أسعد أبو خليل
حربُ الإسناد: هل كانت نصراً أم هزيمةً؟ (3)
لا زلتُ في معرض إيراد حجج الحزب (بلسان أمينه العام، نعيم قاسم) عن تحقيق انتصار في الحرب الأخيرة. تحليل تصنيفات النصر أو الهزيمة لا تُحسم بلفتة جملة أو بحذلقات لفظيّة. وهي معرض اختلاف حتى بين أفرقاء الصفّ الواحد:
2) حجّة أخرى في سند وجهة نظر النصر لا الهزيمة، تكمن في اعتبار الحرب البرّية وصمود مقاتلي الحزب التاريخي رغم كلّ الصعوبات والعوائق والنواقص في الميدان. لنتذكّر أنّ العدوّ لم يستقرّ به المقام في أرضنا إلّا بعد إعلان وقْف الأعمال العدائيّة لأنّ القتال لم يتوقّف لحظة، ما منع العدوّ من الزهو باحتلال أرضنا. جيش العدوّ لم يستطع أن يتقدّم فيما كان القتال مستمرّاً لأنّه لم يُرد أن يغامر بمواجهة بريّة يعلم سلفاً أنّه ليس مستعدّاً لها أمام جيش منظّم خاض معارك ضدّ إسرائيل وضدّ تنظيمات جهاديّة في سوريا.
الوضع لم يكن عاديّاً في الجنوب، إذ إنّ المقاتلين كانوا يحاربون بعد أن فقدوا معظم قياداتهم العليا، بمن فيهم الأمين العام للحزب، وبعد أن فقدوا كلّ وسائل الاتّصال السلكي واللّاسلكي. هي كانت تجربة فريدة في القتال. لم يكونوا يعلمون إذا كان التنظيم على قيد الحياة في حينه. قاتلوا بشراسة وهم معزولون عن القيادة وعن بعضهم البعض. كانوا، كما وصفهم صديق، يرمون بأنفسهم في موت محتّم (أو التهلكة عند أعدائهم) في الكثير من الأحيان. لم يجبُنوا ولم يستسلموا ولم يتراجعوا، وهذا بحدّ ذاته يمكن أن يكون مصدر افتخار أكيد للحزب.
كانت هناك أحاديث غير صحافيّة عن حالات فرار أو عدم التحاق بالوحدات، وهذه الحالات كانت أكثر من حالات حرب تمّوز حسب ما سمعت. لكنّ الأسئلة والإجابات في هذا الموضوع هي بحوزة الحزب الذي وحده لديه جداول يمكن أن يصل فيها إلى تحديد نِسَب الفرار وإذا كان ذلك أكبر بكثير من نِسَب حرب تمّوز (لم أسمع -وأنا ذو مصادر محدودة ويشكّ رئيس التحرير بصحّة أخبارها- بتلك الحالات في 2006). لكنّ ذلك يجب أن يوضع في سياق غياب الاتّصالات بين القاعدة والقيادة وبين أطراف القاعدة أنفسهم. كانوا يقاتلون وأيديهم مربوطة خلف ظهورهم والعصائب تغطّي عيونهم وأخبار الجبهات الأخرى مقطوعة عنهم بالكامل. كانوا يقاتلون مع علمهم أنّ حزبهم -الذي تطوّر ونما عبر العقود- يعاني من اختراق (إلكتروني و/ أو بشري) فظيع، وهذا أشبه بالعمل الانتحاري. إنّ التصميم على القتال في هذه الظروف هو من علائم ما يراه الحزب من عناصر النصر.
3) الحزب لم يستسلم ولم يوقف القتال. هو فاوضَ عبر نبيه برّي كي يصل الطرفان إلى وقْف الأعمال العدائيّة لكنّه لم يقبل صيغة الاستسلام من دون شروط، والتي كان العدوّ وأميركا وأتباع السعوديّة والإمارات في لبنان يصرّون عليها. هذه كانت حالة الجيوش العربيّة في حرب 1967، أو الحركة الوطنية في 1982، والتي أعلنت حلّ نفسها بمجرّد أن تقدّمت جحافل العدوّ نحو بيروت. في المقارنة مع مواجهات سابقة بين العدوّ وجيش عربي أو فصيل عربي مقاوم، يمكن تسجيل أداء حماس في غزّة والمقاومة في لبنان على أنّهما لم يكونا في خانة المنهزمين.
٤) استطاع الحزب رغم الحرب العالميّة عليه (وهي بالفعل حرب عالميّة شاركت فيها ضدّه وضدّ حماس، بالإضافة إلى إسرائيل، ألمانيا والولايات المتحدة وكندا وفرنسا وبريطانيا وأستراليا بالإضافة إلى عدد من الدول العربيّة) أن يحافظ على سلاحه، أو بعضٍ من سلاحه. في حالة المقاومة الفلسطينيّة والحركة الوطنيّة في 1982، استولت إسرائيل على كلّ سلاح الحركتَين ولم يبقَ إلاّ القليل المُخبّأ، ثم استعانت منظّمات المقاومة بما تسرّب فيما بعد ذلك من سلاح عبر الحدود السوريّة. كميّة السلاح التي استولى عليها العدوّ في 1982 كانت كافية لإمداد حركات عنصريّة ورجعيّة بالسلاح حول العالم، بطلب أميركي. الحزب قبِلَ طوعاً بتسليم سلاحه جنوب اللّيطاني تحت طائلة استمرار الحرب، والجيش اللّبناني كان يدمّر ما يتلقّاه من سلاح أو يضعه في مخابئ لا تمتد إليها أيدي مقاومين.
5) حافظ الحزب على قوّته السياسيّة من خلال الأداء الممتاز (بنظره) في نَيل معظم المقاعد (مع «أمل») في الانتخابات البلديّة الأخيرة، ما أثبت أنّ الحرب لم تُضعف شعبيّة الحزب وأنّ الجمهور -رغم الإنفاق الغربي والخليجي على أفراد من الشيعة لمنافسة الحزب- لا يزال يدعم خيار المقاومة. هذا لا يعني أنّ الجمهور لن يطالب بالمحاسبة أو أنّه يوافق على كلّ قرارات الحزب وسياساته. لكنّ المزاج العام هو، وكما ألمسه من ردود فعل من أصدقاء على سلسلتي هذه: الوقت ليس الآن، وهناك من يتبرّم من أيّ مراجعة نقديّة (مثل هذه) لأنْ «مش وقتها».
لا يجب أن تبقى مسألة المراجعة النقديّة محصورة بيد الأعداء. هذا ما حصل بعد هزيمة 1967 عندما توكّل الرجعيّون واليساريّون الاستشراقيّون (المُغرضون) في نَسب الهزيمة إلى عناصر ثابتة ودفينة في الشخصيّة العربيّة أو في تحميل المسؤوليّة كلّ المسؤوليّة إلى جمال عبد الناصر