آخر الأخبار

نحيّي الكنيسة المشيخية على موقفها المبدئي، ونتمنى أن تكون هناك مواقف مماثلة من كافة الكنائس في الغرب.

a6d6cca1-e5ad-637a-1e6a-a92e6af568c1
المطران عطاالله حنا
لقد صوّتت الكنيسة المشيخية الأمريكية مؤخراً لصالح الاعتراف بالإبادة الجماعية في غزة، وهذا موقف تبنّته أيضاً الكثير من الكنائس والمرجعيات الروحية المسيحية في أمريكا وفي سائر أرجاء العالم.
وفي الوقت الذي نوجّه فيه شكرنا للكنيسة المشيخية على موقفها الإنساني والأخلاقي، وعلى تبنّيها لوثيقة كايروس فلسطين، فإننا ننادي ونطالب كافة الكنائس المسيحية في عالمنا بتبنّي هذه الوثيقة، والإعلان الواضح والصريح عن مواقف مبدئية إنسانية وأخلاقية تجاه معاناة شعبنا، وخاصة في القطاع المنكوب.
إن نداءنا نبعثه من رحاب مدينتنا المقدسة إلى كافة الكنائس الأرثوذكسية والكاثوليكية والإنجيلية في أمريكا وفي سائر أرجاء العالم، فالمناداة بوقف معاناة الشعب الفلسطيني والانحياز لعدالة هذه القضية لا يجوز اختزالها على أنها شأن سياسي فحسب، بل هي شأن إنساني وأخلاقي وروحي بامتياز.
ونرفض استعمال اللغة الدبلوماسية المنمقة عندما يتم الحديث عن معاناة الشعب الفلسطيني، وذلك إرضاءً لهذه الجهة أو تلك، فحرب الإبادة وآلام ومعاناة شعبنا لا تحتاج إلى تصريحات دبلوماسية، بل تحتاج إلى مواقف واضحة وجريئة وقوية، هادفة إلى تحقيق العدالة والحرية وإنهاء الاحتلال، والمناداة بتحقيق سلام حقيقي يُبنى على احترام حرية الإنسان وكرامته.
نتمنى أن يؤدي موقف الكنيسة المشيخية إلى أن تتشجع كنائس أخرى لاتخاذ مواقف مماثلة، فلا يجوز الصمت، كما لا يجوز تجاهل معاناة هذا الشعب المظلوم.
إن الإنجيل المقدس مليء بالآيات التي تحث على الانحياز دوماً لكل إنسان مظلوم ومتألم ومعذب.
والمسيحية لا تدعونا إلى الصمت عندما يجب أن نجاهر بقيم إيماننا وإنسانيتنا والمبادئ الأخلاقية التي ينبغي أن ننادي بها.
إن الانحياز للشعب الفلسطيني المظلوم ليس تدخلاً في شأن سياسي، بل هو أمر ينصب في صلب القيم والمبادئ المسيحية السامية.
إن إخوة يسوع الصغار الذين يتحدث عنهم الكتاب المقدس هم المظلومون والمتألمون في هذا العالم، ولا سيما في فلسطين الأرض المقدسة، وخاصة في القطاع المنكوب.
ونداءنا نوجهه إلى جميع الكنائس المسيحية في أمريكا بألا ترضخ لأي ضغوط أو ابتزاز من أي جهة كانت.
إن الكنيسة المشيخية، والتي نشكرها من الأعماق على موقفها الذي عبّرت عنه في بيانها الأخير، إنما وقفت في المكان الصحيح من التاريخ، واتخذت الموقف الذي ينسجم مع قيم الإنجيل ورسالته في هذا العالم. وإننا، إذ نقدر المواقف التي صدرت عن كنائس ومرجعيات مسيحية في العالم حول حرب الإبادة، فإننا ننادي بأن تكون هذه المواقف أكثر وضوحاً وجرأة.
ما نريده من الكنائس المسيحية في أمريكا وفي الغرب هو أن ترفع دعاءها وصلاتها من أجل فلسطين المصلوبة كسيدها، ومن أجل غزة المنكوبة والمعذبة.
أضيئوا شموعكم على نية السلام، وعلى نية الإنسان الفلسطيني المظلوم، عسى هذا النور يضيء ظلمات هذا العالم ويغيّر وجه الإنسانية، لكي يكون وجهاً أكثر عدالة وإنصافاً وانحيازاً للإنسان المعذب والمظلوم.
نعم، نحن نريد صلاتكم ودعاءكم، لأننا نعتقد بأن الله الذي نصلي له ونسجد له إنما هو نصير المستضعفين والمظلومين والمتألمين في كل مكان.
ومع الصلاة، نريد أيضاً مواقف أكثر وضوحاً. لا تخافوا من أي جهة سياسية، فالصوت النبوي الذي يجب أن يخرج من قادة الكنيسة لا يجوز أن يأخذ بعين الاعتبار أي جهات سياسية قد تنزعج من هذه المواقف. فصوت الكنيسة النبوي يجب أن يكون ملتزماً بقيم الإيمان المسيحي، دون العمل على إرضاء أي جهة سياسية، فهاجسنا الأول والأخير هو مرضاة الله، ولا يهمنا كثيراً إذا ما رضيت عنا هذه الجهة السياسية أو تلك.
إن صوت الكنيسة في الغرب يجب أن يكون صوتاً مسيحياً بامتياز، لا يخاف أن يقول كلمة الحق أمام أي سلطان جائر.
وأقول للكنائس وللمسيحيين في الغرب: إذا أردتم أن تكونوا مسيحيين حقيقيين، فيجب أن ترفضوا المظالم التي يتعرض لها الإنسان الفلسطيني، وأن تنادوا بتحقيق العدالة والسلام في أرض غُيّبت عنها العدالة والسلام لسنين طويلة.
لسنا دعاة حروب ولا ثقافة انتقام وقتل، فالإنسان بالنسبة إلينا يبقى إنساناً، أياً كان دينه أو خلفيته أو لون بشرته، فالبشر جميعاً ينتمون إلى أسرة بشرية واحدة خلقها الله، وعندما يتألم أحد الأعضاء يتألم الجسد كله.
ونتعلم من كتابنا الإلهي أننا يجب أن نعيش الفرح مع الفرحين، والألم مع المتألمين.
فنفرح مع كل إنسان يعيش الفرح، ونتألم مع كل إنسان يعيش الألم والمعاناة والفقد والحرمان. والفلسطينيون يعيشون الآلام، وقد حُكم عليهم بأن يكونوا محاصرين، وحريتهم ممتهنة، وهم يُستهدفون في حياتهم وفي كافة تفاصيل حياتهم المليئة بالآلام والأوجاع والمعاناة.
شكراً للكنيسة المشيخية، ولكل الكنائس التي تقول كلمة الحق في هذا الزمن العصيب. ومهما طال الزمان، فلا بد للحق أن ينتصر على الباطل، ولا بد للخير أن ينتصر على الشر، ولا بد للإنسان الفلسطيني المظلوم أن ينعم بالحرية التي طال انتظارها، والتي قدم في سبيلها كماً هائلاً من التضحيات
.
المطران عطاالله حنا
رئيس أساقفة سبسطية للروم الأرثوذكس
القدس، 4 تموز 2026

شارك على :

واتس أب
فيسبوك
تويتر
تيليغرام
لينكد إن
بين تريست
الأيميل
طباعة