عبد الهادي محفوظ
تأرجح الرئيس الأميركي دونالد ترامب بين الخيارين الديبلوماسي والعسكري وانتقاله المفاجئ من ضفة إلى أخرى أمر يحيّر الأميركيين ومعهم الإسرائيليين وتحديدا رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو واليمين الديني اليهودي. وهذا التأرجح هدفه أن يؤكّد سيد البيت الأبيض أنه سيد القرار الأميركي وأنه يختلف عن باقي الرؤساء الأميركيين الذين كانوا يحرصون على أن يكون قرار الرئيس هو “قرار الدولة الأميركية العميقة” والمؤسسات وتحديدا الكونغرس ومجلس الأمن القومي والأجهزة الإستخبارية المختلفة.
ترامب مختلف وغامض ومفاجئ ويتعاطى في الشأن الديبلوماسي بعقلية “رجل الأعمال” الذي يعقد الصفقات من زاوية المقايضات. وحاليا حان الوقت بالنسبة إليه “لرسم اتفاق نوايا” يترك التفاصيل الصعبة لوقت آخر بعد تحديد سقوفها العليا والدنيا من الطرفين الأميركي والايراني. ولقد أدرك أن الوقت ليس في صالحه وأنه مقبل على انتخابات نصفية في الكونغرس تشير فيها التقديرات إلى تراجع الحزب الجمهوري ما يضعه في شهر تشرين الثاني القادم في موقع تعارض مصالح معه إذ سترتفع أصوات في الحزب الجمهوري تنتقد سياساته وتعتبرها خاطئة وأنه ورّط الولايات المتحدة الأميركية بحرب أضعفتها وأنها كانت قبلها أقوى ولم تكن تشكو لا من تضخّم مالي ولا من ارتفاع أسعار ولا من تذمّر الرأي العام الأميركي ولا من تعثّر البورصة الأميركية والشركات المالية وأسواقها.
وهذه المرة كلام الرئيس عن “اتفاق نوايا” هو جدّي خلافا للمرات السابقة بحكم إدراكه أن التصعيد العسكري الأميركي لن يجدي في جلب تراجع ايراني ولا مرونة في التفاوض وخصوصا أنه يلمس “مؤشرات أميركية” توحي بانقلاب داخلي عليه محتمل حصوله في البنى المحسوبة عليه قبل الجهات المعارضة المتمثلة بالحزب الديموقراطي الذي يساند مثل هذا “الإنقلاب” وقد يستفيد منه. من هنا إشادة الرئيس ترامب بدور قطر وحاكمها الأمير الشيخ تميم بن حمد وكذلك بولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان وبالوساطة الباكستانية و”الأفكار البنّاءة” لقائد الجيش الباكستاني عاصم منير وأيضا لدول المنطقة التي شجّعت على المضي بالخيار الديبلوماسي.
وفي اتصال الرئيس ترامب برئيس الحكومة الاسرائيلية بنيامين نتنياهو حاول الإيحاء بأن اسرائيل متفهّمة لموقفه الجديد. ولكن في الواقع ومن خلال تصريحات نتنياهو هذا التفهّم “ملغوم” ولا يعبّر بتاتا عن قناعة اسرائيلية وإنما عن عدم قدرة في الإعتراض العلني على ما يريده الرئيس ترامب وخصوصا وأن “إعلان النوايا” يتيح لايران تخصيب اليورانيوم بنسب معيّنة لأغراض سلميّة تحت إشراف الأمم المتحدة. ويتضمّن رفع الحصار البحري ومقايضة ذلك بحرّية الملاحة في مضيق هرمز كما بنودا لها علاقة بإفراج متدرّج عن الودائع الايرانية والحصار الإقتصادي والمالي وبوقف النار في لبنان وترتيبات متدرّجة متلازمة معه تتناول الإنسحاب العسكري الاسرائيلي وعودة النازحين وإعادة الإعمار على قاعدة اتفاق أمني لا اتفاق سلام.
وهذه البنود مجتمعة في “إعلان النوايا” الخاسر الأول فيها نتنياهو واليمين الديني. وهذا ينعكس سلبا في الإنتخابات الاسرائيلية القادمة ويعزز من وضع المعارضة الإسرائيلية. ومن هنا تعبير الحكومة الاسرائيلية عن “اعتراضها المبطن” الذي يمكن ترجمته بتصعيد عسكري اسرائيلي في الجنوب اللبناني في هامش زمني ضيّق وقصير.
وفي عودة لكتاب “قوة التفاوض” لوزير الخارجية الايراني عباس عراقجي يلمس المراقب السياسي أن “اتفاق النوايا” يأخذ في الإعتبار “المصلحة المتبادلة” بين واشنطن وطهران اللتين توصّلتا إلى أن الديبلوماسية بين العاصمتين تتسم بخاصتين اثنتين: “التعقيد والإضطراب” وما ينتج عن ذلك تنوّع السرديات وما يقتضيه من إدارة لحل موضوع لا يمكن حلّه من جانب واحد بحكم “المساحة بين الهدف الأقصى لدولة والحد الأدنى الذي يمكن القبول به”.