يواجه القطاع الصحي في قطاع غزة انهيارًا غير مسبوق، نتيجة الاستهداف الإسرائيلي المباشر للمستشفيات، والحصار المستمر الذي يمنع إدخال الأدوية والمستهلكات الطبية والأجهزة الحيوية.
المستشفيات القليلة التي ما زالت تعمل عاجزة عن تلبية الحد الأدنى من الاحتياجات، وسط تحذيرات متصاعدة من كارثة صحية ووفاة يومية للمرضى.
تحذيرات من توقف الأقسام الحيوية
فقد وصف الدكتور أحمد الفرا، مدير مستشفى التحرير في مجمع ناصر الطبي، الوضع الصحي بأنه “كارثي”، مؤكداً أن عددًا كبيرًا من الأقسام الحيوية مهدد بالتوقف بسبب تدمير الأجهزة الطبية وتعطل ما تبقى منها نتيجة نقص الوقود والأوكسجين.
وقال في تصريحات لمراسلنا إن المستشفيات تعمل في ظروف استثنائية لا تتناسب مع حجم الإصابات والحالات المرضية المتزايدة.
قوائم انتظار المرضى
وأشار الفرا إلى وجود أكثر من 21 ألف مريض مسجل على قوائم انتظار السفر لتلقي العلاج خارج القطاع، محذرًا من أن هذه القوائم تحولت إلى سجلات وفاة مؤجلة، خاصة في ظل انعدام أدوية السرطان وعدم القدرة على استكمال البروتوكولات العلاجية، ما أدى إلى وفاة مرضى بشكل مباشر داخل القطاع.
السرطان والعجز
محمود أبو عيطة (52 عامًا)، يرافق زوجته المصابة بسرطان الثدي منذ أكثر من عام. يروي معاناته: “قبل الحرب كنا ملتزمين بالعلاج، وكانت حالتها مستقرة نسبيًا. اليوم، لا دواء ولا مواعيد. كل زيارة للمستشفى تنتهي بنفس الجملة: غير متوفر. زوجتي تضعف يومًا بعد يوم، وأحيانًا لا تستطيع النهوض وحدها من السرير”.
ويضيف بصوت يملؤه القلق: “الأصعب هو الشعور بالعجز… أشوفها تعاني ولا أقدر أساعدها، بنحسب الأيام ليس على أمل الشفاء، بل على أمل ألا تتدهور حالتها أكثر. النوم أصبح صعبًا، كل أصوات الطوارئ تجعلني أخاف أن تصل رسالة سيئة عن صحتها في أي لحظة”.
بين الحياة والموت
أم محمد، نازحة من خانيونس، تسرد رحلة طفلها البالغ تسع سنوات، المصاب بمرض خلقي في القلب، تقول: “الدكتور قال إنه يحتاج للسفر فورًا، لكن المعبر مسكر منذ أشهر. كل مرة نعود خائبين. ابني صار يفهم، يسألني: ماما أنا بموت؟ أشعر أن قلبي ينكسر كل مرة أراه يبكي خوفًا من الغد”.
وتكمل: “المستشفى مليء بأطفال ومرضى محتاجين علاج، والأطباء يبذلون كل ما لديهم، لكن الإمكانيات محدودة جدًا. أحيانًا أشعر أننا محكوم علينا بالانتظار والموت المحتمل”.
إصابة لم تُعالج وتأجيل مستمر
الشاب أحمد النجار (27 عامًا)، أصيب بشظايا خلال قصف سابق، ويحتاج إلى عملية جراحية لم تُستكمل بسبب نقص المعدات.
يروي: “العملية تأجلت ثلاث مرات… الألم مستمر، لكن الأصعب شعورك بأنك عالق. كل يوم أسمع عن حالات تُفارق الحياة في المستشفى. أحيانًا أستيقظ في الليل وأفكر: هل سأكون التالي؟ هذه القوائم الانتظار تحوّل المرضى إلى أرقام قبل أن نمنحهم فرصة للعلاج”.
حصار الإمدادات الطبية
كما أكد الدكتور الفرا استمرار منع دخول شاحنات الأدوية والمستهلكات الطبية، إلى جانب تضييق عمل المؤسسات الدولية، ما دفع بعضها إلى تقليص نشاطها أو الانسحاب الكامل من القطاع، مضيفًا أن ذلك يضاعف الأعباء على المستشفيات المتبقية ويزيد من حجم الكارثة الصحية.
معابر مغلقة وكارثة تتسع بصمت
وتسبب إغلاق المعابر في تكدس آلاف الحالات التي لا تملك أي خيار علاجي داخل القطاع، في ظل تزايد أعداد الضحايا بصمت.
ويخشى مختصون من أن استمرار هذا الواقع سيؤدي إلى انهيار كامل للقطاع الصحي وارتفاع غير مسبوق في الوفيات.
مع تصاعد الأزمة، تتجدد مناشدات المجتمع الدولي والمؤسسات الحقوقية بضرورة التدخل الفوري لضمان إدخال الأدوية والوقود والمستلزمات الطبية وفتح المعابر أمام المرضى، قبل أن تتحول المعاناة الصحية في غزة إلى مأساة دائمة لا أفق لإنهائها.