بقلم: يوسف أبو سامر موسى
منذ انعقاد المؤتمر الصهيوني الأول بقيادة تيودور هرتزل في مدينة بازل بتاريخ التاسع والعشرين من آب/أغسطس عام 1897، بدأت تتبلور بصورة علنية معالم المشروع الصهيوني القائم على إنشاء وطن قومي لليهود، قبل أن تتبناه القوى الاستعمارية الغربية بوصفه مشروعاً متقدماً لحماية مصالحها في المنطقة العربية والإسلامية. وقد شكّل وعد بلفور محطة مفصلية في منح الغطاء السياسي لزرع هذا الكيان في فلسطين، رغم ما ترتب على ذلك من ظلم تاريخي وتشريد للشعب الفلسطيني وحرمانه من حقه الطبيعي في أرضه ووطنه.
ورغم الدعم الدولي غير المحدود الذي حظي به الاحتلال على مدار عقود، فإن المشروع الصهيوني لم ينجح في تحقيق الأمن والاستقرار الحقيقيين، بل بقي يعيش حالة قلق وجودي دائم، الأمر الذي يطرح سؤالاً جوهرياً حول حقيقة نجاح هذا المشروع الذي قام أساساً على القوة العسكرية والعنف والاقتلاع.
لقد استندت العقيدة الصهيونية إلى أحلام توراتية توسعية رُوّج لها باعتبارها مشروعاً تاريخياً قابلاً للتحقق، من خلال الحديث عن “إسرائيل الكبرى” الممتدة وفق التصورات الصهيونية من النيل إلى الفرات، إلا أن الوقائع الميدانية كشفت فشل هذه الرؤية في التحول إلى حقيقة سياسية أو جغرافية. فبعد أكثر من سبعين عاماً على قيام إسرائيل، ما زال الكيان عاجزاً عن تثبيت شرعية وجوده في المنطقة، ويعيش خلف الجدران والأسلاك والمنظومات الدفاعية، في دلالة واضحة على أزمة عميقة تضرب بنيته الاستراتيجية والفكرية.
ومن أبرز شواهد الفشل الاستراتيجي للمشروع الصهيوني، الإخفاقات المتتالية في لبنان، حيث اضطر الاحتلال إلى الانسحاب المذل من جنوب لبنان عام 2000 تحت ضربات المقاومة، في أول انسحاب إسرائيلي من أرض عربية من دون قيد أو شرط، الأمر الذي شكّل ضربة قاسية لنظرية “الجيش الذي لا يُقهر”. ثم جاءت هزيمة تموز عام 2006 لتؤكد حجم التآكل الذي أصاب العقيدة العسكرية الإسرائيلية، بعدما فشل الجيش الإسرائيلي في تحقيق أهدافه رغم استخدامه القوة التدميرية الهائلة. ولم تتوقف الإخفاقات عند هذا الحد، بل امتدت إلى المواجهات الحالية خلال حرب 2024 ـ 2026، حيث عجز الاحتلال عن فرض معادلات حاسمة أو إعادة ترميم صورة الردع التي تآكلت بصورة غير مسبوقة.
أما في قطاع غزة، فقد تحوّل القطاع المحاصر إلى نموذج صارخ لفشل الأهداف العسكرية الإسرائيلية. فرغم حجم الدمار الهائل والجرائم المرتكبة بحق المدنيين، لم يتمكن الاحتلال من إنهاء المقاومة أو فرض الاستسلام على الشعب الفلسطيني، بل وجد نفسه أمام حرب استنزاف طويلة كشفت حدود القوة العسكرية الإسرائيلية وعجزها عن تحقيق الحسم. كما أن استمرار إطلاق الصواريخ والعمليات النوعية رغم التفوق العسكري والتكنولوجي الإسرائيلي، شكّل دليلاً إضافياً على سقوط نظرية الردع التقليدية التي طالما تباهت بها إسرائيل.
لقد قامت العقيدة الأمنية الإسرائيلية لعقود على مبدأ الردع المطلق والتفوق التكنولوجي والاستخباراتي، إلا أن السنوات الأخيرة كشفت تصدع هذه العقيدة بصورة خطيرة. فالاختراقات الأمنية والعمليات العسكرية التي نفذتها قوى المقاومة أظهرت أن التفوق التكنولوجي لا يكفي لحسم الصراعات أو منع انهيار الجبهة الداخلية. كما أن فشل منظومات الحماية والاستخبارات في منع الضربات المفاجئة أدى إلى اهتزاز ثقة المستوطنين بالمؤسسة العسكرية والأمنية، وأدخل المجتمع الإسرائيلي في حالة خوف وارتباك غير مسبوقة.
وفي السياق ذاته، فإن المشروع الصهيوني أخفق في تحقيق هدفه الأهم المتمثل في دمج إسرائيل طبيعياً في وعي شعوب المنطقة وثقافتها السياسية. فرغم كل اتفاقيات التطبيع والضغوط الدولية، بقيت غالبية الشعوب العربية والإسلامية تنظر إلى الاحتلال باعتباره كياناً استعمارياً وعنصرياً، وهو ما يعني فشل الاحتلال في اختراق البنية الفكرية والثقافية لهذه الشعوب أو تصفية القضية الفلسطينية من الوعي الجمعي العربي والإسلامي.
كما أن صورة إسرائيل الدولية تعرضت خلال السنوات الأخيرة لانهيار غير مسبوق، بعدما تعرت جرائم الاحتلال في غزة ولبنان أمام الرأي العام العالمي، وتصاعدت الاتهامات الدولية له بارتكاب جرائم حرب وإبادة جماعية. وقد أدى ذلك إلى تنامي العزلة الدولية والتراجع الدبلوماسي، حتى داخل الدول الغربية التي لطالما وفرت الحماية السياسية لإسرائيل، حيث تصاعدت الاحتجاجات الشعبية والطلابية وحملات المقاطعة، وبدأت قطاعات واسعة من الرأي العام الغربي تعيد النظر في الرواية الصهيونية التقليدية.
وعلى المستوى الداخلي، يواجه الكيان الصهيوني أزمات اقتصادية واجتماعية متفاقمة نتيجة الحروب المفتوحة وحالة الاستنزاف المستمرة. فقد أدى الإنفاق العسكري الضخم وتراجع الاستثمارات والسياحة وهروب رؤوس الأموال إلى نزيف مالي متواصل، انعكس بصورة مباشرة على الاقتصاد الإسرائيلي ومستوى المعيشة، في وقت تتزايد فيه الانقسامات السياسية والاجتماعية داخل المجتمع الإسرائيلي بصورة غير مسبوقة.
وقد ازدادت هذه الأزمة تعقيداً مع صعود التيارات المتطرفة وسيطرتها على مفاصل القرار، حيث باتت القرارات المصيرية تخضع لأجندات أيديولوجية متشددة لا تراعي مستقبل الدولة أو علاقاتها الدولية، كما فعل إيتمار بن غفير في تعاطيه العدائي مع أسطول الحرية والمتضامنين الدوليين، الأمر الذي أثار غضباً دولياً واسعاً، وكشف الطبيعة العنصرية والعنيفة لهذا المشروع.
من هنا، يبرز السؤال الكبير: هل بدأت النخب السياسية والعسكرية في إسرائيل تدرك أن المشروع الصهيوني دخل مرحلة الفشل التاريخي والاستراتيجي؟ وهل بات الحديث المتكرر داخل الأوساط الإسرائيلية عن “لعنة العقد الثامن” تعبيراً عن خوف حقيقي من التفكك والانهيار، بعد أن اصطدم المشروع الصهيوني بحدود القوة وفشل في تحقيق أهدافه التوراتية والتوسعية؟
إن الحقيقة التاريخية تؤكد أن الاحتلال، مهما امتلك من قوة ودعم، لا يستطيع إلغاء إرادة الشعوب أو طمس حقوقها. فمصير الاستعمار والعنصرية إلى زوال، والبقاء لأصحاب الأرض والتاريخ والحق، وللشعوب التي تؤمن بأن الحرية قدر حتمي لا يمكن مصادرته بالقوة والقتل والإبادة.