بينما بدأت أفواج الحجاج بالتوافد إلى مشعر منى مع إشراقة يوم التروية، استعدادًا للوقوف في جبل عرفة، كانت الصورة في قطاع غزة مختلفة إلى حدّ الوجع؛ ملايين المسلمين يتجهون إلى المشاعر المقدسة بقلوب يملؤها الرجاء، فيما كان الغزيون يستقبلون هذا اليوم المثقل بالمعاني بين ركام البيوت، وتحت أصوات الغارات، وبين نزوح لا يتوقف.
في كل عام، يحمل يوم التروية معنى الاستعداد؛ التزوّد بالماء، والتهيؤ للنسك، وامتلاء القلوب بخشوع الحج. يوم تتجه فيه الأرواح إلى الله بطمأنينة، وتُفتح فيه أبواب الدعاء على اتساعها.
لكن غزة هذا العام تستقبل اليوم من زاوية أخرى؛ مدينة أنهكتها عدوان الاحتلال العسكري، وغابت عنها ملامح المواسم التي اعتادها الناس، ليحلّ مكانها انتظار ثقيل وخوف مفتوح على كل الاحتمالات.
بين تلبية الحجيج وصراخ الناجين
في الوقت الذي ارتفعت فيه أصوات الحجاج بـ”لبيك اللهم لبيك”، كانت غزة ترفع دعاءً من نوع آخر؛ دعاء النجاة، وطلب السلامة، والرجاء بأن تمرّ الساعات القادمة من دون فقد جديد.
هنا لا قوافل تتجه إلى منى، ولا استعدادات لموسم عيد كما كان يحدث كل عام. يحمل الناس ما استطاعوا من حاجات بسيطة، وينتقلون من مكان إلى آخر بحثًا عن مأوى مؤقت، يراقبون السماء أكثر مما ينظرون إلى الأرض، ويتعاملون مع كل يوم جديد باعتباره اختبارًا جديدًا للصبر.
وفيما يتزوّد الحجاج بالماء قبل الوقوف بعرفة، يتزوّد الغزيون بما تبقّى من قدرة على الاحتمال؛ طوابير طويلة للحصول على الماء، محاولات متواصلة لتأمين الخبز، وأمهات يختصرن الحياة كلها في دعاء واحد: “اللهم مرّر هذا اليوم بسلام”.
في غزة.. التروية بالصبر
يرتبط يوم التروية في معناه الديني بالتزوّد بالماء استعدادًا للمناسك، لكن غزة عرفت التروية هذا العام بصورة مختلفة؛ الأرض مثقلة بآثار القصف، والسماء يملؤها الدخان، والناس يروون يومهم بالصبر أكثر من أي شيء آخر.
داخل مراكز النزوح لا شيء يشبه المواسم التي عرفها الغزيون سابقًا. أطفال يعرفون أن عيد الأضحى بات قريبًا، لكنهم لا يعرفون أين سيكونون بعد ساعات، وعائلات فقدت بيوتها أكثر من مرة، تحمل ما تبقى من حاجاتها وتحاول خلق مساحة ضيقة للحياة وسط واقع لا يمنحها كثيرًا من الوقت أو الأمان.
تقول أم محمد العربشلي وهي ترتب بطانية فوق أرضية خيمة مهترئة: “في مثل هذه الأيام كنا ننتظر عرفة والعيد، ونفرح ونحن نتابع الحجاج ونتبادل التهاني. اليوم لا نعرف ماذا سيأتي بعد الليل، وكل ما نطلبه أن يبقى أولادنا بخير”.
وتضيف وهي تنظر إلى أطفالها: “حتى الدعاء صار مختلفًا… كنا ندعو بالبركة والرزق، واليوم ندعو بالحياة”.
العيد يقترب… وغزة تعدّ خسائرها
مع اقتراب عيد الأضحى، تستعيد غزة مواسم كانت ترتبط بالبهجة؛ الأسواق، تكبيرات المساجد، زيارات العائلات، وتحضيرات بسيطة كانت تمنح الأيام طعمًا خاصًا.
لكن المشهد اليوم مختلف؛ مدينة كاملة تعيش بين الحداد والانتظار، تُحصي أسماء من فقدتهم، وتراقب ما تبقى من تفاصيل الحياة وهي تتآكل يومًا بعد يوم.
ورغم كل شيء، يبقى إيمان الناس حاضرًا؛ بأن الله يسمع الدعاء مهما اشتد الألم، وأن مواسم العبادة تبقى أوسع من الحرب، وأكبر من المكان، وأقرب إلى القلب من كل ما يثقله.