آخر الأخبار

“خذنا يا الله”.. صرخة تتجاوز حدود النزوح إلى مأساة إنسانية لا تجد صدى

22378752

لم يكن مشهد الطفل الغزّي الذي وقف تحت المطر منكمشًا داخل خيمته الممزقة وهو يردد ببراءة موجوعة: “خُذنا يا الله” مجرد صرخة طفل مذعور؛ بل كان تلخيصًا مكثفًا لانهيار إنساني تعيشه غزة مع أول منخفض جوي، حيث لم تعد السماء تمطر ماءً فقط، بل فواجع جديدة فوق معاناة عامين من الحرب والنزوح.

كلمات الطفل التي هزّت شبكات التواصل لم تكن نداء يأسٍ فرديًا، بل صدى لصرخات مئات آلاف الأطفال الذين غمرت المياه خيامهم، وجرفت معها ما تبقى من أغطية ومقتنيات ومأوى بالكاد كان يقيهم قسوة الأيام.

ويعكس المقطع الذي تداوله رواد شبكات التواصل حجم الألم الذي يعيشه النازحون داخل الخيام التي تحولت إلى برك من الطين إثر الأمطار الغزيرة التي ضربت قطاع غزة خلال اليومين الماضيين.

ولليوم الثاني، يبدأ النازحون صباحهم على مشاهد موجعة؛ مياه باردة تتسلل إلى أجسادهم وخيام تنهار تحت ثقل المطر، فيما يُسابق الأهالي الزمن لإنقاذ أطفالهم من السيول التي جرفت آخر ما تبقى من مقتنياتهم البسيطة.

ففي مشاهد عمّت غالبية مناطق القطاع، حاول النازحون بأجساد مرتجفة وأقدام حافية إنقاذ ما يمكن إنقاذه من متاعهم البسيط الذي ابتلّ أو غمرته المياه. فكل مساحة خالية من الأبنية المدمرة تحولت إلى مخيمات فوق أراضٍ رملية سرعان ما تحولت إلى مستنقعات، فيما تُركت آلاف العائلات لمصيرها بلا مأوى يحميها من البرد والرياح.

وتتفاقم المعاناة في اليوم الـ36 على بدء وقف إطلاق النار، بينما يتأثر القطاع بأول منخفض جوي لهذا العام، وسط استمرار الخروقات الإسرائيلية من قصف وغارات ونسف للمنازل في شمالي القطاع وجنوبه، خاصة في رفح.

ومع انعدام بدائل الإيواء ومنع دخول المساعدات، يجد المدنيون أنفسهم في مواجهة الطبيعة والحصار معاً.

250 ألف خيمة

ففي منطقة المواصي غرب خانيونس، عاشت مريم اصليح – الحامل في شهرها التاسع – واحدة من أقسى لياليها، بعدما غمرت المياه خيمتها.

تقول وهي ترتجف من البرد في سياق تقرير نقلته صحيفة العربي الجديد: “أيقظت أطفالي فور دخول المياه خوفًا عليهم. حاولنا بآنية بلاستيكية إخراج الماء لكن دون جدوى”.

ورغم حفر مجارٍ لتصريف المياه، بقيت بركة داخل الخيمة. “لم يتبقَّ لدينا أغطية ولا فراش… القلوب تبكي دمًا”، تقول مريم بصوت مثقل بالقهر.

ومع تفاقم هذه المعاناة، تواصل سلطات الاحتلال منع إدخال مواد الإيواء من خيام وبيوت متنقلة، متنصلة من التزاماتها التي نص عليها اتفاق وقف إطلاق النار الذي دخل حيز التنفيذ في 10 أكتوبر/تشرين الأول الماضي.

وأنهى الاتفاق حرب إبادة جماعية بدأت في 8 أكتوبر/تشرين الأول 2023 واستمرت لعامين، وخلفت أكثر من 69 ألف شهيد وما يزيد عن 170 ألف جريح.

ووفق المكتب الإعلامي الحكومي، يعيش نحو 1.5 مليون نازح داخل خيام تالفة، 93% منها لم تعد صالحة للسكن، بواقع 125 ألف خيمة من أصل 135 ألفاً.

وعلى مدار نحو عامين من الإبادة تضرّرت عشرات آلاف الخيام بفعل القصف الإسرائيلي الذي أصابها مباشرةً أو استهدف محيطها، فيما اهترأ بعضها بسبب عوامل الطبيعة من حرارة الشمس المرتفعة صيفاً والأمطار والرياح شتاء.

ويبين الإعلام الحكومي، أن الواقع الإنساني الكارثي يعكس حاجة ملحّة لنحو 250 ألف خيمة، و100 ألف كرفان لتوفير مأوى مؤقت للنازحين الذين يحتمون في منازل آيلة للسقوط هرباً من غرق الخيام بمياه الأمطار أو اقتلاعها بسبب الرياح.

معدات الإغاثة مفقودة

وتؤكد بلدية غزة، أنَّ معاناة سكان القطاع تتفاقم بسبب المنخفض الجوي والأوضاع كارثية، عقب غرق خيام النازحين المهترئة.

وذكرت البلدية في تصريحات صحفية، اليوم السبت، أن شبكات تصريف الأمطار مدمرة في القطاع، ما يتسبب بطفح المياه العادمة.

وحذرت بشدة من أن المياه العادمة والنفايات تجتاح المنازل ومراكز الإيواء، مطالبة بتدخل دولي عاجل لمعالجة الوضع، وقالت: “لدينا مخططات لمكافحة المنخفضات الجوية ومساعدة الناس لكن ليس لدينا معدات للقيام بذلك”.

وشددت على أن قطاع غزة بحاجة ماسة لمساكن مؤقتة وخيام ومواد البناء والوقود لمساعدة الناس.

ومع غرق الخيام الحالية، لا تتوفر أي بدائل للإيواء في ظل دمار طاول 90% من البنية التحتية المدنية وتقدّر خسائره الأولية بـ70 مليار دولار.

وأعلن جهاز الدفاع المدني الفلسطيني أن عشرات الخيام غرقت في منطقة المواصي، وأن فرقه تكافح منذ الجمعة للتعامل مع حالات غرق مماثلة في مختلف مناطق جنوب القطاع.

ويأتي ذلك بالتزامن مع منخفض جوي مصحوب بكتلة هوائية باردة وأمطار غزيرة ورياح قوية، من المتوقع انحساره مساء الأحد وفق الأرصاد الجوية الفلسطينية.

احتياجات ملحة

وحذّرت وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا)، اليوم السبت، من تفاقم الأوضاع الإنسانية في قطاع غزة مع اشتداد الأمطار الغزيرة.

وأكدت أن آلاف العائلات النازحة باتت تلجأ إلى أي مساحة متاحة للاحتماء، بما في ذلك الخيام المؤقتة التي لا توفر أدنى مقومات الحماية.

وتقول الأونروا، إن الاحتياجات الملحّة للمأوى تتزايد بشكل كبير، في ظل العجز عن توفير خيام ومستلزمات تقي السكان موجات البرد والأمطار، مشددة على ضرورة السماح لها بإدخال المساعدات الإنسانية دون أي عراقيل.

وتشير إلى أن المنخفض الجوي الحالي يفاقم حالة الطوارئ القائمة أصلًا، إذ تتعرض الخيام للتمزق والانهيار أمام الأمطار المتواصلة والرياح العاتية، ما يهدد حياة مئات الآلاف من النازحين الذين فقدوا منازلهم جراء الحرب.

وتوضح المنظمة الأممية أن هناك تحركات دولية متصاعدة للضغط على إسرائيل من أجل السماح بدخول مساعدات الإغاثة إلى القطاع، في وقت يتعرض فيه النازحون لأزمة متشابكة تشمل غرق الخيام، وتضرر المساكن المدمرة، وتراجع القدرة على الحصول على المستلزمات الأساسية.

ومع استمرار الحصار ومنع إدخال المساعدات، تزداد الأزمة الإنسانية تعقيدًا، ويظل مئات آلاف المواطنين في قطاع غزة عالقين بين سماء تمطر وجعًا وأرض لا تقوى على حملهم. وفي قلب هذا المشهد، لا تزال عبارة الطفل “خذنا يا الله” تتردد كمرثية لبراءة تُغرقها الحرب والمطر، وتذكير صارخ بأن ما يجري في غزة يتجاوز حدود النزوح إلى مأساة إنسانية تتعمق مع كل يوم جديد.

اقرأ المزيد عبر المركز الفلسطيني للإعلام:
https://palinfo.com/news/2025/11/15/981926/

شارك على :

واتس أب
فيسبوك
تويتر
تيليغرام
لينكد إن
بين تريست
الأيميل
طباعة