آخر الأخبار

عندما نذهب إلى النوم… يحرسنا الشهداء

cfa1148b-6b34-428e-9acb-800db4fb91ee

بقلم: عصام الحلبي

“عندما يذهب الشهداء إلى النوم أصحو، وأحرسهم من هواة الرثاء.” محمود درويش
حين نذهب إلى النوم ليلاً، ونغلق أبواب بيوتنا على شيء من الطمأنينة، لا يخطر في بال كثيرين أن هناك من يسهر على هذا الوطن ويحرسه منذ عقود طويلة، لا بعينيه بل بدمه، لا بجسده بل بذكراه. هناك شهداء ما زالوا يحرسوننا من الغياب، يحرسون الحكاية الفلسطينية من النسيان، ويحرسون حق العودة من أن يضيع بين خرائط السياسة وتقلبات الزمن.
الشهداء لا يموتون حين يوارون الثرى، بل يبدأ حضورهم الحقيقي في حياة الشعوب بعد رحيلهم، يصبحون جزءاً من الذاكرة الجماعية، ومن وجدان الأمهات، ومن أحلام الأطفال الذين لم يعرفوا بعضهم إلا من الصور المعلقة على الجدران. وحين نتأمل تاريخ شعبنا الفلسطيني، ندرك أن طريق الحرية كُتب بدماء آلاف الشهداء الذين آمنوا أن الوطن يستحق أن يُضحّى من أجله، وأن فلسطين أكبر وأبقى من حياة الأشخاص.
لكن الوفاء للشهداء لا يكون برفع الصور وإحياء المناسبات فقط، بل بتحويل تضحياتهم إلى مسؤولية وطنية وأخلاقية. فالشهيد لم يقدّم حياته لكي يتحول إلى ذكرى عابرة، بل لكي يبقى مشروعه الوطني حياً، ولكي تظل قضيته حاضرة في الضمير والوعي والسلوك.
ومن الوفاء للشهداء أن نتذكر دائماً أن طريقهم لم يكن طريقهم وحدهم ، ففي الزنازين يقف الأسرى حراساً آخرين للكرامة الوطنية، يواجهون القيد بالإرادة، والعزل بالصبر، والحرمان بالأمل. هؤلاء الذين يسرق الاحتلال أعمارهم لا يطلبون منا سوى أن نبقي قضيتهم حية، وأن نرفض تحويل معاناتهم إلى خبر عابر أو رقم في نشرات الأخبار.
وكذلك الجرحى، أولئك الذين تركوا على أجسادهم آثار المعركة، وحملوا وجع الوطن في تفاصيل حياتهم اليومية. فكل جرح فلسطيني هو شاهد على مرحلة من مراحل النضال، وكل إصابة هي صفحة من صفحات الصمود التي كُتبت بالدم والصبر والإيمان بالحق.
وحين نتحدث عن الوفاء، فإن أسر الشهداء تأتي في مقدمة الأمانة التي تركها الشهداء بين أيدينا. فالأم التي ودعت فلذة كبدها إلى الأبد، والأب الذي أخفى دموعه ليبقى شامخاً أمام الناس، والزوجة التي أكملت الطريق وحيدة، والأبناء الذين كبروا على الحنين، جميعهم أمانة وطنية وإنسانية يجب الحفاظ عليها. إن رعاية أسر الشهداء واجب أخلاقي ووطني تجاه من قدموا أغلى ما يملكون من أجل شعبهم وقضيتهم.
لقد أراد الشهداء لنا وطناً يليق بتضحياتهم، وأرادوا شعباً موحداً لا تفرقه الخلافات ولا تستهلكه الانقسامات ولا تضيعه الإنقلابات البغيضة. لذلك فإن أكبر وفاء يمكن أن نقدمه لهم هو أن نحافظ على وحدتنا الوطنية، وأن نصون حقوق شعبنا، وأن نبقى أوفياء لفلسطين التي حملوها في قلوبهم حتى اللحظة الأخيرة.
وعندما ينام الأطفال الفلسطينيون في المخيمات والقرى والمدن والشتات، وعندما تغفو الأمهات على أمل يوم جديد، يبقى الشهداء حاضرين في المكان، يحرسون الذاكرة من النسيان، ويحرسون الحق من التبدد والضياع، ويحرسون الأمل من الانكسار. إنهم الحراس الذين لا يطلبون مقابلاً، سوى أن نبقى أوفياء للعهد.
“ونحن نحب الحياة إذا ما استطعنا إليها سبيلاً.” محمود درويش
لأن الشهداء أحبوا الحياة الحرة الكريمة، ومضوا إليها عبر بوابتها الواسعة “التضحية”، يبقى الوفاء لهم ولأسرهم ولأسرانا وجرحانا واجباً وطنياً وأخلاقياً لا يسقط أبدا، وما بقيت فلسطين حاضرة في الوجدان، وما بقي شعبها متمسكاً بحقوقه وثوابته الوطنية، سيظل الشهداء حراساً للذاكرة والهوية والكرامة، وسنبقى نحن أمناء على العهد الذي كتبوه بدمائهم الزكية.

شارك على :

واتس أب
فيسبوك
تويتر
تيليغرام
لينكد إن
بين تريست
الأيميل
طباعة