عرفات الحاج
يذكر المؤرّخ الصهيوني بيني موريس في كتابه «حروب إسرائيل الحدودية»، أنه خلال الأعوام من 1948 إلى 1956 استشهد أكثر من 2700 إلى 5000 فلسطيني، معظمهم من اللاجئين في قطاع غزة، خلال محاولاتهم التسلل أو الاقتحام عائدين إلى بلادهم التي هُجِّروا منها. وبحسب السرد الصهيوني، فإنّ العائدين الشهداء قد تحرّكوا كأفراد في البداية وبدوافع اقتصادية، قبل أن تهيمن الدوافع السياسية على تحرّكهم، وينتظموا على شكل مجموعات اختارت اقتحام الحدود في سلسلة هائلة من العمليات الفدائية شبه اليومية. هذا التحوّل يفسّره باعتباره مدفوعاً من الزعيم الفلسطيني المفتي أمين الحسيني وأتباعه وتوجيههم لهذه المجموعات.
هذا يتماثل إلى حدّ كبير مع التفسير الاستعماري حول ديناميات تفاعل المجتمعات المُستعمرة في المنطقة العربية: فسبب المقاومة وفق هذه العقلية/السردية هو الدعم الإيراني وربما قرارات اتّخذها شخص ما في طهران أو بيروت. وهو المنطق ذاته الذي بُنيت عليه سياسة الاغتيالات؛ فيكفي قتل الأشخاص الأشرار الذين يتخذون القرارات في إحداث أو افتعال المقاومة لتنتهي. وأيضاً يكفي وجود شخص واحد بارز ليُفسَّر تاريخ هذه المنطقة بتأثير هذا الوجود أو قراراته. وعلى هذا المنوال؛ فإنّ وجود يحيى السنوار في موقع قيادي هو ما أحدث عبور الفلسطينيين للحدود ومن ثم حرب الإبادة، في قفز على كل ما فعله الاحتلال في حياة الفلسطيني، وعلى كل العوامل التي أفرزت المقاومة وشكّلت ملامحها وشروط علاقتها بمجتمعها وعدوّها. بل هو تجاهل لدور الفلسطينيين كشعب قاتَلَ وصمد لمئة عام في وجه الغزو الاستعماري.
في تاريخ الفلسطينيين، تشكّلت هويتهم الوطنية كمشروع تحرّري شعبي، مضادّ لمشروع التهجير بالقتل والتطهير العرقي. وفي هذا التاريخ، فإنّ خلايا الفدائيين/المتسلّلين التي عبرت إلى البلاد مثّلت جسد الفصائل الفلسطينية التي تكوّنت من أبناء الخيام اللاجئين خلال مرحلة الستينيات. وعلى اختلاف مواضع البنى القيادية أو الأيديولوجيا والمقولات السياسية لهذه الفصائل، كان برنامجها التشغيلي الفعلي هو العبور إلى فلسطين من كل نقطة ممكنة على الحدود. عملية عيلبون المرتبطة بانطلاقة «فتح» هي عملية عبور. وشعار «الجبهة الشعبية» يتضمّن سهماً يعود إلى داخل فلسطين. وكان إرسال «الدوريات» إلى داخل فلسطين ذروةً في الفعل الفدائي تسابقت إليه الفصائل.
الجدار والمجزرة والقنبلة
في غزة بعد النكبة، واصلت إسرائيل ملاحقة الفلسطينيين الذين تكدّسوا في الشريط الساحلي الضيق بغية تهجيرهم. وتوثّق السجلّات حتى عام 1967 مئات الهجمات والغارات التي استهدفت المدنيين الغزيين، بمجازر وحشية قُتل فيها آلاف الفلسطينيين. وكانت رمايات المدفعية الإسرائيلية تجاه المدارس أو الأسواق والمواسم الدينية روتيناً ثابتاً، وبالموازاة مع ذلك أحاطت القطاع بحزام من المستوطنات والمواقع الدفاعية مُشكّلة ما بات يُعرف لاحقاً بغلاف غزة، لحصار قنبلة اللاجئين والإسهام في قصفها من وقت لآخر.
عاماً بعد عام، وأيّاً كان الوضع السياسي العام، أو طبيعة القوى المهيمنة في غزة، حرصت إسرائيل على منع تحوّل القطاع إلى موضع استقرار حقيقي لسكانه؛ قتلتهم، وحاصرتهم، ونسفت ما يبنونه أو يدّخرونه، إلى حدّ يمكن القول معه إنّ الادّخار ورأس المال شبه الوحيد لأجيال من الغزيين منذ النكبة هما رصيدهم في حركة التحرّر الوطني الفلسطيني ومشروعها، وحفاظهم على سعيهم لهزيمة إسرائيل.
إنّ مشهد مقاتلي المقاومة في قطاع غزة يركضون وراء الدبابات ببندقية كلاشينكوف بعد عامين من الحرب، وبعد أن أعيتهم محاولة ضربها بقذائف الياسين يقول إنّ هؤلاء لم يذهبوا للحرب بناءً على أوهام متضخّمة حول قوّتهم وسلاحهم
وفي مرحلة الحصار الخانق لغزة لما يتجاوز عقدين من الزمان، وحتى يوم 6 تشرين الأول/أكتوبر 2023، وخلف الواجهة البحرية من البنايات اللامعة التي تدمّرها إسرائيل في كل حرب، وبحسب تقارير الأمم المتحدة، كان أكثر من 70% من أطفال غزة يعانون من أحد مستويات ضعف الدم أو سوء التغذية. وتقريباً كل مقاتل شارك في عملية العبور الكبير، وُلد أو عاش معظم حياته تحت الحصار الإسرائيلي المُشدّد على قطاع غزة، وفي الغالب الأعم هو ابن وحفيد للاجئين فلسطينيين طُردوا من القرى ذاتها التي عبر عائداً إليها.
وقادته في معظمهم هم من الأسرى والمطاردين الذين سجنتهم إسرائيل وقتلت أحبّتهم وعائلاتهم ورفاقهم مرّة تلو الأخرى منذ عشرات السنوات. ولكن لندع هذا كله… لندع البشر وتفاعلاتهم وظروفهم الاقتصادية والاجتماعية وما تعكسه على وعيهم وسلوكهم السياسي، ونكتفِ فقط بما قالته إسرائيل: لقد حرّك المفتي رجاله… لقد أصدر السنوار قراراً بـ«الطوفان».
غزة وحماسها
مَن يرغب في نسب الفضل أو اللوم في ما جرى إلى «حماس» أو إلى قائد فيها، ربما عليه أن يراجع محاولات «حماس» لتطبيق برامج اجتماعية واقتصادية عدة قبل أن يضطرها مجتمع غزة إلى سحبها والانكفاء عنها. والأهم من ذلك أن يراجع علاقة أهل غزة مع كل مَن حكمها.
أن تحشد وتنظّم عشرات الآلاف من المقاتلين ليواصلوا القتال لأكثر من عامين، فيما تقتل إسرائيل ذويهم وتستأصل شأفة عائلاتهم وكل مَن يمتّ إلى أحدهم بصلة، وتسلّط على محيطهم الاجتماعي أشد تركيزات الإبادة، هذا بالتأكيد يحتاج إلى أكثر بكثير من مجرد امتثال لـ«قرار» أياً يكن مَن يصدره، فرداً أو مؤسسة، بل هو امتداد لقناعات راسخة.
إنّ مشهد مقاتلي المقاومة في قطاع غزة يركضون وراء الدبابات ببندقية كلاشينكوف بعد عامين من الحرب، وبعد أن أعيتهم محاولة ضربها بقذائف الياسين من كل زاوية يمكن تخيّلها، يقول إنّ هؤلاء لم يذهبوا للحرب بناءً على أوهام متضخّمة حول قوّتهم وسلاحهم. بل إنّ إدراك ما فعله الحصار وقطع الإمداد وشحّ السلاح، كلّها عوامل لعبت دورها في تشكيل هذا المسار الذي انخرط فيه عشرات الآلاف إعداداً وتدريباً لعدّة سنوات.
لأكثر من عقدين حوصرت غزة، وكُتم صوتها وجوّعت وقُتل أهلها، وتمّ تفكيك أي خطوط تمدّها بما يمكنها من البقاء والقتال، أسهمت في ذلك نظم رسمية ونخب عربية وفلسطينية، وكان المتوقّع أن تستسلم للإبادة، ولكنها قاتلت في وجه هذا كله. إنّ إنكار السياق التاريخي للإبادة ولتشكّل مقاومة الإبادة، إنكار تاريخ غزة وإرادتها في قتال إسرائيل، ليس مشكلةً تقنية في مقاربة التأريخ، ولكن جزء من سعي لفرض الاستسلام على كل ما هو فلسطيني باتجاه إكمال الإبادة.
* كاتب فلسطيني