أبو الشريف رباح  

لم تنتهي المعركة الانتخابية الإسرائيلية بإغلاق صناديق الاقتراع بل دخلت مرحلة أكثر تعقيدا عنوانها صراع تشكيل الحكومة المقبلة في ظل عجز المعسكرين الرئيسيين عن حسم الأغلبية البرلمانية وبروز الأحزاب العربية عاملا مؤثرا في الحسابات السياسية المقبلة، ولم يعد السؤال مقتصرا على هوية رئيس الحكومة القادم بل امتد إلى طبيعة التحالفات المحتملة وحدود المناورة بين المعسكرين ومدى قدرة النظام السياسي الإسرائيلي على الخروج من دائرة الانقسام والتعطيل فهل يكون فلسطينيو الداخل وكتلهم السياسية بيضة القبان التي ترجح كفة أحد المعسكرين، وهل يتدخل الرئيس الأميركي دونالد ترامب لتقريب وجهات النظر بين بنيامين نتنياهو وغادي آيزنكوت وصولاً إلى تشكيل حكومة وحدة؟ أم تنتهي المشاورات إلى طريق مسدود يفتح الباب أمام انتخابات جديدة؟.

أظهرت المؤشرات الأولية لنتائج انتخابات الكنيست الإسرائيلي أن المعسكرين الرئيسيين لم يتمكنا من تأمين الأغلبية المطلوبة لتشكيل الحكومة والمحددة بـ61 مقعداً من أصل 120، فيما حققت الأحزاب العربية حضورا برلمانيا لافتا بحصولها على 19 مقعدا ما وضعها في قلب الحسابات المتعلقة بتشكيل الحكومة المقبلة، لكن امتلاك المقاعد لا يعني بالضرورة امتلاك القدرة على فرض الشروط؛ فالتأثير الفعلي يتوقف على مدى استعداد القوى الإسرائيلية للتعاون مع الأحزاب العربية، وعلى قدرتها على تنسيق مواقفها وتحديد أولوياتها وقد يتخذ هذا التأثير أشكالا متعددة من المشاركة المباشرة في الحكومة إلى دعم حكومة أقلية أو التصويت على قضايا محددة من خارج الائتلاف الحاكم، غير أن هذه الخيارات تصطدم برفض نتنياهو وحلفائه التعاون مع الأحزاب العربية، إلى جانب تحفظات لدى شخصيات في معسكر المعارضة بينها آيزنكوت بشأن الاعتماد عليها لتأمين الأغلبية، وهنا يبرز الاختبار الحقيقي، هل تتعامل القوى الإسرائيلية مع التمثيل العربي باعتباره جزءا من العملية البرلمانية، أم تستمر في استبعاده سياسيا رغم الحاجة إلى أصواته؟ وتواجه الأحزاب العربية سؤالا أساسيا بشأن قدرتها على تحويل ثقلها البرلماني إلى مكاسب ملموسة للمواطنين العرب تتصل بالمساواة ومكافحة الجريمة وتوفير الميزانيات وتحسين الخدمات وحل مشكلات التخطيط والبناء بعيداً عن الاكتفاء بدور الرقم الحاسم في مفاوضات تشكيل الحكومة.

وفي ظل تعثر المعسكرين يبرز احتمال تشكيل حكومة وحدة تضم أطرافا من معسكري نتنياهو وآيزنكوت باعتباره أحد المخارج الممكنة من الأزمة، غير أن هذا الخيار رغم إمكان طرحه حسابيا يصطدم بتناقضات سياسية عميقة وتعهدات انتخابية أطلقها عدد من قادة المعارضة بعدم التعاون مع نتنياهو والعمل على إنهاء حكمه، فهل تتراجع هذه القوى عن مواقفها تحت ضغط الضرورة السياسية؟ وهل يقبل آيزنكوت الدخول في حكومة يقودها نتنياهو مشترطا إبعاد حلفائه الأكثر تشددا وفي مقدمتهم إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش عن مراكز القرار؟ أم أن الخلافات بشأن إدارة الحكم والحرب والأمن والعلاقة مع الفلسطينيين ستجعل التوصل إلى تسوية أمرا بالغ التعقيد؟

وفي هذا السياق يطرح دور الرئيس الأميركي دونالد ترامب تساؤلات إضافية حول مدى استعداده للتدخل في المفاوضات بين القوى الإسرائيلية فواشنطن تمتلك نفوذا سياسيا كبيرا في إسرائيل وقد تلجأ إلى الضغوط أو تقديم الحوافز لتشجيع تسوية بين الخصوم إذا رأت أن استمرار الأزمة يتعارض مع أولوياتها الإقليمية، لكن الحديث عن صفقة أميركية جاهزة أو اتفاق وشيك بين نتنياهو وآيزنكوت يبقى احتمالا يحتاج إلى مؤشرات موثوقة تؤكده إذ لا يكفي التدخل الخارجي وحده لتجاوز المصالح الحزبية والشخصية أو ضمان استقرار حكومة تجمع أطرافاً متنافسة
ولا ينبغي النظر إلى احتمال تغيير الحكومة باعتباره دليلاً تلقائياً على حدوث تحول جوهري في السياسة الإسرائيلية تجاه الشعب الفلسطيني. فإسقاط حكومة نتنياهو، إن تحقق، لا يعني بالضرورة تغيير النهج المتبع في القضايا الأساسية، إذ تتبنى قطاعات واسعة من المعارضة مواقف أمنية متشددة، وقد تختلف مع نتنياهو في إدارة الحكم من دون أن تختلف معه بالقدر نفسه في الملفات المتعلقة بالقضية الفلسطينية ومستقبل الأراضي المحتلة، ومن هنا فإن أهمية الدور العربي لا تقاس فقط بقدرته على التأثير في هوية رئيس الحكومة بل أيضا بمدى ما يمكن تحقيقه من حقوق ومطالب مدنية وسياسية للمواطنين العرب وبطبيعة السياسات التي ستتبناها الحكومة المقبلة، فالتغيير في تركيبة الائتلاف قد يؤدي إلى إعادة ترتيب موازين القوى داخل المنظومة الإسرائيلية من دون أن يفضي بالضرورة إلى تغيير في توجهاتها الأساسية.

وفي حال استمرار العجز عن تأمين الأغلبية البرلمانية تبقى أمام إسرائيل عدة سيناريوهات كمواصلة المفاوضات لاستقطاب نواب أو أحزاب من معسكرات أخرى، أو تشكيل حكومة وحدة تقوم على تسوية بين أطراف متنافسة، أو محاولة تشكيل حكومة أقلية تعتمد على دعم برلماني من خارج الائتلاف، أما إذا تعذرت هذه الخيارات فقد تتجه البلاد إلى انتخابات جديدة بما يعنيه ذلك من إطالة أمد الأزمة واستمرار التجاذبات السياسية.

ولا يمكن فصل مسار تشكيل الحكومة عن التطورات الإقليمية ولا سيما الملفات الأمنية التي تحتل مساحة واسعة في الخطاب السياسي الإسرائيلي فقد تؤثر هذه التطورات في حسابات الأحزاب ومواقفها التفاوضية كما قد تنعكس على طبيعة التحالفات الممكنة من دون أن يعني ذلك حتمية اتجاه المشهد نحو خيار سياسي بعينه، وفي المحصلة تكشف أزمة تشكيل الحكومة عن فجوة بين تعهدات القوى السياسية خلال الانتخابات ومتطلبات بناء ائتلاف قادر على تأمين الأغلبية والاستمرار في الحكم، وبين نتنياهو الساعي إلى الاحتفاظ بالسلطة وآيزنكوت الذي يعمل على بناء بديل سياسي تقف الأحزاب العربية أمام اختبار يتعلق بقدرتها على استثمار تمثيلها البرلماني في ظل الرفض والتحفظات التي تواجهها.

أما حكومة الوحدة فتبقى مرتبطة بمدى استعداد الخصوم لتقديم تنازلات وبحسابات القوى الإسرائيلية وموقف واشنطن فيما يظل خيار الانتخابات الجديدة قائما إذا تعذرت التسوية، لكن السؤال الأعمق يتجاوز من سيجلس في مقعد رئاسة الحكومة هل ستنجح القوى المتنافسة في تجاوز انقساماتها وتشكيل حكومة مستقرة أم ستبقى إسرائيل أسيرة صراع السلطة والحسابات الحزبية؟ وهل يتحول التمثيل العربي إلى عامل مؤثر في القرارات أم تظل أهميته محصورة في مفاوضات تشكيل الائتلافات؟ الإجابة عن هذه الأسئلة ستحدد طبيعة المرحلة المقبلة لكنها لن تقاس بعدد المقاعد وحده بل بما ستكشفه المواقف السياسية من حدود التغيير الممكن داخل إسرائيل.