يعتبر المثقف الفلسطيني حارساً للرواية التاريخية الفلسطينية بوجه محاولات التزييف والتشويه، وهو جزء اصيل من الحكاية الفلسطينية المليئة بالإلهام والإسهام في مجال الأدب والفن والتراث، وله دور أساسي في معركة الوعي والهوية وتشكيل ذاكرة مقاومة لا تزل حية رغم كل محاولات التصفية والإبادة والعدوان.
يعيش المثقف الفلسطيني واقع المأساة دون أن يحظى بالإهتمام المطلوب من قبل المؤسسات والهيئات الثقافية في المجتمع الفلسطيني، حيث يعاني المثقف من أزمات متعددة منها ما هو إنعكاس لحالة التراجع والإنقسام والتي ساهمت بدفع المثقف إلى الإبتعاد عن الواقع الراهن الذي يغلب فيه البعد السياسي على البعد الثقافي والإبداعي، خاصة وأنه يعيش في بيئة ضعيفة ومهمشة إجتماعياً واقتصادياً، وهذا ما يجعل الناس كما قال الأديب نجيب محفوظ يهتمون (بلقمة العيش) أكثر من اي شيء.
ويتجلى الإنتماء الوطني إلى جانب أهمية سلاح الكلمة وكلمة السلاح في النضال الفلسطيني باعتبار السلاح من أهم وسائل الدفاع عن الهوية الوطنية وحق العودة وتأكيد دائم من قبل الفلسطينيين بأنهم مستعدون للمقاومة للحفاظ على قضيتهم وحقوقهم المشروعة، وأدرك المثقف الفلسطيني أهمية كلمة السلاح وسلاح الكلمة في الأدب والصحافة والفكر السياسي والمسرح، وبدأت تحضر رمزية السلاح منذ ما بعد هبة البراق عام 1929 حيث قال الشاعر نوح ابراهيم: جفرا وهي يا الربع ربع المراتين شلال ينبع نبع دعم الفلسطيني، وكتب غسان كنفاني عن الرجال والبنادق وقال معين بسيسو في قصيدة السلاح: أنا إن سقطت فخذ مكاني يا رفيقي في الكفاح واحمل سلاحي لا يخفك دمي يسيل من السلاح، وقال محمود درويش: بحر لمنتصف النهار بحر مرايات الحمام، لظلنا، .. لسلاحنا الفردي بحر للزمان المستعار، وقال سميح القاسم: ما زالت لي نفسي .. وستبقى لي نفسي وستبقى كلماتي .. خبزاً وسلاحاً .. في أيدي الثوار، ويأخذ المثقف الفلسطيني اليوم نفس المسار دون أن يعني ذلك حصر أو حصار الثقافة داخل جدران الفصائل ، وهذا جزء من التحديات التي تواجه المثقف الفلسطيني الذي يحضر في المشهد الثقافي كحالة فردية تغيب عنها المؤسسات والإتحادات والهيئات الثقافية التي تتحدث عن المأزق الذي يعيشه المثقف الفلسطيني، دون الحديث عن كيفية الخروج منه، وسط تعفن ملحوظ في المناخ السياسي وفوضى ثقافية تصعب على المثقف القيام بدوره كضمير وذاكرة للثورة والوطن السليب، وكصاحب أقوال من لحم ودم، بعيدة عن الخطب السياسية التي يتعارض بعضها مع أصالة الرواية الفلسطينية التي تتغذى على الثقافة، وتتشكل بأيدي وأبداع المثقفين من الأدباء والكتاب والفنانين وغيرهم ممن لم ينحازوا إلى رواية فصائلهم وأحزابهم وانخرطوا في التنظير لها على حساب العمل والإنتاج الثقافي والأدبي.
يحتاج المثقف الفلسطيني الملتزم بالبعد الوطني والجمالي للفن والإبداع إلى وجود حركة ثقافية تعيد تشكيل حقل ثقافي ريادي جامع ومؤثر على الصعيد السياسي والإجتماعي وعلى المستوى الفلسطيني العام.
بما يعطي الدافع للمثقف كي يواصل مسيرته حاملاً هويته وذاته وممارساً فعله الإبداعي رغم كل التحديات، ويقدم إبداعه للعالم وللناس في الداخل والشتات باعتبارهم خزان الثورة ورأسمالها الثوري والبشري، ويحتاج إلى منابر يطل منها كصوت حر ومستقل حتى وإن عمل ضمن إطار الثورة وفصائلها، وأن لا يغيب أو يغيب حقه كمبدع وصاحب رسالة عن مواكبة وتدوين قصص حرب الإبادة على غزة والعدوان على الضفة الغربية ولبنان.
وأن يتحدى القيود ويرفض الدخول في ما يسمى (حالة التراجع الثقافي) التي من أبرز أسبابها غياب المرجعية الثقافية الواحدة وضعف مؤسسات منظمة التحرير والواقع السياسي المرتبك و ندرة المراكز الثقافية ودور النشر الفلسطينية، وغيرها من التحديات والمشكلات التي تلقي بظلالها على المثقفين الفلسطينيين الذين لا يوجد تواصل فعلي بينهم وبين المؤسسات والدوائر الثقافية الفلسطينية بكافة مسمياتها الرسمية وغير الرسمية، وما يواسي المثقف الفلسطيني بأنه عاش أيام ذروة العمل والإبداع والإنتاج الثقافي، حيث برزت أسماء أدباء وكتاب وفنانين كبار ساهموا في نمو وازدهار وانتشار الثقافة الفلسطينية حتى ما قبل وجود الفصائل والأحزاب.
المثقف الفلسطيني لا يقف مكتوف الأيدي أمام الصعوبات والتحديات ومحاولات التصفية والإلغاء، بل يقوم بإمكانياته الذاتية بتطوير أدواته الثقافية والإبداعية، لترسيخ الرواية الفلسطينية بأشكال متعددة، ليصبح صوته أعلى وأكثر وضوحاً، رغم التعامل معه وكأنه مجرد ديكور ثقافي أو عنصر يجب التحكم به وبميوله نحو الحكمة والإبداع، لكنه ما زال يراهن اليوم وغداً على إعادة بناء وتفعيل الإطار الجامع الذي يمثل الشعب الفلسطيني في الوطن والشتات، أي منظمة التحرير الفلسطينية التي هي المرجعية الأم المعنية بأن تأخذ دورها السياسي والثقافي المستقل عن دور السلطة الوطنية الفلسطينية، وتوفير الإمكانيات المادية والمعنوية بما يعيد الحيوية للثقافة والمثقف في الزمن الراهن، وبما يؤسس لبنية ثقافية واحدة وموحدة تساعد المثقف الفلسطيني كحالة مميزة ونشطة ومؤهلة لتحمل المسؤولية بما يليق بالثقافة وفلسطين.
وحتى ذلك الوقت يستمر المثقف الفلسطيني بتربية الأمل، رافضاً إختزال القضية الفلسطينية بما يحصل من إحتلال لباقي الأراضي الفلسطينية عام 1967، أو المساس بحق العودة إلى الديار التي هجر منها الشعب الفلسطيني قسراً عام 1948، رافعاً راية فلسطين العالية في الزمن الصعب وقلة الخيارات، كونه يمثل رأس حربة في الصراع مع الإحتلال وسيبقى كذلك حتى تحقيق الحرية والعودة والإستقلال.