بقلم : عصام الحلبي
تتداول أوساط سياسية وإعلامية بصورة غير رسمية، معلومات تتحدث عن توجه لإصدار بطاقات هوية جديدة لسكان قطاع غزة تحمل صفة «مقيم في قطاع غزة»، في إطار ترتيبات إدارية يجري بحثها للمرحلة المقبلة.
وحتى الآن لا توجد وثيقة رسمية منشورة تؤكد صدور قرار بهذا الشأن أو توضح طبيعة هذه البطاقات وآلية استخدامها. لذلك من الأفضل التعامل مع هذه المعلومات باعتبارها متداولة وتحتاج إلى التحقق، لا باعتبارها أمراً أصبح واقعاً.
لكن مجرد تداولها يفتح الباب أمام أسئلة تتجاوز البطاقة نفسها. ففي القضية الفلسطينية، لا تكون الوثائق دائماً مجرد أوراق لتنظيم شؤون الناس، فالهوية والصفة القانونية ومكان الإقامة ارتبطت منذ عقود بالأرض والتهجير واللجوء وحق العودة.
ومن هنا، فإن السؤال ليس فقط ماذا سيكتب على البطاقة، بل ماذا يمكن أن يعني هذا التوصيف إذا أصبح جزءاً من نظام إداري دائم في قطاع غزة. هل هو إجراء لتنظيم حياة السكان في مرحلة انتقالية، أم بداية لتغيير أوسع في طريقة تعريف سكان القطاع والتعامل معهم؟
تزداد أهمية السؤال مع الحديث المتداول عن إنهاء نموذج المخيمات في غزة، وإنهاء دور الأونروا، وإنشاء مدن ومناطق سكنية جديدة تستوعب السكان في مساكن دائمة.
لا شك أن غزة تحتاج إلى إعادة إعمار واسعة، وأن سكانها بحاجة إلى بيوت آمنة ومدارس ومستشفيات ومياه وكهرباء وطرق وخدمات تليق بالإنسان. لكن إعادة الإعمار شيء، وإعادة تعريف الناس شيء آخر.
المخيم الفلسطيني ليس المشكلة التي يجب التخلص منها، المشكلة هي الظروف القاسية التي عاشها سكان المخيمات لعقود من اكتظاظ ونقص في البنية التحتية والخدمات.
ولهذا فإن تطوير المخيمات وتأهيلها قد يكون الطريق الأكثر أماناً. يمكن تحسين شبكات المياه والصرف الصحي والكهرباء والطرق، وتطوير المدارس والمراكز الصحية، وتحسين المساكن وتوفير الخدمات من دون إلغاء المخيم أو المساس بصفة اللاجئ.
فاللاجئ لا يحتاج إلى أن يبقى في الفقر حتى يثبت أنه لاجئ، كما أن انتقاله إلى بيت أفضل لا يعني أنه فقد حقه.
المطلوب أن تتغير حياة سكان المخيم إلى الأفضل، لا أن تُمحى دلالته المرتبطة بتاريخ اللجوء.
وهنا تأتي الأونروا.
الأونروا لم تصنع قضية اللاجئين الفلسطينيين، بل جاءت أصلاً نتيجة لهذه القضية. فقد أنشئت بعد نكبة عام 1948 للتعامل مع أوضاع الفلسطينيين الذين اقتُلعوا من أرضهم وهُجّروا قسراً من بيوتهم وقراهم ومدنهم.
ولهذا فإن الفلسطيني لا ينظر إلى الأونروا باعتبارها مؤسسة يمكن أن ينتهي دورها لمجرد وجود مؤسسة أخرى تستطيع تقديم الخدمات نفسها. استمرار الأونروا مرتبط باستمرار السبب الذي أنشئت من أجله، أي بقاء قضية اللاجئين من دون حل عادل ينهي حالة الاقتلاع والتهجير التي صنعتها.
ومن هنا، فإن إنهاء دور الأونروا لا ينبغي أن يتحول إلى قرار إداري منفصل عن قضية اللاجئين أو إلى مدخل لإغلاق هذا الملف تدريجياً.
إذا بقي الفلسطيني مهجراً عن أرضه، وبقيت قضية اللاجئين من دون حل عادل، وبقي حق العودة من دون معالجة، فإن إلغاء الأونروا لا يعني أن القضية انتهت.
فالوكالة يمكن أن تنتهي مهمتها عندما ينتهي السبب الذي أنشئت من أجله، لا بمجرد استبدالها بمؤسسة أخرى أو نقل خدماتها إلى جهة جديدة.
وهذا هو الفارق بين إنهاء وكالة وإنهاء قضية.
فاللاجئ الذي هُجّر من أرضه لا يصبح غير لاجئ لأنه حصل على منزل جديد، ولا يصبح غير لاجئ لأنه انتقل من المخيم إلى مدينة.
تحسين حياة اللاجئ حق إنساني، لكنه لا يمكن أن يكون بديلاً عن حقوقه الوطنية والتاريخية.
وهنا تظهر أيضاً مسألة أخطر تتعلق بمستقبل العلاقة بين غزة والضفة الغربية.
قطاع غزة ليس كياناً منفصلاً عن فلسطين، ولا ينبغي أن تتحول الترتيبات الانتقالية إلى واقع دائم يكرس هذا الانفصال.
فالانفصال لا يبدأ دائماً بإعلان سياسي واضح. قد يبدأ بوثائق مختلفة، وسجل مدني مختلف، ومؤسسات وأنظمة إدارية مختلفة، ثم يتحول مع الوقت إلى واقع يصعب تغييره.
لذلك فإن أي بطاقة هوية جديدة يجب أن تكون جزءاً من منظومة فلسطينية واضحة، لا خطوة باتجاه تكريس كيان منفصل في غزة.
يجب أن يبقى سكان غزة جزءاً من الشعب الفلسطيني، وأن تبقى غزة والضفة الغربية ضمن وحدة جغرافية وسياسية واحدة، وأن تكون أي ترتيبات مؤقتة مرتبطة بمستقبل الدولة الفلسطينية لا بإنشاء كيان بديل عنها.
أما حق العودة، فلا ينبغي أن يرتبط بشكل البيت الذي يعيش فيه اللاجئ. فاللاجئ لا يحتاج إلى أن يعيش في ظروف صعبة حتى يثبت أنه لاجئ.
ما يحتاجه هو حياة كريمة مع الحفاظ على حقه في العودة وعلى علاقته بأرضه التي اقتُلع منها.
ومن هنا فإن تطوير المخيمات ليس تناقضاً مع حق العودة، بل يمكن أن يكون تطوير المخيم وتحسين بنيته التحتية وخدماته ومساكنه أكثر انسجاماً مع حقوق سكانه من إلغائه وتحويله إلى تجمع سكاني جديد يحمل اسماً مختلفاً.
المطلوب أن نزيل عن المخيم الفقر والإهمال والاكتظاظ، لا أن نزيل منه الذاكرة.
في النهاية، قد تكون المعلومات المتداولة عن بطاقات «مقيم في قطاع غزة» مجرد ترتيبات إدارية لم تتبلور بعد، وقد يتبين أن بعضها غير صحيح.
لكن من حق الفلسطيني أن يسأل قبل أن تصبح هذه الترتيبات واقعاً.
ماذا سيحدث للاجئين؟ ما مصير الأونروا؟ هل ستبقى المخيمات جزءاً من النسيج الفلسطيني؟ هل ستبقى غزة مرتبطة بالضفة الغربية؟ وهل ستكون إعادة الإعمار جزءاً من بناء الدولة الفلسطينية أم بداية لبناء كيان منفصل؟
هذه ليست أسئلة زائدة عن الحاجة، لأنها تتعلق بمستقبل شعب كامل.
إعادة إعمار غزة ضرورة، وتحسين حياة أهلها ضرورة، وبناء المدن والمساكن والخدمات ضرورة، لكن كل ذلك يجب أن يجري من دون إعادة تعريف الفلسطيني، ومن دون تحويل إعادة الإعمار إلى تسوية لقضية اللاجئين، ومن دون تحويل غزة إلى كيان منفصل عن الضفة الغربية.
الفلسطيني يستطيع أن يحصل على بيت أفضل من دون أن يتخلى عن حقه، وأن يعيش في دروف أفضل من دون أن يفقد صلته بأرضه
لهذا فإن القضية ليست في البطاقة وحدها، ولا في اسم المخيم.
القضية هي ماذا ستفعل هذه الترتيبات بالإنسان الفلسطيني وبحقوقه وبوحدة أرضه ومستقبل مشروعه الوطني.
إذا كان المطلوب فعلاً هو إعادة بناء غزة، فإن الطريق الطبيعي هو إعادة بناء الإنسان والمكان معاً، مع الحفاظ على هوية غزة الفلسطينية، وعلى ارتباطها بالضفة الغربية، وعلى حقوق اللاجئين وحق العودة.
على الترتيبات الجديدة أن تحسن حياة الفلسطينيين، لا أن تعيد تعريفهم.
وأن تعيد بناء غزة، لا أن تفصلها عن فلسطين.
وأن تنهي معاناة اللاجئ، لا أن تنهي قضية اللاجئين.