سعد الله مزرعاني
موضوع لا بدَّ منه في هذه المرحلة خصوصاً. هو يتصل بالقواعد الأساسية التي تحكم المواقف والتوجهات والسياسات العامة خصوصاً. هذه القواعد تنبثق من صلب الصراع الأساسي في مرحلة تاريخية محدّدة. هي، بذلك، تحيل حتماً (وفق الديالكتيك الماركسي خصوصاً)، عندما يتعلق الأمر بالتناقضات «التناحرية»، أي الأساسية والرئيسية، إلى الحقل الاسترتيجي حيث يتحدّد الطابع العام للصراع ولأطرافه ولأولوياته وللخطط التنفيذية ذات الصلة. هذا طبعاً بخلاف التناقضات الثانوية والجزئية والظرفية التي تُحال إلى خانة التكتيك وحيويته ومستلزماته وتحوّلاته.
ثمة إذاً، موضوعياً، فارق أساسي بين تعامل المؤسسات (الرسمية والشعبية) وتعامل الأفراد، في ما يتصل بالصراعات المذكورة. بالنسبة إلى المؤسسات، فإن ما ينبغي أن يحدّد البرامج والخطط والتوجهات والسياسات والعلاقات، هو التناقض الرئيسي العام، لا التناقضات الثانوية الجزئية. في السياق تتحدّد الخيارات، مبدئياً، استناداً إلى المصالح الوطنية لا الفردية، والعامة لا الجزئية أو الفئوية. كذلك الأمر بالنسبة إلى الأولويات… في الغالب الأعم ينبغي أن تتحدد مواقف وتوجهات المؤسسات استناداً إلى مبادئ واضحة ومكرّسة كالدفاع عن الوطن في مواجهة عدوان خارجي، أو التعاطي مع أزمة أو كارثة طبيعية أو مفتعلة طارئة… أمّا بالنسبة للأفراد فليست الأمور أحياناً على هذا النحو البسيط والواضح.
يحدث الالتباس أو التفارق إذا كان المواطن غير موافق على السياسات المعتمدة من قبل السلطة الحاكمة، أو من قبل الجماعة السياسية التي ينتسب إلى صفوفها ويلتزم مبدئياً بقراراتها. في الحالة الأولى، يستطيع المواطن المعترض أن يستخدم ما هو متاح له من حقوق، أو أن يبادر إلى ابتكار ما يراه ضرورياً لإعلان وإيصال اعتراضه. أمّا بالنسبة إلى المواطن الملتزم بجهة مرجعية، حزبية أو سواها، فإنه مُطالب بأن يعتمد الآليات المُقرّة في اللوائح أو الأنظمة الداخلية للجهة التي ينتسب إليها. ذلك أصح وأجدى إذا كان حريصاً على استمرار التزامه بمرجعيته، وكان حريصاً، أيضاً، على تعزيز آليات التفاعل الديمقراطي وسلامة العلاقات للتعبير عن الاختلاف ولتغيير الموقف المشكوّ منه: عبر لفت النظر (إذا كان ذلك يفي بالغرض)، أو عبر نقاش داخلي يؤدي إلى تكوين أكثرية تدعم إحداث التغيير المنشود.
ما سوى ذلك يضعف إمكانية التغيير، ويهدّد سلامة العلاقات في المؤسسات، ويؤثّر سلبياً على صورة المؤسسة المعنية لدى الجمهور المُهتم والعام. الأسوأ، عندما تنطوي طريقة إعلان الاعتراض على ادّعاء حقوق لا يملكها المعترض، ما يؤدي إلى إحداث فوضى تستدعي إجراءات وتدابير تضعف طرفي الخلاف في الوقت نفسه. الأجدى، في حالة التناقض الحاد في المواقف، أن يمتلك الطرف المعترض شجاعة إعلان أن اعتراضه رأي شخصي ومبدئي، وأنه لم يعد يرى من الصواب الالتزام بمؤسسة لا تتبناه. ومن غير المقبول أيضاً، أن يكون الاعتراض ناتجاً من سبب خاص: دفعاً لضرر، أو سعياً لانتفاع. هذا أمر لا ينبغي أن يجاز في المؤسسات التي تحمل مشاريع تغيير جذري وتناضل من أجل قضايا وطنية مصيرية بالنسبة إلى الوطن والمواطن. بالمقابل، لا ينبغي أن يتحوّل الالتزام إلى مجرد عملية قسرية أوامرية تُفرض بالقمع وتستمر بالتضليل. حرية وحق إبداء الرأي عاملان أساسيان في بناء المؤسسات السياسية وفي بقائها.
يجتاز لبنان حالياً مرحلة مخاض خطيرة في مجرى صراع متواصل فيه، وفي المنطقة، منذ إعلان تأسيس الكيان الصهيوني قبل نحو 8 عقود. وهو صراع يتخذ حالياً أبعاداً إقليمية ودولية متفجّرة بسبب سعي واشنطن إلى أحكام هيمنتها بالقوة والإرهاب وشريعة الغاب على المنطقة والعالم، وبسبب دعمها الشامل للمشروع الصهيوني الناشط، بالقتل والدمار والإبادة والتوسع، لإقامة «إسرائيل الكبرى». إزاء هذا المشهد لا مكان للحياد أو التردد أو الخطأ. هذا لا ينطبق على أولئك الذين اختاروا أن يكونوا تابعين ومتواطئين لتثبت سلطاتهم بدعم من قوى العدوان والاستعمار والهيمنة.
بديهي أيضاً أن المشهد يطلق تحدّيات عامة على شعوب ودول العالم عموماً، وعلى شعوب ودول منطقتنا خصوصاً. في الشكل، بدأت الأزمة في 7 أكتوبر 2023. لكن ذلك التاريخ لم يكن سوى محطة أو شرارة في أتون صراع شامل ذي أبعاد دولية متنوعة. وهو يصبح أكثر جذرية وخطورة بحيث لا يمكن التعاطي معه إلا من خلال ما يطرحه من تحدّيات كبرى تتخطى أضراره الجانبية على الأفراد، أو حتى بعض الجماعات هنا وهناك. إن المُستهدف هو شعوب بكاملها وقارات عن بكرة أبيها، فضلاً عن الفئات الشعبية الفقيرة والمتوسطة على مستوى العالم بأسره دون تمييز بين شرق أو غرب… ما يفرض توسيع نطاق المواجهة، وضرورة توحيد جهود مئات ملايين المتضررين.
لقد تحوّلت النازية وحلفاؤها إلى عدو ضار ومتوحّش. لكن، بالمقابل، توحَّدت ضدها شعوب ودول وطبقات وإثنيات من شتى أنحاء المعمورة… ما شكّل أساس الانتصار الأعظم في التاريخ عام 1945: بهزيمة مجرمي الحرب واستسلامهم ومعاقبتهم…
سيكون من البديهي، في التعامل مع خطر كبير كالذي نواجه، أن تتوحّد الجهود لدفعه كأولوية مشتركة: بغضّ النظر عن التباينات والحسابات الخاصة. والأجدر أن يبدأ التصحيح في المواقع المقرّرة الرسمية حيث، خلافاً لكل منطق، وبالتعارض مع المصالح الوطنية المصيرية، تُرتكب أفدح الأخطاء وأكثرها تكلفة!
* كاتب وسياسي لبناني