آخر الأخبار

غزة المنسية.. أرقام الانهيار الإنساني

5e7ce482-8d00-4ce7-b653-2e2ed4cab77a
د. محمود الحنفي

في وقت ينشغل فيه العالم بملفات إقليمية ساخنة وحروب متسارعة في المنطقة، يرزح قطاع غزة تحت وطأة جيل جديد من الحروب غير التقليدية، حرب صامتة تُهندَس فيها تفاصيل الحياة اليومية لتتحول إلى معركة بقاء مريرة وعقوبة جماعية متواصلة. إن الأزمة الراهنة التي فجرها التوقف الجزئي للمولدات الكهربائية التجارية ليست مجرد حدث عابر، بل هي انعكاس مباشر لسياسة «الخنق البنيوي» التي تمارسها دولة الاحتلال، مستهدفة تفكيك شبكة الأمان البشري لمليوني إنسان في ظل صمت دولي مريب يشرعن الموت البطيء بذرائع بيروقراطية.

تبدأ حكاية المعاناة من شريان الطاقة البديل؛ حيث أعلن المتحدث باسم جمعية أصحاب المولدات الكهربائية في غزة، الأستاذ محسن صيام، عن عجز الشبكة التجارية التي تخدم نحو 200 ألف مشترك بسبب نقص الوقود الحاد وحظر دخول الزيوت الصناعية وفلاتر التنقية وقطع الغيار. بالنظر إلى متوسط حجم العائلة الفلسطينية، فإن هذه الأزمة تمس مباشرة حياة أكثر من مليون إنسان كانوا يعتمدون على هذه المولدات لتأمين حد أدنى من الطاقة لا يتجاوز 11 ساعة يومياً. إن الكهرباء في هذا الواقع ليست وسيلة رفاهية، بل هي العصب الأساسي الذي يربط بشكل مباشر بين تشغيل حاضنات الأطفال ومحطات ضخ المياه المحلية، وشبكات الاتصال التي تعتمد عليها أطقم الإغاثة، ما يجعل قطعها حقوقياً بمثابة عقوبة جماعية محرمة بموجب المادة 33 من اتفاقية جنيف الرابعة.

ولا تتوقف هندسة التجويع عند الطاقة، بل تمتد لتضرب عمق الأمن المائي والبيئي للقطاع. وتؤكد البيانات الميدانية الموثقة أن آلة الحرب دمرت ما يزيد عن 70 % من آبار المياه ومحطات التحلية وضخ المياه، أي استهداف أكثر من 140 بئراً ومحطة رئيسية من أصل 200. هذا التدمير أدى إلى انهيار حصة الفرد اليومية من المياه بنسبة صادمة بلغت 90 %، لتتراجع من 85 لتراً قبل الأزمة إلى أقل من 3 إلى 5 لترات فقط حالياً، وهو رقم يقع تحت خط الموت المائي إذا ما قورن بالحد الأدنى الذي حددته منظمة الصحة العالمية للبقاء وهو 15 لتراً. وإمعاناً في الكارثة، فإن 95 % من المياه المتبقية باتت ملوثة وغير صالحة للاستهلاك الآدمي نتيجة اختلاطها بمياه الصرف الصحي إثر شلل مضخات الرفع، مما يجعل الأطفال الفئة الأكثر عرضة للأمراض والأوبئة المعوية والجلدية الفتاكة.

أما القطاع الصحي، فيعيش حالة «موت سريري» كاملة التوصيف القانوني. فبالأرقام الموثقة، أُبيدت المنظومة الطبية الرسمية والمستدامة بنسبة تتجاوز 90 %، حيث خرج 34 مستشفى عن الخدمة تماماً من أصل 36 مستشفى في القطاع نتيجة التدمير المباشر أو النفاد الكلي للمستلزمات الطبية. وما يُطلق عليه اليوم «مستشفيات تعمل» لا يتعدى مستشفيين اثنين فقط يكافحان بجهود بدائية وأقسام تشغيلية مجزأة وبنسبة إشغال تفوق 300 %، مما يعني وجود مستشفى متهالك واحد لكل مليون إنسان. يضاف إلى ذلك خروج 80 مركزاً صحياً عن الخدمة من أصل 100، وتدمير 130 سيارة إسعاف من أصل أسطول قوامه 170 سيارة، مما يجعل استمرار هذا الانهيار بمثابة «قتل عمد بالامتناع» يقع في صلب الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي الإنساني.

وفي سياق متصل، تشهد غزة جريمة «إبادة تعليمية ومعرفية» تهدف إلى محو مستقبل الأجيال؛ إذ طال الاستهداف والتدمير الكلي والجزئي 460 مدرسة وجامعة ومؤسسة تعليمية من أصل قرابة 560 منشأة في القطاع، أي بنسبة دمار بلغت 82 %، تحولت المنشآت المتبقية منها إلى مراكز إيواء مكتظة ومتهالكة للنازحين. هذا الدمار الهيكلي أسفر عن حرمان أكثر من 625 ألف طالب وطالبة في المدارس ونحو 100 ألف طالب جامعي من حقهم في التعليم المنتظم للسنة الدراسية الثالثة على التوالي، ممهداً الطريق لانتشار الأمية والاضطرابات النفسية والسلوكية الحادة.

إن المنظور القانوني والحقوقي لا يلتفت للتصريحات الدبلوماسية الوردية حول اتفاقيات وقف إطلاق النار، بل يرتكز على المؤشرات الإنسانية الشاخصة على الأرض، كمعيار وحيد لالتزام القوة القائمة بالاحتلال. وحين تشير البيانات إلى أن 90 % من السكان (نحو 1.9 مليون إنسان من أصل 2.1 مليون فلسطيني) تعرضوا للنزوح القسري، وأن 80 % من البنية التحتية جرى تدميرها بالكامل، فإن التفاهمات السياسية تتحول إلى حبر على ورق. المشكلة في غزة اليوم لم تعد تقتصر على عدّاد الشهداء والجرحى، بل في تحويل تفاصيل الحياة اليومية إلى معركة بقاء مستحيلة، مما يمثل سقطة مدوية للمنظومة الدولية وعجزاً فاضحاً في فرض مواثيقها الأممية.

شارك على :

واتس أب
فيسبوك
تويتر
تيليغرام
لينكد إن
بين تريست
الأيميل
طباعة