أحمد مراد
لطالما حاول البعض، فلسطينياً وعربياً، بناء رهاناته على الخلافات داخل المجتمع الصهيوني، وعلى التنافس بين أحزابه وتياراته، من اليمين إلى الوسط واليسار، وكأن انتقال السلطة من حزب إلى آخر يمكن أن يفتح طريقاً مختلفاً أمام الشعب الفلسطيني، أو أن الخلاف بين نتنياهو وخصومه يمكن أن يتحول إلى خلاف على جوهر المشروع الصهيوني.
غير أن التجربة التاريخية، بكل ما حملته من حروب ومجازر واستيطان وتهجير واحتلال، تقول شيئاً آخر: قد تختلف الأحزاب الصهيونية على كيفية إدارة الصراع، لكنها لم تختلف، في جوهر تجربتها التاريخية، على حق المشروع الصهيوني في السيطرة على فلسطين وإنكار الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني.
وهنا تكمن خطورة الوهم.
فاليسار الصهيوني لم يكن يوماً خارج المشروع الصهيوني، والوسط لم يكن بديلاً عنه، واليمين لم يخترع الاحتلال والاستيطان. وقد اختلفت هذه التيارات في الوسائل والتوقيت وشكل الإدارة وحدود المناورة السياسية، لكنها لم تجعل من الاعتراف الكامل بالحقوق التاريخية والوطنية للشعب الفلسطيني أساساً لمشروعها السياسي.
ولذلك فإن المعيار الفلسطيني لا ينبغي أن يكون: من يحكم في الكيان الصهيوني؟ بل: ما موقفه من الاحتلال؟ من الاستيطان؟ من القدس؟ من حق العودة؟ من تقرير المصير؟ من قيام الدولة الفلسطينية؟ ومن حق الشعب الفلسطيني في مقاومة الاحتلال؟ ومن حق العودة ؟
فإذا كان الحزب أو التيار، مهما كان موقعه على الخارطة السياسية الصهيونية، يضع هذه الحقوق خارج دائرة خياراته، فإن الفارق بينه وبين غيره يصبح، في النهاية، فارقاً في إدارة الصراع لا في جوهره.
مجتمع ينحو نحو مزيد من التطرف
الأخطر اليوم أن المسألة لم تعد تتعلق فقط بالحكومات والأحزاب، وإنما بالتحولات التي أصابت قطاعات واسعة من المجتمع الصهيوني نفسه.
فبعد عقود من الاستيطان والحروب والخطاب الأمني والعنصري، وبعد ما يقارب ثلاثة أعوام من حرب الإبادة على قطاع غزة، لا تشير الوقائع إلى مراجعة عميقة للمشروع الصهيوني، بل إلى اتجاه قطاعات مؤثرة نحو مزيد من التطرف، وإلى تنامي المواقف الداعمة للاستيطان والضم ورفض قيام دولة فلسطينية.
وهنا يجب أن نتوقف أمام حقيقة لا يجوز تجاهلها: المجتمع الذي يشعر أن العالم يحميه من تبعات سياساته، وأن بإمكانه تحقيق أهدافه بالقوة من دون كلفة حقيقية، لن يكون أكثر استعداداً لتقديم التنازلات، بل سيكون أكثر اندفاعاً نحو فرض المزيد من الوقائع.
فكلما شعر الاحتلال أنه يحقق إنجازاً عسكرياً أو أمنياً أو سياسياً، وكلما تلقى حماية ودعماً سياسياً وعسكرياً من قوى غربية نافذة، ازدادت ثقته بقدرته على فرض إرادته، وارتفع سقف مطالبه وأطماعه.
وكلما قوبلت سياساته بمرونة فلسطينية أو عربية لا تستند إلى قوة سياسية ووطنية قادرة على فرض حدود لها، فإن الاحتلال لا يقرأها بالضرورة بوصفها فرصة للتسوية، بل باعتبارها دليلاً على نجاح سياسة الضغط والقوة، فيطالب بالمزيد.
وهذه واحدة من أهم دروس التجربة: التنازل الذي لا يغير ميزان القوة لا يشتري تنازلاً مقابلاً، بل يتحول إلى مقدمة للمطالبة بتنازل جديد.
*من غزة إلى الضفة… مشروع واحد*
وبعد ما يقارب ثلاثة أعوام من حرب الإبادة على قطاع غزة، لا يمكن فصل ما جرى ويجري في القطاع عن الصورة الأوسع للمشروع الصهيوني.
الحصار والتجويع والتهجير والتدمير في غزة، بالتوازي مع الاستيطان ومصادرة الأراضي والاعتقالات والاقتحامات في الضفة الغربية، وسياسات التهويد والأسرلة في القدس ومناطق عام 1948، ليست أحداثاً منفصلة، وإنما حلقات مترابطة في صراع واحد على الأرض والإنسان والهوية والحقوق.
وفي الضفة الغربية، لم يعد الاستيطان مجرد توسع عمراني، بل تحول إلى منظومة متكاملة للسيطرة على الأرض وقطع التواصل الجغرافي الفلسطيني وفرض وقائع الضم. وما يجري من نقل صلاحيات إنفاذ القانون المتعلقة بالمستوطنين إلى الشرطة الإسرائيلية ليس تفصيلاً إدارياً، بل مؤشر إضافي على الانتقال التدريجي من إدارة الاحتلال إلى ترسيخ مؤسسات الدولة
*الصهيونية داخل الأرض المحتلة.* وهنا تتأكد صحة التحذير الفلسطيني التاريخي: الاستيطان لم يكن يوماً مشروعاً منفصلاً عن مشروع الضم والاقتلاع.
« *إسرائيل الكبرى»… من الفكرة إلى الخطاب العلني .*
والأكثر خطورة أن أطماع المشروع الصهيوني لم تعد محصورة في السيطرة على فلسطين التاريخية، بل بات الحديث عن التوسع الإقليمي و«إسرائيل الكبرى» أكثر صراحة على ألسنة قادة ووزراء في حكومة الاحتلال.
فقد صدرت خلال السنوات الأخيرة تصريحات علنية من نتنياهو ووزراء في حكومته تتحدث عن رؤية توسعية تتجاوز حدود الأراضي الفلسطينية المحتلة، وتترافق هذه التصريحات مع وقائع ميدانية من اعتداءات وعمليات عسكرية وتوغلات في دول الجوار.
وفي لبنان وسوريا، تتواصل الاعتداءات والضربات والتوغلات الصهيونية، بما يؤكد أن المشروع لا يتعامل مع حدود المنطقة باعتبارها خطوطاً نهائية لا يجوز تجاوزها، بل باعتبارها مجالاً مفتوحاً لإعادة تشكيل موازين القوة والحدود وفق الرؤية الصهيونية.
وهنا يصبح السؤال أكبر من فلسطين وحدها: أي مشروع إقليمي يجري بناؤه أمام أعيننا؟ وأين يمكن أن يتوقف إذا لم يجد من يضع له حداً؟
إن الاعتداءات اليومية على لبنان وسوريا، إلى جانب ما يجري في فلسطين، يجب أن تُقرأ ضمن سياق واحد: مشروع قوة يسعى إلى فرض وقائع جديدة في الإقليم، مستفيداً من التفوق العسكري والدعم الغربي والانقسامات العربية والفلسطينية.
*الأونروا… معركة على الذاكرة وحق العودة*
وفي قلب هذا الصراع تأتي محاولات ضرب وكالة الأونروا وتجفيف مواردها وتقويض دورها.
فالأونروا ليست مجرد مؤسسة تقدم خدمات إنسانية للاجئين. إنها، في الوعي الفلسطيني، أحد الشواهد الدولية المستمرة على وجود قضية اللاجئين وعلى حقيقة النكبة والاقتلاع والتهجير.
ولهذا فإن محاولة إنهاء دورها أو تجفيف مواردها لا يمكن فصلها عن المعركة السياسية حول قضية اللاجئين وحق العودة.
المسألة ليست في مدرسة أو عيادة أو سلة غذائية فحسب ، المسألة في محاولة نقل قضية اللاجئين من كونها قضية شعب اقتُلع من أرضه وله حق العودة، إلى مجرد مشكلة إنسانية قابلة للإدارة والتوطين والإغلاق.
لكن الذاكرة الفلسطينية ليست مؤسسة يمكن إغلاقها، وحق العودة ليس خدمة يمكن وقف تمويلها.
*لا نراهن على خلافاتهم… بل نبني قوتنا*
من هنا، فإن المطلوب فلسطينياً ليس تجاهل التناقضات داخل المجتمع الصهيوني، وإنما التعامل معها بواقعية سياسية. هناك فرق جوهري بين استثمار التناقضات وبين الرهان عليها.
يمكن للفلسطيني أن يستفيد من كل تناقض داخل معسكر الاحتلال، وأن يخاطب كل القوى والشرائح التي يمكن أن تشكل عامل ضغط، لكن لا يجوز أن تتحول الانتخابات الصهيونية أو الصراعات الحزبية إلى محور الاستراتيجية الفلسطينية.
المطلوب نقل مركز الفعل إلى الساحة الفلسطينية.
وهذا يبدأ من استعادة الوحدة الوطنية الفلسطينية، وإنهاء الانقسام، وتوحيد المؤسسات والطاقات، وبناء استراتيجية وطنية جامعة تتعامل مع المرحلة باعتبارها مرحلة صراع مفتوح على الأرض والحقوق والوجود.
كما يتطلب التمسك بالمقاومة بكافة أشكالها ، ضمن رؤية وطنية متكاملة، لأن المقاومة ليست بديلاً عن السياسة، كما أن السياسة لا ينبغي أن تتحول إلى بديلاً عن مقاومة الاحتلال.
فالمطلوب هو تكامل أدوات النضال الوطني، لا تجزئتها، وتوظيف كل أشكال الفعل الفلسطيني في معركة واحدة هدفها حماية الأرض والإنسان والحقوق..
*الرهان الحقيقي على الشعب الفلسطيني*
لقد أثبتت التجربة أن الوجوه تتغير، والحكومات تسقط، والتحالفات تتبدل، والأحزاب تتقدم وتتراجع، لكن المشروع الصهيوني يواصل السعي إلى المزيد من العدوان والسيطرة ما لم يواجه بقوة فلسطينية قادرة على وضع حدود لمشروعه.
لذلك فإن الرهان الحقيقي ليس على أن يأتي إلى الحكم حزب صهيوني «أقل تطرفاً»، ولا على أن ينقسم المجتمع الصهيوني فينتهي الاحتلال من تلقاء نفسه.
الرهان الحقيقي هو على الشعب الفلسطيني، وعلى وحدته وصموده ومقاومته، وعلى قدرته على حماية أرضه وحقوقه، وعلى إعادة بناء الحركة الوطنية الفلسطينية على أساس برنامج وطني واضح لا يساوم على الثوابت.
فالأرض ليست وجهة نظر، وحق العودة ليس ورقة تفاوضية، والقدس ليست ملفاً إدارياً، والاستيطان ليس أمراً واقعاً مشروعاً، والاحتلال لا يتحول إلى حق بالتقادم، والضم لا يصبح شرعياً بمجرد أن تفرضه القوة.
لقد حذّر الفلسطينيون لعقود من أن الاستيطان ليس سوى رأس حربة لمشروع أوسع، وأن المشروع الصهيوني لن يتوقف عند حدود ما احتله إذا لم يجد قوة قادرة على ردعه.
واليوم، بعد غزة، وبعد ما يجري في الضفة والقدس، وبعد الاعتداءات على لبنان وسوريا، وبعد أن أصبح خطاب «إسرائيل الكبرى» أكثر علانية، لم يعد مقبولاً أن تبقى الاستراتيجية الفلسطينية أسيرة انتظار التحولات داخل المجتمع الصهيوني.
المطلوب أن تتغير المعادلة: من انتظار ما سيفعله الاحتلال، إلى بناء ما يستطيع الشعب الفلسطيني فعله. وهذا لا يكون إلا بوحدة وطنية حقيقية، وبرنامج مقاومة متكامل، وتمسك كامل بالحقوق التاريخية والوطنية الثابتة للشعب الفلسطيني، وصمود على الأرض، وتحرك عربي ودولي فاعل. أما الرهان على خلافات الصهاينة، فقد أثبتت التجارب أنه رهان على وهم.
والرهان الذي لا ينبغي أن يسقط هو الرهان على فلسطين وشعبها ، على وحدته ومقاومته وصموده، وعلى حقه التاريخي في وطنه، وفي الحرية والاستقلال والعودة، وعلى قدرته على إفشال كل مشروع يستهدف اقتلاعه وتصفية قضيته وتحويل فلسطين إلى مجرد ذكرى.
في المحصلة ، قد تتبدل الحكومات وتتغير التحالفات وتتسع الخلافات داخل المعسكر الصهيوني، لكن جوهر المشروع يبقى ثابتاً. ومن هنا، فإن معركتنا ليست انتظار من يحكم، بل بناء قوة فلسطينية قادرة على مواجهة المشروع ووقف تمدده. فحدود المناورة الصهيونية لا ترسم مستقبل فلسطين، بل يرسمه صمود شعبها ووحدته ومقاومته وتمسكه بحقوقه التاريخية الثابتة.