آخر الأخبار

لم تعد المعركة كما كانت: فلسطين بين احتلال الأرض واستهداف الوعي

IMG-20251215-WA0126

كتب عصام الحلبي

منذ أن قال الفيلسوف “هيراقليطس”: إن الإنسان لا ينزل النهر مرتين، والبشرية تكتشف في كل عصر أن التغيير ليس استثناءً في الحياة، بل هو القاعدة، فالمياه تتبدل، والأفكار تتطور، والمجتمعات تتغير، وكذلك أشكال الصراع ووسائل التأثير بين المجتمعات و الأمم والشعوب.
ولعل أحد أكبر الأخطاء التي تقع فيها الحركات السياسية والوطنية هو الاعتقاد أن أدوات وأساليب الأمس تصلح دائمًا لمعركة اليوم. فالقضايا العادلة لا تتغير بالضرورة، لكن الوسائل والأدوات التي تخدمها يجب أن تتطور باستمرار، وإلا تحولت إلى عبئ على أصحابها بدل أن تكون مصدر قوة لهم.
القضية الفلسطينية مثال واضح على ذلك. فالاحتلال الذي واجهه الفلسطينيون قبل عقود ليس هو نفسه الاحتلال الذي يواجهونه اليوم، ليس لأن أهدافه تغيرت، بل لأن أدواته وأساليبه تطورت. فإلى جانب السيطرة العسكرية والاستيطان والحصار والعدوان، برزت أشكال أخرى من الصراع تستهدف الوعي والذاكرة والهوية والرواية الوطنية.
في الماضي كان الاستعمار يأتي على متن السفن والبوارج العسكرية ويرفع أعلامه فوق الأراضي التي يحتلها. أما اليوم فإن أشكال الهيمنة أصبحت أكثر تعقيدًا. فقد تتم السيطرة على الشعوب عبر الإعلام، أو عبر المنظومات الثقافية والتعليمية، أو من خلال التحكم بالمعلومات والصورة والرواية ،وأحيانًا يصبح احتلال العقول أكثر خطورة واستدامة من احتلال الأرض نفسها.
إن المعركة اليوم، ليست فقط معركة حدود وجغرافيا فقط مع اهميتها، بل هي أيضًا معركة سرديات ،فالدول والقوى الكبرى لم تعد تكتفي بصناعة الوقائع، بل تعمل على صناعة تفسير هذه الوقائع وتسويقها عالميًا. ومن يمتلك القدرة على التأثير في الرأي العام العالمي، يمتلك جزءًا مهمًا من عناصر القوة.
ومن هنا يمكن فهم حجم استثمار الإحتلال الإسرائيلي في الإعلام الدولي، ومراكز الأبحاث، والجامعات، وصناعة الأفلام، والمنصات الرقمية، والعلاقات الثقافية والأكاديمية. فكيان الاحتلال الإسرائيلي يدرك أن الصراع لا يُحسم فقط بما يحدث على الأرض، بل أيضًا بالطريقة التي تُروى بها أحداث الأرض للعالم.
في المقابل، لا تزال قطاعات واسعة من العمل الفلسطيني تنظر إلى الثقافة والإعلام والبحث العلمي بوصفها ملفات ثانوية، رغم أنها أصبحت في كثير من الأحيان ساحات اشتباك أساسية، فالرواية الفلسطينية لا تواجه فقط محاولات التشويه، بل تواجه أيضًا محاولات الإلغاء أو التهميش أو إعادة التفسير بما يخدم الرواية المضادة.
لقد أثبتت السنوات الأخيرة أن صورة واحدة من غزة قد تهز الرأي العام العالمي أكثر من عشرات البيانات السياسية. وأثبتت أن شهادة طفل فلسطيني، أو فيلم وثائقي، أو رواية مترجمة، أو دراسة أكاديمية موثقة، يمكن أن تصل إلى أماكن قد لا تصل إليها الخطابات الرسمية.
ولهذا فإن النضال الوطني في عصرنا لم يعد يقتصر على المواجهة المباشرة مع الاحتلال، بل أصبح يشمل معركة إنتاج المعرفة أيضًا. فمن يكتب التاريخ؟ ومن يوثق الجرائم؟ ومن يحفظ الذاكرة الجماعية؟ ومن يخاطب العالم بلغاته المختلفة؟ ومن يشرح حقيقة ما يجري للأجيال الجديدة التي لا تعرف الكثير عن فلسطين؟
إن الجامعات الفلسطينية مطالبة اليوم بأن تكون مراكز لإنتاج المعرفة الوطنية، لا مجرد مؤسسات تمنح الشهادات. والمراكز البحثية مطالبة بتوثيق التجربة الفلسطينية وتقديمها بلغة علمية قادرة على مخاطبة العالم. كما أن المثقفين والكتاب والفنانين والمترجمين والإعلاميين يتحملون مسؤولية لا تقل أهمية عن مسؤولية السياسيين، لأنهم يشاركون في حماية الوعي الوطني من التآكل والتشويه.
ولعل التحدي الأكبر يكمن في أن العالم يعيش ثورة معرفية وتكنولوجية غير مسبوقة. فالذكاء الاصطناعي، ومحركات البحث، ومنصات التواصل، وقواعد البيانات الرقمية، أصبحت أدوات مؤثرة في تشكيل الرأي العام وصناعة المعرفة. وإذا لم يكن الفلسطيني حاضرًا في هذه المساحات بإنتاجه الفكري والثقافي والعلمي، فإن الآخرين سيملأون الفراغ ويكتبون قصته بالنيابة عنه.
إن الدفاع عن الرواية الفلسطينية لا يكون بالشعارات وحدها، بل ببناء مؤسسات ثقافية قوية، وتشجيع البحث العلمي، ودعم الترجمة، والاستثمار في الإعلام الرقمي، وتوثيق التاريخ الشفوي، وإنتاج الأفلام والكتب والمحتوى المعرفي القادر على الوصول إلى العالم.
فالمعركة على فلسطين لم تعد تدور فقط حول من يسيطر على الأرض فقط، بل أيضًا حول من ينجح في تفسير هذه الأرض وتاريخها وقضيتها أمام البشرية. ومن هنا فإن الثقافة الوطنية ليست نشاطًا هامشيًا، بل جزء من منظومة الصمود والمقاومة والدفاع عن الحقوق الوطنية.
لقد أثبت التاريخ أن الشعوب لا تنتصر فقط لأنها تملك قضية عادلة، بل لأنها تعرف كيف تحمي هذه القضية من النسيان، وكيف تنقلها من جيل إلى جيل، وكيف تقدمها للعالم بلغة يفهمها ويحترمها. ولذلك فإن التمسك بالثوابت الوطنية الفلسطينية يجب أن يقترن دائمًا بالقدرة على تجديد الأدوات وتطوير الوسائل ومواكبة العصر.
فالحق يبقى حقًا، لكن الدفاع عنه يحتاج في كل زمن إلى لغة جديدة وأدوات جديدة. أما الجمود، مهما كانت نواياه طيبة، فإنه لا يصنع مستقبلًا ولا يحمي قضية.
واليوم، بينما تستمر معركة الفلسطيني على أرضه وفي مخيمه ومدينته وقريته، تفتح أمامه جبهات أخرى لا تقل أهمية، جبهة الكتاب، وجبهة الجامعة، وجبهة الترجمة، وجبهة الفن، وجبهة الإعلام الرقمي، وجبهة المعرفة. وفي هذه الساحات أيضًا تُكتب فصول الصراع، ويُصنع جزء من المستقبل الفلسطيني.
لذلك لم تعد المعركة كما كانت. فما بين احتلال الأرض واستهداف الوعي، تصبح حماية الرواية الوطنية الفلسطينية، وإحياء الثقافة الوطنية، وإنتاج المعرفة، مهمة وطنية بامتياز، لأنها تمثل خط الدفاع الأول عن الهوية والذاكرة والحق الفلسطيني في وطنه وتاريخه ومستقبله.

شارك على :

واتس أب
فيسبوك
تويتر
تيليغرام
لينكد إن
بين تريست
الأيميل
طباعة