أي ترتيبات مقبلة”.
واعتبر شحادة أن الولايات المتحدة لم تعد تكتفي بإدارة الأزمة اللبنانية، بل تسعى إلى “إعادة هندسة التوازن الأمني” في لبنان والمنطقة، عبر تشديد الضغوط المالية، وإعادة هيكلة بعض الأجهزة، وتعزيز نفوذ الجيش، وربط إعادة الإعمار والدعم الاقتصادي بمسار أمني واضح.
لكنه حذر في المقابل من أن هذا المسار قد يؤدي إلى “نتائج عكسية، نظرًا لتعقيدات الواقع اللبناني، والانقسام الطائفي، والأزمة الاقتصادية، ووجود قوة عسكرية عقائدية كبيرة مثل “حزب الله”، ما قد يفضي – بحسب تقديره – إلى إضعاف الدولة بدل تعزيزها”.
بدوره، اعتبر الكاتب والمحلل السياسي قاسم قصير أن العقوبات الأميركية الأخيرة على شخصيات لبنانية سياسية وأمنية تأتي في إطار الضغط المباشر على لبنان بكل مكوناته، سواء على المستوى السياسي أو الأمني، بهدف فرض شروط واشنطن وتل أبيب في الملفات الداخلية والإقليمية.
وقال قصير في حديث لـ “قدس برس” إن هذه العقوبات “تستهدف بالدرجة الأولى رئيس مجلس النواب نبيه بري وحركة “أمل” و”حزب الله”، إضافةً إلى الجيش اللبناني وبعض الأجهزة الأمنية، من أجل دفعها – بحسب تعبيره – إلى تبنّي مقاربات تتماشى مع “المشروع الأميركي الإسرائيلي”، سواء في مسار المفاوضات أو في إدارة الوضع الداخلي اللبناني.
وأضاف أن الهدف من هذا التصعيد هو “ممارسة ضغط سياسي على القيادات اللبنانية التي تعتبرها واشنطن عائقًا أمام مسار المفاوضات المباشرة أو غير المباشرة”، مشيرًا إلى أن العقوبات تحمل رسالة واضحة مفادها أن “كل من يقف في وجه هذا المشروع سيكون عرضة للإجراءات العقابية”.
وفي قراءته لتوقيت هذه الخطوة، رأى قصير أن العقوبات تأتي نتيجة ما وصفه بـ”فشل المحاولات الأميركية والإسرائيلية في فرض شروطها السياسية والأمنية”، مقابل ما يعتبره “نجاحًا للمقاومة في تغيير موازين القوى وإيقاع خسائر كبيرة بالجانب الإسرائيلي”.
كما اعتبر أن أحد الأهداف غير المعلنة لهذه العقوبات هو محاولة استهداف “الوحدة الشيعية” التي تجسدت في المرحلة الأخيرة بين “حركة أمل” و”حزب الله”، عبر محاولة خلق تباينات أو شرخ سياسي بين الطرفين.
إلا أن قصير شدد على أن هذه السياسات، بحسب تقديره، لن تؤدي إلى النتائج التي تراهن عليها واشنطن، بل ستفضي إلى مزيد من التماسك والتضامن بين القوى المستهدفة، في مواجهة ما وصفه بمحاولات الضغط والابتزاز السياسي.
هذا وأكد الجيش اللبناني في بيان صادر عن مديرية التوجيه أن جميع ضباط المؤسسة العسكرية وعناصره “يؤدون مهماتهم الوطنية بكل احتراف ومسؤولية وانضباط، ووفق القرارات والتوجيهات الصادرة عن قيادة الجيش”.
وشددت القيادة على أن “ولاء العسكريين هو للمؤسسة العسكرية والوطن فقط”، مشيرةً إلى أن قيادة الجيش لم تُبلّغ عبر قنوات التواصل المعتمدة بما ورد في البيان الأميركي بشأن اتهام أحد الضباط بتسريب معلومات استخباراتية
من جهته، رأى الرئيس اللبناني السابق إميل لحود أن لائحة العقوبات الأميركية “باتت تستحق أن تسمى لائحة الشرف”، معتبرًا أن إدراج ضباط من الجيش والأمن العام يؤكد “الانحياز الأميركي الكامل لإسرائيل”.
واتهم لحود الولايات المتحدة بمحاولة “خلق فتنة داخلية” من خلال الدفع نحو الصدام بين الجيش وبيئة المقاومة، داعيًا لبنان إلى الانفتاح على الصين في ملف تسليح الجيش بدل الاعتماد على الولايات المتحدة.
كما أكدت حركة “أمل” أن العقوبات التي طالت مسؤولين فيها “غير مقبولة وغير مبررة”، معتبرة أنها تستهدف الحركة ودورها السياسي “الحريص على حماية الدولة والمؤسسات”.
والجدير بالذكر أن وزارة الخزانة الأميركية فرضت عقوبات على تسعة من أعضاء البرلمان اللبناني ومسؤولين من “حزب الله” وحركة “أمل”، متهمةً إياهم بـ”عرقلة عملية السلام في لبنان وإعاقة نزع سلاح حزب الله”، وذلك بموجب ما وصفته بسلطات “مكافحة الإرهاب”.
وشملت العقوبات الوزير السابق محمد فنيش، وأعضاء كتلة “الوفاء للمقاومة” النواب حسن فضل الله، حسين الحاج حسن، وإبراهيم الموسوي، إلى جانب السفير الإيراني المعيّن لدى لبنان محمد رضا شيباني.
كما طالت العقوبات أحمد أسعد بعلبكي وعلي أحمد صفاوي، وهما مسؤولان في “حركة أمل”.
ولم يقتصر القرار الأميركي على شخصيات سياسية وحزبية، بل شمل أيضًا ضباطًا في مؤسسات أمنية رسمية، إذ ادعت وزارة الخزانة الأميركية أن “حزب الله” يتلقى “دعمًا غير مشروع من داخل الأجهزة الأمنية الشرعية اللبنانية”.
وأدرجت الوزارة العميد خطار ناصر الدين، رئيس دائرة الأمن القومي في المديرية العامة للأمن العام، والعقيد سامر حمادي، رئيس فرع المخابرات في منطقة الضاحية بمديرية المخابرات في الجيش اللبناني، على لائحة العقوبات.