مازن كريّم
تشهد مدينة صيدا جنوب لبنان تكرارًا لافتًا في الاستهدافات “الإسرائيلية” خلال الحرب الدائرة، الأمر الذي يثير تساؤلات حول دلالات ضرب مناطق تضم كثافة من اللاجئين الفلسطينيين، ولا سيما في محيط مخيم “عين الحلوة”، أكبر المخيمات الفلسطينية في لبنان.
وخلال الأسابيع الماضية، أسفرت الاعتداءات عن ارتقاء عدد من اللاجئين الفلسطينيين، وسط مخاوف متزايدة من اتساع دائرة الاستهداف لتشمل البيئة المدنية التي يعيش فيها اللاجئون، في ظل ظروف إنسانية واقتصادية شديدة الهشاشة.
حرب نفسية وكسر الإرادة
وفي قراءةٍ عسكرية لأبعاد استهداف المناطق المدنية، اعتبر العميد الركن المتقاعد والخبير العسكري نضال زهوي، أن ضرب الأهداف المدنية “يُعدّ وفق جميع المعايير العسكرية وأحكام القانون الدولي الإنساني وبروتوكولات جنيف جريمة حرب، إذ لا يمكن أن يحقق أي هدف عسكري مباشر”.
وأوضح زهوي في تصريح خاص لـ”قدس برس” اليوم الاثنين، أن لجوء الاحتلال إلى هذا الخيار “يرتبط بما يُعرف بحرب الإرادات والحرب النفسية”، مشيرًا إلى أن الهدف منه “كيّ الوعي وكسر إرادة القتال لدى المقاومين، من خلال دفعهم إلى الانشغال بعائلاتهم وبيئتهم الاجتماعية بدل التركيز على الميدان”.
وأضاف أن هذه السياسة تسعى كذلك إلى “إثارة حالة من الهلع المركب داخل المجتمع، بهدف فصل المقاومين عن البيئة الحاضنة لهم”، مؤكدًا أن الاحتلال “اعتمد هذا النهج منذ عام 1948 عبر ارتكاب المجازر بحق المدنيين، كما حدث في مجزرة دير ياسين ومجزرة حولا”.
ويرى زهوي أن استخدام هذا الأسلوب في لبنان اليوم يهدف إلى “إيجاد بيئة معادية للمقاومة خارج بيئتها الحاضنة”، معتبرًا أن الظروف السياسية والإعلامية الداخلية قد تسهم أحيانًا في تحقيق هذا الهدف، عبر “ترويج سرديات انهزامية تركّز على حجم التضحيات بدل إبراز الإنجازات الميدانية”.
وفي ما يتعلق بتكرار استهداف صيدا، أوضح زهوي أن “للمدينة خصوصية مرتبطة بالقضية الفلسطينية، لكونها تضم أكبر تجمع للاجئين الفلسطينيين في لبنان، وعلى رأسه مخيم عين الحلوة”.
وقال إن الاحتلال “ينظر إلى الشتات الفلسطيني باعتباره أحد الملفات المتبقية من القضية الفلسطينية”، مضيفًا أن تركّز اللاجئين في صيدا “يجعل المدينة هدفًا ذا دلالة في سياق محاولات إنهاء القضية الفلسطينية برمتها”.
أزمة إنسانية متفاقمة
وفي قراءة للواقع الإنساني داخل المخيمات الفلسطينية، قال الناشط والباحث الحقوقي، حسن السيدة، من مخيم الرشيدية للاجئين الفلسطينيين في مدينة صور جنوب لبنان، إن الحرب الأخيرة “أسهمت في تعميق الأزمة الاقتصادية التي يعانيها اللاجئون الفلسطينيون في لبنان”، مشيرًا إلى أن “غالبية اللاجئين يعيشون أساسًا تحت خط الفقر ويعتمدون بدرجة كبيرة على المساعدات الإنسانية”.
وأوضح السيدة في تصريح خاص لـ”قدس برس” أن “تعطل الحركة الاقتصادية وإغلاق العديد من المرافق والخدمات نتيجة القصف أدى إلى ارتفاع معدلات البطالة وتفاقم انعدام الأمن الغذائي داخل المخيمات، ما زاد من هشاشة الأوضاع المعيشية للاجئين”.
ووفق المعطيات التي أوردها، فقد “أسفرت الاعتداءات الأخيرة عن ارتقاء 23 فلسطينيًا، في وقت استقبلت فيه المخيمات الفلسطينية في صيدا على سبيل المثال؛ نحو 400 عائلة نازحة نتيجة التصعيد العسكري في الجنوب”.
ودعا وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “أونروا” إلى “تعزيز الاستجابة الإنسانية الطارئة داخل المخيمات الفلسطينية، لا سيما في مجالات الغذاء والرعاية الصحية والدعم النفسي، إضافة إلى إعادة تشغيل العيادات الصحية والخدمات التعليمية في أسرع وقت ممكن حيثما تسمح الظروف الأمنية”.
كما طالب بزيادة المساعدات النقدية الطارئة للأسر الأكثر تضررًا، ووضع خطط طوارئ خاصة بالمخيمات الواقعة في المناطق القريبة من العمليات العسكرية.
ووجّه نداءً إلى المنظمات الإنسانية الدولية لتكثيف تدخلاتها داخل المخيمات الفلسطينية، خصوصًا في مجالات الأمن الغذائي والرعاية الصحية والدعم النفسي والاجتماعي، وتعزيز التنسيق مع اللجان الشعبية والمؤسسات المحلية لضمان وصول المساعدات إلى الفئات الأكثر هشاشة.
اللاجئون ضمن دائرة الاستهداف
من جهته، قال الناشط الشبابي وعضو “الحراك الشبابي الفلسطيني المستقل” من مخيم عين الحلوة للاجئين الفلسطينيين في مدينة صيدا جنوب لبنان، محمد حسون، إن “اللاجئين الفلسطينيين في لبنان يشعرون بأنهم ضمن دائرة الاستهداف في هذه الحرب”. معتبرًا أن “ذلك يرتبط بمحاولات مستمرة لإنهاء ملف اللاجئين وطمس حق العودة”.
وأوضح حسون أن تكرار الغارات على مناطق قريبة من المخيمات أو محيطها يؤكد أن “البيئة الفلسطينية ليست مستبعدة من دائرة الضغط”.
وأضاف أن “مخيم عين الحلوة يمتلك خصوصية فلسطينية وسياسية، لكونه أكبر المخيمات الفلسطينية في لبنان وأحد أبرز مراكز الثقل في الشتات الفلسطيني، حتى بات يُنظر إليه باعتباره عاصمة الشتات الفلسطيني”.
وأشار حسون إلى أن الإحتلال يدرك أن “أي توسع للحرب في لبنان، أو أي توغل بري واسع، قد يؤدي إلى انخراط مجتمع اللاجئين الفلسطينيين في المواجهة”، موضحًا أن “مجتمع اللاجئين مجتمع مقاوم بطبيعته، ومعه مختلف الفصائل الفلسطينية الوطنية والإسلامية”.
وعلى الصعيد الإنساني، أكد حسون أن “الأوضاع المعيشية داخل المخيمات كانت صعبة أصلًا قبل اندلاع الحرب، لكنها تفاقمت بشكل كبير بعدها، خاصة مع استقبال العديد من العائلات لعائلات نازحة من الأقارب والمعارف وتقاسمها الموارد المحدودة”.
حملة إعلامية لمواجهة التضليل والفتن
بدوره، شدّد الإعلامي الفلسطيني، أحمد ليلى، على خطورة الدور الذي تمارسه الرواية “الإسرائيلية” في هذه المرحلة، معتبرًا أن “رفع منسوب الاغتيالات واستهداف شخصيات وعائلات فلسطينية، معظمها لا يرتبط بأي نشاط عسكري أو أمني، يندرج أيضًا في إطار حرب إعلامية ونفسية موازية تسعى إلى خلق حالة قلق داخل أوساط اللاجئين الفلسطينيين في لبنان”.
وأوضح ليلى في تصريح خاص لـ”قدس برس” أن “الاحتلال لا يكتفي بالاستهداف الميداني، بل يعمل بالتوازي على توظيف هذه العمليات في محاولة لتوجيه الرأي العام اللبناني ضد الوجود الفلسطيني والتنظيمات الفلسطينية، وبث الفتنة داخل المجتمع اللبناني في ظل حرب لم تحقق أهدافها حتى الآن”.
وأكد أن “هذه المرحلة تفرض على الإعلام الفلسطيني والمنصات الإعلامية والناشطين مسؤولية مضاعفة في مواجهة الرواية الإسرائيلية، من خلال تفنيد الادعاءات والرد على ما وصفه بالافتراءات بحق الفلسطينيين، وإبراز حقيقة ما يجري بعيدًا عن حملات التضليل والتحريض”.
ودعا ليلى إلى “إطلاق حملة إعلامية توعوية مضادة، تركز على تعزيز الوعي ومواجهة الخطاب التحريضي، إلى جانب إبراز عمق العلاقة التاريخية والأخوية بين اللبنانيين والفلسطينيين”.
وفي ظل استمرار التصعيد العسكري في لبنان، يجد اللاجئون الفلسطينيون أنفسهم أمام واقع مزدوج يجمع بين خطر الاستهداف الأمني وتفاقم الأزمات المعيشية داخل المخيمات، ما يعيد إلى الواجهة هشاشة أوضاعهم في بلد اللجوء، ويطرح تساؤلات متجددة حول مستقبلهم في ظل الحروب المتكررة في المنطقة.
وتُعد مدينة صيدا إحدى أبرز مراكز الوجود الفلسطيني في لبنان، إذ تحتضن مخيم عين الحلوة الذي يُعد أكبر المخيمات الفلسطينية في البلاد، ويضم عشرات الآلاف من اللاجئين الذين هُجّروا من فلسطين منذ النكبة الفلسطينية.