مازن كريّم
في خضم ردود الفعل المتواصلة على عملية اختطاف القيادي في “الجماعة الإسلامية” عطوي عطوي في بلدة الهبارية جنوب لبنان، تصاعدت التحليلات السياسية والاستراتيجية حول دلالات الحادثة وآثارها على قواعد الاشتباك في الساحة اللبنانية.
العملية، التي نفذت بأسلوب “كوماندوس” داخل الأراضي اللبنانية، لم تُعد مجرد حادث أمني معزول، بل حملت رسائل واضحة ودلالات استراتيجية، وكشفت عن ثغرات في الأمن الداخلي وأبعاد استخباراتية وسياسية خطيرة.
وفي هذا الإطار، قال الخبير العسكري والاستراتيجي العميد الركن المتقاعد نضال زهوي: “عملية اختطاف عطوي عبر عملية كوماندوس تمثّل تطورًا خطيرًا على المستوى الاستراتيجي، يتجاوز كونها حادثًا أمنيًا معزولًا، إذ تكمن خطورتها في الرسائل التي تحملها وفي كسرها لقواعد اشتباك كانت قائمة في الساحة اللبنانية”.
وأوضح زهوي في تصريح خاص لـ”قدس برس” اليوم الاثنين، أن “أهمية العملية لا ترتبط بشخص المستهدف بحد ذاته، بل بما تعكسه من انتقال في سلوك الجهة المنفذة”، مشيرًا إلى أن “تنفيذها داخل الأراضي اللبنانية وبأسلوب كوماندوس يشكّل خرقًا مباشرًا للسيادة اللبنانية، ولا سيما في مناطق تخضع لسلطة الجيش اللبناني وتتميّز ببيئة مختلفة عن بيئة (حزب الله)، ما يبعث برسالة ردع واضحة مفادها أن الاحتلال لم يعد يكتفي بالضربات عن بُعد، بل انتقل إلى عمليات نوعية عالية المخاطر”.
وأضاف: “الترجمة الاستراتيجية لهذا التطور تكمن في رفع سقف الاشتباك وفتح الباب أمام سوابق خطيرة، محذرًا من أن هذا النمط من العمليات قد يصبح نهجًا ثابتًا إذا لم يُواجه بردع واضح”.
وفي ما يتعلق باستهداف “الجماعة الإسلامية” تحديدًا، لفت زهوي إلى أنها “ليست في صلب الاشتباك العسكري التقليدي، لكنها تمتلك حضورًا شعبيًا وتنظيميًا في البيئة السنية، إضافة إلى علاقات سياسية وإقليمية، كما تُعد جزءًا من المشهد الفلسطيني–اللبناني الداعم لغزة، ما يجعل استهدافها رسالة مزدوجة: ردع أي محاولة لتمدد دور سني منظم في معادلة الصراع، ولا سيما بعد عملية بيت جن، أو توجيه إنذار لبقية القوى غير المنخرطة مباشرة بأن الانخراط له كلفة”.
وفي البعد الاستخباراتي، شدد زهوي على أن “الاختطاف بدل الاغتيال يحمل دلالات أخطر، إذ يشير إلى أن الهدف قد يكون الحصول على معلومات تتعلق بالشبكات والتواصل والتمويل والعلاقات، أو استخدام المختطف كورقة ضغط سياسية داخل لبنان، أو السعي إلى تفكيك بيئة تنظيمية بهدوء بدل تفجيرها، وهو السيناريو المرجح برأيه”.
وأضاف: “هذا النهج يفتح الباب أمام حرب استخبارات مفتوحة، ويكشف في الوقت نفسه عن وجود ثغرات أمنية داخلية يجب التوقف عندها بجدية، لا سيما في قرى العرقوب ذات التركيبة الطائفية المختلطة”.
وعن التأثيرات المحتملة على الداخل اللبناني، حذّر زهوي من أن “العملية تحمل مخاطر متعددة، أبرزها إثارة توتر طائفي في حال فُهم الاستهداف كرسالة موجهة إلى فئة بعينها، إضافة إلى إحراج الدولة اللبنانية وأجهزتها الأمنية، وتعزيز شعور القلق لدى قوى سياسية غير عسكرية بأن لا أحد بات خارج بنك الأهداف”.
وختم زهوي بالإشارة إلى أن “ما جرى قد يكون مقدمة لمرحلة جديدة”، مرجحًا احتمالين: “الأول، وهو الأرجح، أن تكون العملية رسالة ردع وضبط إيقاع بأهداف محدودة ومن دون نية للتوسع في المرحلة الحالية؛ أما الثاني، وهو الأخطر، فيتمثل ببداية مرحلة من العمليات النوعية داخل لبنان، تشمل اختطافًا واغتيالات دقيقة وضغطًا استخباراتيًا، في إطار مسعى لمنع تشكّل جبهة لبنانية أوسع داعمة لغزة”.
من جهته، قال المنسق العام للحملة الأهلية لنصرة فلسطين وقضايا الأمة، المفكّر معن بشور: “اختطاف القيادي عطوي على يد العدو الصهيوني، أعاد إلى الأذهان تاريخًا طويلًا من المقاومة الباسلة في لبنان، الممتدة من العرقوب وصولًا إلى مختلف القرى الحدودية في جبل عامل، في مواجهة المشروع الصهيوني العدواني”.
وأضاف بشور في تصريح خاص لـ”قدس برس”: “هذا الاختطاف جاء في لحظة وطنية موجعة، تزامنت مع وداع مدينة طرابلس لضحايا انهيار المبنى في منطقة القبة، وسقوط شهداء وجرحى جدد، في مشهد يعكس وحدة الألم اللبناني من شماله إلى جنوبه”، معتبرًا أن “ما يجري هو امتداد لمسار طويل من العدوان الصهيوني من جهة، والفساد الداخلي من جهة أخرى، دفع لبنان ثمنه آلاف الشهداء الذين يرتقون يوميًا برصاص الاحتلال ومسيراته”.
وأكد: “حكاية لبنان مع الأطماع الصهيونية تتكشف يومًا بعد يوم، كما تتجدد في المقابل حكاية المقاومة اللبنانية والفلسطينية التي تتعزز بدماء الشهداء، وتحمل في كل فعل مقاوم بشائر النصر والتحرير”، مشددًا على أن “دماء الشهداء وآهات الجرحى وصمود الأسرى تشكّل معًا معالم طريق الانتصار رغم قساوة المشهد”.
وتابع بشور: “من طرابلس إلى العرقوب، ومن شمال لبنان إلى جنوبه، تتجسد رسالة واحدة لا يمكن طمسها، مفادها أن هذه الأمة تواجه عدوًا واحدًا حتى دحره وتحرير أرضها”، لافتًا إلى أن “الفجر بات قريبًا رغم كل المظاهر المعاكسة، وأن إرادة الشعوب هي التي ترسم موازين القوى قبل السلاح والصواريخ والمسيرات وزنازين الاعتقال”.
وختم بالتأكيد على أن “ما يجري في جنوب لبنان كما في فلسطين هو حكاية شعب أدرك أن إرادته وصموده هما الأساس في صناعة النصر، مهما اشتدت الضغوط وتعددت أدوات العدوان وتعليمات واشنطن”.
وتقع بلدة الهبارية في قضاء حاصبيا – منطقة العرقوب، وهي من القرى غير الملاصقة للحدود الفلسطينية المحتلة، ما يجعل تنفيذ عملية الاختطاف داخلها اختراقًا أمنيًا لافتًا.
وتأتي العملية في وقت تؤكد فيه جهات لبنانية أن المنطقة خاضعة بالكامل لإشراف الجيش اللبناني و قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان “يونيفيل”، الأمر الذي يثير تساؤلات حول كيفية وصول القوة “الإسرائيلية” إلى عمق الأراضي اللبنانية.