آخر الأخبار

الضم الزاحف: قرارات «الكابينت» الإسرائيلي وتحويل الضفة الغربية إلى واقع استعماري دائم

A picture shows a view of the Israeli settlement of Givat Zeev, near the Palestinian city of Ramallah in the occupied West Bank, on November 19, 2019. - Israeli Prime Minister Benjamin Netanyahu said a US statement deeming Israeli settlement not to be illegal "rights a historical wrong". But the Palestinian Authority decried the US policy shift as "completely against international law". Both sides were responding to an announcement by US Secretary of State Mike Pompeo saying that Washington "no longer considers Israeli settlements to be "inconsistent with international law". (Photo by AHMAD GHARABLI / AFP) (Photo by AHMAD GHARABLI/AFP via Getty Images)

فراس صالح

 تشير القرارات التي صادق عليها المجلس الوزاري الأمني-السياسي المصغر في إسرائيل في الثامن من شباط/فبراير 2026 إلى تحول نوعي في طبيعة المشروع الإسرائيلي في الضفة الغربية، حيث لم تعد السياسة الاستيطانية مجرد توسع عمراني أو أمني، بل أصبحت مشروعاً قانونياً-إدارياً متكاملاً يهدف إلى فرض ضم فعلي للضفة الغربية دون إعلان رسمي. هذه الخطوة تمثل انتقالاً من مرحلة الاحتلال العسكري المؤقت إلى مرحلة السيادة الزاحفة بحكم الأمر الواقع، وهي مرحلة تسعى إسرائيل من خلالها إلى إعادة تعريف الجغرافيا السياسية للصراع الفلسطيني-الإسرائيلي بطريقة تجعل قيام دولة فلسطينية مستقلة أمراً شبه مستحيل.

القرارات التي جاءت بمبادرة من وزير المالية بتسلئيل سموتريتش ووزير الأمن يسرائيل كاتس تعكس رؤية أيديولوجية متجذرة لدى التيار القومي-الديني في إسرائيل، الذي يرى الضفة الغربية جزءاً لا يتجزأ من المشروع الصهيوني التاريخي. توسيع عمليات هدم المنازل الفلسطينية لتشمل مناطق «أ» و«ب» يشكل انقلاباً مباشراً على اتفاق أوسلو، إذ كان هذا الاتفاق يمنح السلطة الفلسطينية صلاحيات مدنية وأمنية محدودة في هذه المناطق. بهذا القرار، تُلغى الحدود الوظيفية التي قامت عليها السلطة، ويُعاد إخضاع الضفة بأكملها لنظام السيطرة الإسرائيلية المباشرة، ما يعني عملياً إلغاء اتفاق أوسلو دون إعلان رسمي، تفادياً للتبعات القانونية والدبلوماسية.

أما فرض عقوبات مالية على الفلسطينيين بحجة «تلويث البيئة» فيكشف عن استخدام أدوات بيئية واقتصادية كوسيلة استعمارية لإعادة تشكيل المجال الاجتماعي والاقتصادي الفلسطيني. فالاحتلال الذي يسيطر على الموارد والبنية التحتية ويقيد التنمية الصناعية والزراعية، يعاقب السكان الأصليين على نتائج هذا التقييد، في نموذج يمكن وصفه بالاستعمار البيئي، حيث تُستخدم البيئة كذريعة لإفقار المجتمعات المحلية ودفعها إلى الهجرة القسرية أو تفكيك بنيتها الإنتاجية.

غير أن أخطر القرارات يتمثل في رفع السرية عن سجلات الأراضي والسماح لليهود بشرائها مباشرة، وإلغاء القيود القانونية التي تعود إلى الحقبة الأردنية. هذا التحول يعني نقل عملية الاستحواذ على الأراضي من المجال العسكري القسري إلى المجال القانوني والسوقي، حيث تصبح الأرض الفلسطينية سلعة في سوق عقاري مفتوح يخضع لقوانين القوة الاقتصادية والسياسية غير المتكافئة. بهذا تنتقل إسرائيل من نموذج الاستعمار بالقوة العسكرية إلى نموذج الاستعمار عبر السوق والقانون، وهو نموذج أكثر استدامة وأقل تكلفة سياسية على المستوى الدولي.

في مدينة الخليل، يُعد نقل صلاحيات التخطيط والبناء من بلدية المدينة إلى الإدارة المدنية الإسرائيلية ومنح صلاحيات بلدية كاملة للكيانات الاستيطانية خطوة إضافية نحو إنشاء نظام إداري استعماري موازٍ، يشبه في بنيته نظام «البانتوستانات» في جنوب أفريقيا خلال حقبة الفصل العنصري. في هذا النموذج، تُمنح المجتمعات الأصلية إدارة شكلية، بينما تُحتكر الأرض والتخطيط والسيادة لصالح السلطة الاستعمارية، ما يكرس نظاماً قانونياً مزدوجاً يقوم على التمييز البنيوي بين السكان.

هذه القرارات جزء من استراتيجية طويلة الأمد تُعرف بسياسة «الحقائق على الأرض»، حيث يتم خلق واقع قانوني وإداري يجعل أي حل سياسي مستقبلي محكوماً بشروط إسرائيلية مسبقة. الضم الرسمي يبقى مكلفاً سياساً على المستوى الدولي، لذلك تعتمد إسرائيل على الضم الزاحف عبر القوانين والإدارة والبنية التحتية، بحيث يصبح الإعلان الرسمي لاحقاً مجرد خطوة رمزية لا تغيّر كثيراً في الواقع القائم.

في المحصلة، تمثل قرارات «الكابينت» انتقالاً من الاحتلال العسكري إلى نظام استعمار قانوني-إداري مكتمل الأركان، حيث تُعاد صياغة الجغرافيا السياسية للضفة الغربية عبر أدوات القانون والاقتصاد والإدارة بدلاً من القوة العسكرية وحدها.

لحظة مفصلية في تاريخ الصراع، تُظهر أن المعركة لم تعد فقط على الأرض بالسلاح أو المستوطنات، بل على تعريف السيادة والملكية والقانون نفسه، وهي معركة طويلة ومعقدة ستحدد مستقبل القضية الفلسطينية لعقود قادمة■ 

شارك على :

واتس أب
فيسبوك
تويتر
تيليغرام
لينكد إن
بين تريست
الأيميل
طباعة