آخر الأخبار

المخيمات الفلسطينية بين «السيادة» والحقوق: حوكمة أم «أمننة»؟

المخيمات-الفلسطينية-jpg

عادل إبراهيم

يستدعي الحديث المتزايد عن «حوكمة المخيمات الفلسطينية في لبنان» التوقف أمام مجموعة من الأسئلة السياسية والوطنية الجوهرية: هل نحن أمام رؤية متكاملة لمعالجة قضية اللاجئين الفلسطينيين، أم أمام محاولة لإعادة تعريف القضية الفلسطينية في لبنان باعتبارها ملفاً أمنياً وإدارياً محضاً؟
وهل يمكن الحديث عن حوكمة حقيقية للمخيمات من دون معالجة أوضاع عشرات الآلاف من اللاجئين الذين يعيشون خارجها؟ وهل يمكن بناء الاستقرار من دون معالجة الفقر والبطالة والحرمان من الحقوق المدنية والاجتماعية؟ وهل يمكن مطالبة الفلسطيني بتنظيم أو تسليم سلاحه، من دون وضع رؤية متكاملة تضمن أمن المخيمات وحقوق سكانها وكرامتهم الإنسانية؟ وهل يمكن اتخاذ قرارات تتعلق بمستقبل المخيمات من دون مشاركة حقيقية لكل المكونات الفلسطينية؟
هذه الأسئلة ليست اعتراضاً على سيادة الدولة اللبنانية، ولا رفضاً للحوار اللبناني – الفلسطيني، بل هي محاولة لتصحيح المسار قبل أن تتحول «الحوكمة» إلى عنوان فضفاض لمشروع أمني وإداري جديد يختزل قضية اللاجئين في حدود المخيم.
أولاً: قضية اللاجئين أكبر من المخيمات
إن أكبر ثغرة في الطرح الذي يختزل المسألة في «حوكمة المخيمات» هي أنه يتعامل مع الجغرافيا وكأنها هي القضية.
المخيم ليس هو اللاجئ، واللاجئ ليس هو المخيم.
هناك فلسطينيون يعيشون في المخيمات، وآخرون في التجمعات الفلسطينية، وآخرون في المدن والبلدات اللبنانية. وكل هؤلاء يشكلون جزءاً من قضية اللاجئين الفلسطينيين في لبنان.
لذلك، فإن المطلوب ليس فقط حوكمة المخيمات، وإنما وضع سياسة وطنية لبنانية – فلسطينية متكاملة لقضية اللاجئين الفلسطينيين، تعالج أوضاعهم السياسية والقانونية والاجتماعية والاقتصادية والإنسانية والأمنية.
أما اختزال القضية في «إدارة المخيمات» فإنه قد يحول قضية اللاجئين من قضية سياسية مرتبطة بالاقتلاع والتهجير وحق العودة إلى ملف إداري وأمني تديره المؤسسات.
وهذا اختزال خطير ينبغي رفضه.
ثانياً: السيادة اللبنانية ليست موضع خلاف
نحن لا نحتاج إلى التذكير في كل مرة بأن لبنان دولة ذات سيادة. نحن نؤكد بوضوح أن سيادة الدولة اللبنانية واحترام قوانينها وبسط سلطتها على أراضيها أمر لا جدال فيه.
لكن السيادة لا تعني إلغاء خصوصية قضية اللاجئين، ولا تعني التعامل مع الفلسطينيين باعتبارهم ملفاً أمنياً. كما أن احترام السيادة اللبنانية لا يتناقض مع احترام حقوق اللاجئين.
المعادلة الصحيحة هي:
دولة لبنانية قوية ذات سيادة، ومجتمع فلسطيني آمن يتمتع بحقوقه الإنسانية والمدنية والاجتماعية، مع التمسك الكامل بحق العودة ورفض التوطين.
هذه هي المعادلة التي ينبغي أن تحكم أي نقاش جدي حول مستقبل المخيمات.
ثالثاً: لا يجوز أن تبدأ الحوكمة من السلاح وتنتهي بالسلاح
إن تحويل السلاح الفلسطيني إلى المدخل الرئيسي لمشروع الحوكمة يضع العربة أمام الحصان. الأمن مهم، والسلاح قضية مهمة، وسيادة الدولة أمر أساسي، لكن الأمن ليس كل القضية.
فإذا كانت الدولة تريد معالجة الملف الأمني، فلتكن هناك رؤية واضحة ومتفق عليها:
من يحمي المخيمات؟ كيف يُحفظ الأمن بعد أي ترتيبات بشأن السلاح؟ ما الضمانات التي تمنع الفوضى؟ كيف تُعالج الجريمة والمخدرات والفوضى؟ كيف تُضبط العلاقة بين القوى الأمنية اللبنانية والمجتمع الفلسطيني؟ وما هي الآليات السياسية التي تمنع تحول المخيمات إلى ساحات لصراعات داخلية أو إقليمية؟
هذه الأسئلة يجب أن تكون جزءاً من أي حوار.
أما أن يُطلب من الفلسطيني تنفيذ التزامات أمنية بينما تبقى الملفات الحقوقية والاجتماعية والاقتصادية معلقة، فهذه ليست حوكمة متوازنة، وإنما مقاربة أحادية الجانب.
ونحن نرفض أن تتحول الحقوق الفلسطينية إلى «مكافأة» على التنازلات الأمنية.
رابعاً: الحقوق ليست ثمناً للسلاح
من أخطر ما يمكن أن ينتج عن المقاربة الحالية هو تكريس معادلة ضمنية تقول:
كلما قدم الفلسطيني تنازلاً أمنياً حصل على بعض الحقوق.
هذه المعادلة مرفوضة. حقوق الإنسان لا تُمنح مقابل تنازلات سياسية، ولا يجوز وضع حق العمل أو التعليم أو الصحة أو الكرامة الإنسانية في كفة، والسلاح في الكفة الأخرى.
يمكن التفاوض حول القضايا السياسية والأمنية، ويمكن الوصول إلى تفاهمات حول تنظيم السلاح وآليات تطبيق القانون، لكن الحقوق الأساسية للاجئين ليست ورقة تفاوضية.
وإذا كان الهدف فعلاً بناء الاستقرار، فإن تحسين الظروف الاجتماعية والاقتصادية للفلسطينيين ليس مطلباً فلسطينياً فقط، بل مصلحة لبنانية أيضاً.
خامساً: أين يعيش الفلسطينيون خارج المخيمات؟
إذا كانت «حوكمة المخيمات» هي المشروع المطروح، فمن يتولى مسؤولية الفلسطينيين الذين يعيشون خارجها؟ هل يسقط عنهم مفهوم الحوكمة؟ هل تنتهي مسؤولية الدولة تجاههم لأنهم يعيشون خارج الحدود الجغرافية للمخيم؟
هذا السؤال وحده يكشف محدودية المقاربة الجغرافية.
قضية اللاجئين قضية مجتمع كامل، وليست مجرد مجموعة من المناطق السكنية. ولهذا نحتاج إلى سياسة فلسطينية – لبنانية موحدة للاجئين أينما وجدوا، داخل المخيمات وخارجها.
سادساً: من يقرر مستقبل المخيمات؟
لا يمكن أن تكون هناك حوكمة ديموقراطية إذا كان المجتمع الفلسطيني مجرد متلقٍّ للقرارات. لا يجوز أن يرسم مستقبل المخيمات خلف أبواب مغلقة، ثم يُطلب من الفلسطينيين تنفيذ ما تم الاتفاق عليه.
نحن مع إصلاح اللجان الشعبية وتطويرها وانتخابها، ومع إشراك الشباب والمرأة والنقابات والفعاليات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية. ونحن مع أن يكون للمجتمع الفلسطيني صوت حقيقي في تحديد أولوياته. فالحديث عن «الحوكمة» من دون مشاركة وشرعية وتمثيل ومساءلة يتحول إلى إدارة من فوق، وليس إلى حوكمة.
سابعاً: المطلوب تشكيل مرجعية فلسطينية موحدة
إن استمرار تعدد المرجعيات الفلسطينية في التفاوض حول الملفات المصيرية يضعف الموقف الفلسطيني ويجعل المجتمع الفلسطيني عرضة للانقسام والضغوط.
لذلك، فإننا ندعو إلى تشكيل مرجعية وطنية موحدة ينبثق منها وفد فلسطيني موحد للحوار مع الدولة اللبنانية، يضم مختلف القوى والفصائل والفعاليات والشخصيات الفلسطينية، ويكون قادراً على التعبير عن مصالح اللاجئين في المخيمات والتجمعات كافة.
لا نريد وفداً لبعض الفصائل، ولا وفداً تابعاً لطرف واحد. نريد وفداً وطنياً فلسطينياً موحداً.
فالقضية أكبر من الفصائل، ومستقبل اللاجئين أكبر من الحسابات التنظيمية.
ثامناً: «الأونروا» خط أحمر
إن أي حديث عن إعادة تنظيم حياة اللاجئين الفلسطينيين يجب ألّا يتحول إلى مدخل لتقليص دور «الأونروا» أو استبدالها تدريجياً بمؤسسات أخرى.
نحن نتمسك بـ«الأونروا» ونطالب المجتمع الدولي بزيادة تمويلها وتطوير خدماتها، لأنها تمثل التزاماً دولياً تجاه قضية اللاجئين الفلسطينيين. كما نرفض أي محاولة لتحويل مسؤولية «الأونروا» إلى الدولة اللبنانية، في ظل الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي يعيشها لبنان.
المطلوب هو تفعيل «الأونروا» وليس تفكيكها. وتطوير خدماتها وليس إضعافها. وزيادة تمويلها وليس تحميل الدول المضيفة أعباءها. وذلك إلى حين التوصل إلى الحل العادل للقضية الفلسطينية وتنفيذ قرارات الأمم المتحدة، وفي مقدمها القرار 194.
تاسعاً: لا لحوكمة تنتج التوطين
يجب أن يكون واضحاً أن تحسين أوضاع اللاجئين الفلسطينيين لا يعني التوطين. بل العكس تماماً. إن حرمان الفلسطيني من حقوقه لا يحمي حق العودة، وإنما يهدد صموده ويعمق معاناته. أما توفير الحياة الكريمة والتعليم والعمل والصحة والخدمات، فيعزز قدرة اللاجئ على التمسك بهويته وحقه في العودة.
نحن نريد للفلسطيني في لبنان أن يعيش بكرامة لا بتوطين. وأن يحصل على حقوقه الإنسانية من دون إسقاط حق العودة. وأن يكون آمناً في لبنان من دون أن يفقد هويته الفلسطينية.
عاشراً: المطلوب «حوكمة متوازنة» لا «أمننة» للمخيمات
إذا أرادت الدولة اللبنانية فعلاً الانتقال إلى مرحلة جديدة في إدارة ملف المخيمات، فإن الطريق الصحيح لا يكون عبر الأمن وحده. بل عبر رؤية متكاملة تقوم على:
السيادة اللبنانية، والأمن، والحقوق، والتنمية، والتمثيل الديموقراطي، و«الأونروا»، والحوار، ورفض التوطين، والتمسك بحق العودة.
هذه هي الحوكمة التي نريدها. أما أن تصبح الحوكمة اسماً آخر للتشديد الأمني، أو لإعادة ترتيب المخيمات من دون مشاركة أهلها، أو لتحويل الفلسطيني إلى مجرد «موضوع أمني»، فهذا لن يؤدي إلى الاستقرار المنشود.
خاتمة: نحو تفاهم لبناني – فلسطيني تاريخي
لقد آن الأوان للخروج من دائرة الشكوك المتبادلة. لبنان يحتاج إلى ضمانات بأن المخيمات لن تكون مصدر تهديد لأمنه واستقراره. والفلسطيني يحتاج إلى ضمانات بأن معالجة الملف الأمني لن تتحول إلى سياسة تضييق أو تهميش أو انتقاص من حقوقه.
وهذه الضمانات لا يصنعها طرف واحد. بل يصنعها حوار لبناني – فلسطيني جدي، متكافئ، شفاف، ومستمر. حوار يشارك فيه ممثلون عن الدولة اللبنانية من جهة، ووفد فلسطيني موحد من جهة أخرى، وبحضور ومشاركة الجهات الدولية المعنية، وفي مقدمها «الأونروا»، حيث تكون الحاجة لذلك.
نحن لا نرفض «حوكمة المخيمات»، وإنما نرفض اختزال قضية اللاجئين الفلسطينيين في حوكمة المخيمات.
ولا نرفض سيادة الدولة اللبنانية، بل نريدها سيادة كاملة تحمي لبنان وتحترم الإنسان الفلسطيني.
ولا نرفض معالجة الملف الأمني، بل نريد معالجة أمنية مسؤولة ومتدرجة ومتفقاً عليها، تسير بالتوازي مع معالجة الملفات الحقوقية والاجتماعية والاقتصادية.
ولا نريد توطيناً، بل نريد حياة كريمة للاجئ إلى حين العودة.
ولا نريد إلغاء «الأونروا»، بل نريد تفعيلها وتمويلها حتى تقوم بواجباتها تجاه اللاجئين.
ولا نريد تعدد المرجعيات الفلسطينية في الحوار، بل نريد وفداً فلسطينياً موحداً يمثل الجميع.
إن مستقبل المخيمات لا يُكتب بالقرارات الأمنية وحدها، ولا يُرسم من خارجها، ولا يمكن أن يكون نتاج رؤية طرف واحد. مستقبل المخيمات يُبنى بالحوار، وبالشراكة، وبالحقوق، وبسيادة القانون، وبالتمثيل الديمقراطي، وبالأمن المتبادل، وبالتمسك بحق العودة.
وإذا كان لا بد من حوكمة، فلتكن حوكمة الإنسان قبل حوكمة المكان، وحماية الحقوق قبل إدارة الأزمات، والشراكة قبل الوصاية، والحوار قبل الإملاء. فالفلسطيني في لبنان سيبقى متمسكاً بحق العودة إلى وطنه ودياره وممتلكاته التي هُجّر منها عام 1948، وسيبقى حريصاً في الوقت نفسه على أمن لبنان واستقراره وسيادته.
لبنان آمن ومستقر، وفلسطينيون أحرار متمسكون بحق العودة… تلك هي المعادلة التي نريدها، وتلك هي الحوكمة التي تستحقها المخيمات الفلسطينية.

* باحث متخصص بالشأن الفلسطيني

شارك على :

واتس أب
فيسبوك
تويتر
تيليغرام
لينكد إن
بين تريست
الأيميل
طباعة