عصام الحلبي
سيبقى الشهداء والجرحى والأسرى نجوماً ساطعة في سماء فلسطين، وعنواناً دائماً للتضحية والكرامة الوطنية. غير أن هذه الصورة المضيئة تخفي خلفها واقعاً إنسانياً بالغ القسوة، تعيشه يومياً عائلاتهم التي تواجه أعباء الحياة في ظل ظروف اقتصادية خانقة وتعقيدات سياسية متراكمة.
فعائلات الشهداء، التي فقدت المعيل والسند، تجد نفسها أمام مسؤوليات مضاعفة، من تأمين الاحتياجات الأساسية إلى متابعة تعليم الأبناء وتوفير العلاج. أما الجرحى، فكثير منهم يعيش بإصابات دائمة تتطلب رعاية طبية مستمرة، في وقت تتآكل فيه قدرتهم على تأمين الحد الأدنى من متطلبات الحياة. وفي المقابل، تعيش عائلات الأسرى تحت ضغط نفسي ومعيشي مركّب، يجمع بين القلق على مصير أبنائها، وضيق الحال نتيجة انقطاع أو تأخر المخصصات المالية.
وتتفاقم هذه المعاناة مع استمرار تأخر صرف الرواتب والمستحقات التي تشكل شريان الحياة الوحيد لهذه الأسر. فكل يوم تأخير ينعكس مباشرة على موائدهم، على دوائهم، وعلى قدرة أبنائهم في الاستمرار بحياة طبيعية. ومع تكرار هذه الأزمة، لم يعد الأمر مجرد تأخير إداري، بل تحوّل إلى معاناة يومية تمسّ كرامة الإنسان الفلسطيني في أكثر تفاصيل حياته حساسية.
وفي خلفية هذا المشهد، تبرز حقيقة الضغوط السياسية والاقتصادية التي تتعرض لها السلطة الفلسطينية، حيث يواصل الاحتلال الإسرائيلي سياساته في احتجاز أموال المقاصة وقرصنة المستحقات المالية إلى جانب الضغوط التي تمارسها الإدارة الأمريكية، بما يحدّ من قدرة السلطة على الإيفاء بالتزاماتها المالية تجاه هذه الفئات التي قدمت الكثير للقضية.
ورغم قسوة هذا الواقع فإن أسر الشهداء والجرحى والأسرى تُظهر وعياً وطنياً عالياً، إذ تدرك طبيعة المرحلة وتعقيداتها، وتتفهم حجم الضغوط المفروضة على القيادة الفلسطينية. وبرغم الألم والحاجة، فإنها لا تزال تجدد موقفها الثابت بالوقوف خلف رئيس دولة فلسطين محمود عباس، وخلف القيادة الفلسطينية، إيماناً منها بوحدة القرار الوطني وضرورة الحفاظ على الاستقرار في مواجهة التحديات.
كما تؤكد هذه الأسر تمسكها بمنظمة التحرير الفلسطينية، باعتبارها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، والمرجعية الوطنية الجامعة التي يجب أن تبقى فوق كل الأزمات مهما اشتدت الضغوط وتعاظمت التحديات.
غير أن هذا التفهم على أهميته، لا يلغي حجم المعاناة، ولا يخفف من وطأة الأعباء اليومية التي تثقل كاهل هذه العائلات. فالصبر له حدود والكرامة الإنسانية تتطلب الحد الأدنى من مقومات الحياة.
من هنا، ترتفع مناشدة صادقة ومسؤولة إلى الرئيس محمود عباس والقيادة الفلسطينية، بضرورة التحرك العاجل لإيجاد حلول عملية وسريعة، سواء عبر إعادة ترتيب الأولويات المالية، أو البحث عن مصادر دعم بديلة، أو تفعيل شبكات الأمان العربية والدولية، بما يضمن انتظام صرف المستحقات وتأمين حياة كريمة لهذه الأسر.
إن الوفاء الحقيقي لتضحيات الشهداء والجرحى والأسرى لا يكون بالكلمات وحدها، بل بخطوات ملموسة تعيد الطمأنينة إلى عائلاتهم، وتصون كرامتهم، وتؤكد أن من ضحّى لأجل الوطن، لن يُترك وحيداً في مواجهة قسوة الحياة.