آخر الأخبار

المونديال وفلسطين والتضامن

ce6218d9-34f5-468c-8d43-be498e605415

أيهم السهلي

افتُتح أمس مونديال 2026 المُشترك بين ثلاث دول هي الولايات المتحدة الأميركية وكندا والمكسيك، وأمس ابتهجت قلوب الناس في أنحاء المعمورة فرحاً بالمهرجان العالمي الذي يأتي كل أربع سنوات، وأمس شهدنا فعّاليات احتفالية كبيرة في ملعب «مكسيكو سيتي» (أزتيكا) في المكسيك قبل 90 دقيقة من المباراة الافتتاحية بين المكسيك وجنوب أفريقيا؛ واليوم سيقام حفل آخر في ملعب «بي إم أو فيلد» في تورونتو قبل 90 دقيقة من انطلاق مباراة كندا والبوسنة والهرسك، وفي وقت لاحق من اليوم ذاته، سيُقام حفل في ملعب «صوفي» في لوس أنجلوس قبل 90 دقيقة من مباراة بين الولايات المتحدة وباراغواي.

هذه الفعّاليات، سيشاهدها الملايين حول العالم، لافتتاح المونديال الذي تشارك في نسخته هذه 8 منتخبات عربية، من أصل 48 منتخباً، ستلعب في 104 مباريات، على أن تستضيف الولايات المتحدة 78 مباراة، مقابل 13 للمكسيك و13 لكندا، خلال الفترة الممتدة من 11 حزيران/ يونيو الجاري حتى 19 تموز/ يوليو.

وهذا المونديال هو الأول بعد الإبادة التي يتعرّض لها الشعب الفلسطيني في قطاع غزة والضفة الغربية، وبعد الحرب التي تشنّها إسرائيل على لبنان للمرة الثانية خلال أقل من عامين. ففي البلدين لن يتمكن كثير من الناس من الاستمتاع بالمباريات التي سيأتي بعضها في وقت متأخر بالنسبة إلى منطقتنا، لكنها مع ذلك ستكون سلوى لبعض سكّان الخيام في غزة ممن تصلهم الكهرباء أو يتاح لهم الإنترنت، أو لسكان المخيمات الذين لديهم مال لدفع تكاليف اشتراك القنوات صاحبة البث الحصري للمونديال في المنطقة العربية، وكذلك للنازحين في المدارس في لبنان، وفي المكانين سيتوقّف الأمر على أزيز الطائرات المُسيّرة المستمر في الليل والنهار تقريباً.

ويعيد حدث كأس العالم المرء إلى البطولة في نسختها القطرية سنة 2022، أي قبل الحرب الدائرة بعام، في تلك البطولة التي عُقدت للمرة الأولى في دولة عربية وإسلامية، حضرت فلسطين بقوة بدءاً بحفل الافتتاح الذي قدّم فيه المغنّون النشيد الفلسطيني ضمن أناشيد الدول العربية الأخرى، وكذلك الجمهور الذي كان يرفع علم فلسطين في الشوارع بمناسبة ومن دون مناسبة، عدا المقاطعة الكاملة لوسائل الإعلام الإسرائيلية التي جرّبت أن تغطّي المونديال، وأن تُحدِث اختراقاً عبر إجراء مقابلات مع عرب، لكنّ الرفض كان الجواب.
كانت تلك البطولة مؤشراً حاسماً يدل على الرأي العام للجمهور العربي بخصوص فلسطين وقضيتها، فالجميع أكّد أن لا شيء منفصلٌ عن السياسة ما دامت القضية قضية حق، وقضية شعب حقّه مُستلب.

وبينما تنطلق البطولة العالمية التي ستكون الأطول منذ أن بدأت سنة 1930، وبعدد مشاركين هو الأكبر أيضاً، هناك غزة المُدمّرة ملاعبُها وصالاتها الرياضية، والتي استشهد العشرات من أبطالها في الرياضات المختلفة. تشير منصة “توثيق استهداف القطاع الرياضي في فلسطين” الصادرة عن مؤسسة الدراسات الفلسطينية إلى أن الاحتلال قتل 1007 رياضيين، وأن 18 لاعباً من لاعبي كرة القدم في الضفة الغربية يعتقلهم الاحتلال، وقد دمّر 265 منشأة رياضية تدميراً جزئياً أو كلياً.

من المتوقّع أن يبدي بعض المشجّعين تضامنهم مع فلسطين، أو ربما التعبير عن معارضتهم للحروب الدائرة في المنطقة من دون إبراز تضامن مع فلسطين أو غيرها. وكذلك ربما يفعل بعض اللاعبين الدوليين المشاركين ذلك، كأن يرفع أحدهم علم فلسطين أو لبنان للتضامن. هذا الشكل من التضامن أو غيره ليس مؤكداً ما إذا كان أحدهم سيبادر بحركة تضامنية تلفت النظر إلى عشرات الآلاف من الضحايا، بين شهداء ومصابين في المنطقة جراء الحروب، وفي العالم بسبب السياسات الاقتصادية الرأسمالية ودورها في تدمير حياة الناس الاقتصادية، وتدمير الكوكب بسبب الانبعاثات الحرارية.

ويعود سبب التساؤل أو الحيرة باحتمال ظهور حركات تضامنية في البطولة العالمية، إلى حالة الترهيب التي يتعرّض لها أبطال اللعبة، ولا سيّما بعد الهجوم الكبير الذي تعرّض له نجم نادي برشلونة لامين جمال بسبب رفعه علم فلسطين خلال مشاركته باحتفالات فريقه بعد إحراز فريقه بطولة الدوري الإسباني على حساب ريال مدريد الشهر الماضي. فلم تبقَ تقريباً أي وسيلة إعلام إسرائيلية إلا وشاركت في الهجوم عليه.

كما شارك في هذه الحملة ضد اللاعب المغربي الأصل، وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير الذي قال على وسائل التواصل الاجتماعي: «يجب على أحدهم أن يشرح للاعب كرة القدم لامين جمال أنه يرفع علم كيان غير موجود، وأن خلفه أنهاراً من الدم والإرهاب وقتل اليهود». وأضاف: “من يختار أن يتماهى مع علم الإرهاب، ينبغي أن لا يتفاجأ من كراهية الإسرائيليين له». ومثله أيضاً هاجم وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس اللاعب، فكتب أيضاً: «لامين جمال اختار التحريض ضد إسرائيل، وتأجيج الكراهية، في وقت يقاتل فيه جنودنا منظمة حماس الإرهابية» على حدّ قوله. وأضاف: «بصفتي وزير دفاع دولة إسرائيل لن أبقى صامتاً أمام التحريض ضد إسرائيل وضد الشعب اليهودي».

فهذا الترهيب امتدّ إلى ساحات البطولة العالمية، بعد أن منعت الولايات المتحدة العديد من اللاعبين والكوادر الفنية والتحكيمية من دخول أراضيها لأسباب مختلفة. وليس معلوماً كيف ستمضي البطولة فيما الحرب دائرة وتتجدّد بأشكال مختلفة، وكذلك القمع في الدول «الديمقراطية الحرة».

فلسطين والمونديال

مع كل بطولة كأس عالم جديدة، يرتكب بعض الصحافيين الفلسطينيين والعرب خطأ كبيراً، بالقول إن فلسطين شاركت في البطولة العالمية مرتين، في نسختي 1934 و1938. والحقيقة هي أن فلسطين شاركت باسمها، بينما كان اللاعبون يهوداً وجنوداً بريطانيين كانوا في فلسطين. وكان الهدف من ذلك دعائياً، وهو إظهار فلسطين يهودية.

■ ■ ■

في سنة 1982، أقيمت بطولة كأس العالم في إسبانيا، وشهد ملعب سانتياغو بيرنابيو في مدريد المباراة النهائية بين منتخبَيْ إيطاليا وألمانيا الغربية في 11 تموز. وانتهت بفوز إيطاليا بثلاثة أهداف مقابل واحد. وقد قال الشهيد ياسر عرفات إن الفريق الإيطالي أهدى المقاومة الفلسطينية في بيروت الكأس. ورغم أن الأمر لم يحدث فعلياً، فإن مبادرة رمزية هي التي حدثت، وهي أن الرئيس الإيطالي آنذاك ساندرو بيرتيني بالتنسيق مع الاتحاد الإيطالي لكرة القدم، حمل الكأس معه إلى بيروت خلال زيارة قام بها عقب مجزرة صبرا وشاتيلا، وذلك لإظهار التضامن مع اللاجئين الفلسطينيين والناجين من المجزرة، علماً أن لاعبي المنتخب الإيطالي أظهروا تعاطفاً مع الفلسطينيين المحاصرين في بيروت، وحين عادوا إلى بلادهم بعد التتويج بالبطولة رُفعت في استقبالهم الأعلام الفلسطينية.

*كاتب فلسطيني

شارك على :

واتس أب
فيسبوك
تويتر
تيليغرام
لينكد إن
بين تريست
الأيميل
طباعة