آخر الأخبار

إلى أين وصلت المفاوضات الأميركية الإيرانية … وهل اقتربت الحرب الفعلية؟

m
أبو شريف رباح
26\2\2026
منذ انسحاب الولايات المتحدة الأمريكية من الاتفاق النووي عام 2018 في عهد الرئيس دونالد ترامب دخل المسار التفاوضي مع إيران في حلقة معقدة من التصعيد والتهدئة، ولكن مع عودة ترامب لسدة الرئاسة الأمريكية تبدو المفاوضات وكأنها تتحرك في منطقة رمادية ورمال متحركة فلا هناك إتفاق يلوح في الأفق ولا انهيار للمسار الدبلوماسي.
لكن ما يضفي على المشهد طابع الخطورة هو تزامن التفاوض مع استعراضات القوة العسكرية والحشود البحرية والجوية الأمريكية في شرق المتوسط، والخطاب السياسي الأمريكي المتشدد الذي يلوح بالخيار العسكري، فالملف التفاوضي لم يعد نوويا فقط، فإلى جانب تخصيب اليورانيوم ونسبته وآليات الرقابة الدولية يبرز ملف الصواريخ الباليستية والفرط صوتية، فواشنطن تسعى إلى اتفاق يقيد قدرات إيران النووية والصاروخية ويحد من نفوذها الإقليمي، بينما تصر طهران على رفع العقوبات وضمانات بعدم انسحاب أميركا من أي اتفاق يبرم بين الجانبين.
والمفارقة أن الطرفين يتفاوضان وهما يتبادلان الرسائل النارية، عقوبات أمريكية جديدة مقابل خطوات نووية إيرانية متقدمة، تحريك قطع بحرية أمريكية مقابل مناورات عسكرية إيرانية، هذه الازدواجية تعكس إدراكا متبادلا بأن الحرب مكلفة للجانبين، فهل اقتربت الحرب؟ أعتقد أن اندلاع حرب شاملة ليس الخيار المفضل لأي من الطرفين لكنه يبقى احتمالا قائما إذا انهار المسار الدبلوماسي أو وقع احتكاك عسكري مباشر غير محسوب، والسيناريو الأخطر ليس قرارا معلنا بالحرب بل تدرجا تصاعديا يبدأ بضربة أمريكية محدودة فيرد الابرانيون برد أوسع فتتدحرج الأمور إلى مواجهة إقليمية مفتوحة.
واذا ما اندلعت الحرب فإن إسرائيل ستكون هدفا مباشرا لأي رد إيراني بحكم العداء المعلن ببنهما وستكون دول الخليج العربي في دائرة التأثر خصوصا تلك التي تستضيف قواعد أو قوات عسكرية أميركية، كذلك قد يتأثر العراق وسوريا ولبنان بحكم وجود ساحات نفوذ متداخلة، إضافة إلى الممرات البحرية الحيوية كمضيق هرمز ما يهدد أسواق الطاقة العالمية، من هنا يبرز تساؤل من سيقف إلى جانب الولايات المتحدة في حربها ضد إيران، من هنا أعتقد انه من المرجح أن تحظى واشنطن بدعم سياسي وعسكري من حلفائها التقليديين في حلف شمال الأطلسي خاصة بريطانيا وإسرائيل بشكل مباشر وفرنسا وألمانيا بشكل غير مباشر، كما أن بعض الدول الخليجية قد توفر دعما لوجستيا وتسهيلات عسكرية متجنبة الانخراط المباشر في القتال، أما إيران فستعتمد على شبكة حلفائها الإقليميين من فصائل مسلحة في أكثر من ساحة عربية ما قد يوسع رقعة المواجهة العسكرية، وقد تحصل إيران على دعم دبلوماسي من روسيا والصين خصوصا في مجلس الأمن لكن من غير المرجح أن تنخرطا عسكريا بشكل مباشر في حرب مفتوحة مع الولايات المتحدة.
عسكريا وتقنيا تتفوق الولايات المتحدة الأمريكية بفارق كبير من حيث القدرات الجوية والبحرية والتكنولوجية على إيران وحلفاءها، إلا أن إيران تراهن على حرب غير متكافئة مستخدمة الصواريخ الدقيقة والطائرات المسيّرة وإغلاق الممرات البحرية، إضافة إلى حلفائها الإقليميين، لكن يبقى ميزان القوى الكلاسيكي يميل لواشنطن لكن كلفة الحسم الأمريكي السريع ليست مضمونة النتائج، والثمن سيكون باهظا على الطرفين لكن بدرجات مختلفة، فمع اندلاع الحرب سترتفع أسعار النفط عالميا وستكون القواعد والمصالح الأمريكية في المنطقة تحت تهديد الصواريخ الإيرانية، وستتلقى إيران ضربات موجعة لمنشآتها النووية والعسكرية، وتشديد غير مسبوق للعقوبات ومخاطر من اضطرابات داخلية قد تؤثر على الحكم، وكذلك موجة عدم استقرار قد تمتد من الخليج إلى شرق المتوسط وتداعيات اقتصادية عالمية.
اخيرا من المؤكد أن المفاوضات لم تصل إلى طريق مسدود بالكامل لكنها تسير على حافة الهاوية وليست حتمية لكنها ممكنة إذا تغلب منطق القوة على منطق التسوية، وفي النهاية يدرك الطرفان أن أي مواجهة شاملة لن تكون نزهة عسكرية بل زلزالا استراتيجيا يعيد رسم خرائط النفوذ في الشرق الأوسط.

شارك على :

واتس أب
فيسبوك
تويتر
تيليغرام
لينكد إن
بين تريست
الأيميل
طباعة