حين نقف أمام البحر، لا نقف أمام ماءٍ يمتدّ بلا حدود، بل أمام آيةٍ من آيات الخلق، تتجلّى فيها عظمة الله كما تتجلّى السماء في اتساعها، والأرض في ثباتها. البحر ليس صامتاً كما نعتقد؛ إنّه يتكلّم بلغة الموج، ويهمس بأسرارٍ لا يسمعها إلا من أرهف قلبه قبل أذنه.
في أعماقه عوالم لا نراها، كأن الله خبّأ فيها دلائل قدرته، وأودعها حكمته. كائنات تسبح في نظام دقيق، ومسارات لا تختلّ، وظلمات تتراكم ثم يخرج منها النور. كلّ ذلك يقول للإنسان: هنا قدرة لا تحدّ، وتدبير لا يغفل.
أما موج البحر، فهو القصيدة التي لا تنتهي. يعلو ثم ينخفض، يقترب ثم يبتعد، كأنه نبض الحياة نفسها. لا يتوقّف، لا يملّ، ولا يعرف السكون الطويل. في حركته المستمرة رسالة واضحة: الحياة جريان، وتجدد، وبداية بعد كل انكسار.
والبحر، في حكمته الخفية، لا يحتفظ بالميت في جوفه؛ يقذف السمك النافق إلى الشاطئ، كأنما يعلن أن السكون موت، وأن البقاء للحركة. أمّا ما فيه من حياة وحيوية، ونشاط، فيمكث في أعماقه، في قلبه، يسبح ويقاوم التيارات ويواصل المسير.
وهكذا هي الحياة: لا حياة للخاملين الكسالى، ولا مكان للركود في طريق الأحياء. الحياة للمبادرين، للعاملين، للذين يتحرّكون رغم التحديات والأوجاع. أولئك الذين يؤمنون أن الله لا يضيع من أحسن عملاً، ولا يخيب من سعى واجتهد واستمرّ، حتى وإن أثقلته العثرات.