دعاء سويدان
«وقال: ليس الأمل مادَّةً ولا فكرة. إنه موهبة» (موهبة الأمل، محمود درويش)
جمّة هي الأسئلة المعذِّبة التي سكنتنا طيلة ما يَقرب من عامَين ونيّف، لكن واحدًا من أكثرها تأريقًا كان ولا يزال سؤالَ «الأمل»؛ هذا الشيء المراوغ الذي نعرفه ولا نقبض عليه. على أننا في ذلك لسنا ملومين، ففي أزمنة البلاءات العظيمة والنكبات المستعصية، يضحي الأمل مصدر إيلام نفسي وعقلي، يكاد ينطبق عليه توصيف نيتشه إيّاه، في معرض تحليله «أسطورة باندورا»، بأنه «أسوأ الشرور لأنه يطيل عذاب الإنسان». وحتى «الأمل الديني»، الذي يصنَّف كواحدة من الفضائل الرئيسة لدى المؤمنين، لا يَبعد أن ينوص في تلك الأزمنة نفسها، وصولًا ربّما إلى الانطفاء الكامل الذي يحمل المتديّن على «الشكّ في النهايات العادلة السعيدة»، بل ولوم الله مثلما فعلت مريمة، بطلة رواية «ثلاثية غرناطة»، عندما قالت: «لماذا؟ قل لي لماذا؟ لماذا تمنح خصومنا فرحة الزهو بالانتصار، وتُعلي مجدهم على أطلالنا؟ هل هجرْتَني؟ هل هجرْتَنا؟».
لكن من قال إن الركون إلى الأمل «أسوأ» من الاستسلام للخوف واليأس؟ أو إن التمسّك به كفيل حتمًا بإغراق صاحبه في الأوهام؟ أو إن المشنّعين عليه دومًا ليسوا هم المضلَّلين بتطنيشهم حقيقة أن العالم يُخلق ويتجدّد كلّ يوم؟ لقد ساد، منذ تصاعد حرب الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزة ومن ثمّ توسّعها، مزاجٌ عامّ يمجّد الإذعان للقوّة، ويقنّط من إمكانية حدوث أيّ تغيير، ويجترح «حتميّات تاريخية» جديدة عنوانها الارتضاء بكلّ ما يفرضه علينا حاملو لواء «المُهمّات الحضارية»، والتسليم بنتائج الاختلال «الديستوبي» في موازين القوى مع هؤلاء، ومن ثمّ الانحناء للدخول أفواجًا – كأصلانيين خاملين – في «تصوّر اشتمالي جديد للتاريخ». لا بل إن البعض لم يجدوا بدًّا من إعادة نبش التراث الاستشراقي، والتزوّد منه بكلّ ما يفضي إلى وجود علّة «جوهرانية» تعتري تصوّراتنا ونظرتنا إلى أنفسنا وإلى الكون، تجعلنا أسرى ما يسميّها حازم صاغية «بيوتًا أيديولوجية مهجورة»، وتمنعنا بالتالي من رؤية الأصلح لنا في هذا العالم المعاصر، الذي لا يأسف لـ«تبخّر الأيديولوجيات النضالية».
وبمعزل عن ما يُظهره صاغية ومماثلوه من هوس باستلهام «وصف مصر» الذي سُوّغت من خلاله بداية الحملة النابوليونية على المشرق، أو ما يلحّ عليه منظّرو «العطب» المتأصّل في العقل العربي والإسلامي، مغفلين حقيقة أن الحداثة لم تغزُ العالم بـ«أفكار التنوير»، إنما بالعنف المبرَّر بأن «غير الأنا» هم «مجرّد أشياء ومواد أولية تحتاج إلى التطوير والإتمام»، فإن القاسم المشترك في ما بين ممثّلي ذلك المعسكر، هو التصفيق لسيف الإبادة الأميركي – الإسرائيلي، والدعوة إلى التقدّم تحت ظلاله طوعًا، ووضع الرؤوس بطيب خاطرعلى مذبح الغزاة الجدد.
على أن أولئك، الذين يعيشون جُهّالاً ويموتون ضُلّالاً – ولو بلغ بهم العلم مبلغًا – يغفلون عن أن «الغول» الذي بات الخوف قرينه الدائم، لن يأمن «شرّهم» المحتمل، ولن يطمئنّ إلى «سِلمهم» المعروض. لا بل إن إسرائيل هذه، التي ما فتئوا يدلّلون على بضاعتهم على أسماعها، تكاد لا تُلقي بالاً لهم، مغتنمةً كلّ فرصة لتثبت للجميع أن «حدودها» أشبه ما تكون بـ«جلد الإبل، الذي يتقلّص وفقاً لجوع الحيوان أو شهيّته»، بحسب ما وصفها به يوماً أحد المفكرين الصهاينة.
وفي الأصل، وبعيدًا ممّا يراد تصديره كقواعد عقلائية ومنطقية في وجه مَن يُرمون بأنهم «يعيشون حالة إنكار» في صراعهم مع إسرائيل وداعميها، فإن «أحرص الناس» على «حياة»، أيّةِ حياة، يعبدونها أيّما تعبّد ويؤثرونها أيّما إيثار، يَبدون قاصرين عن فهم نظرائهم الذين لا يرون الحياة «لعبة ذات قواعد تعسّفية واعتباطية»، بل ولا يجدونها إلّا في ما يسميّها ناصيف نصّار «مغامرة التأنسن العظيم»، التي ما فتئت تَحفزهم على رفض «مبدأ الاستسلام للقوة الغاشمة مهما تعاظمت وتجبّرت، ولإغراءات العصر مهما كثرت وتنوّعت». ومن هنا، فإن «منتهى المعنى» بالنسبة إلى هؤلاء، هو «أن نحيا»، إنما أن «أن نحيا كما نريد»، كما تريد «الروح الخلّاقة» وليس «روح الجبروت»، وأن نكافح من أجل هذا المصير، مهما عظُمت الأنواء واشتدّ الطاغوت.
أمّا من أين يأتينا الأمل في كلّ ذلك؟ فهو بالتحديد من المكان نفسه الذي يُراد من خلاله إغراقنا في «طاقة اليأس»؛ والمقصود هنا أن أعداءنا يجهدون في خلْق واقع «أبوكاليبسي» في وجهنا، ويخوضون معنا «صراعًا فائق التكنولوجيا»، ويلعبون «خارج التاريخ»، ويقامرون بالحياة والموت إلى ما لا نهاية. فإن كنّا نساوَم على حياتنا ووجودنا نفسَيهما وليس على أيّ شيء آخر، فإن هذا ممّا يدفعنا إلى اجتراح «الدراما الخاصة» بنا، والتي نبدو فيها محتشدين في «فضاء معلّق بين السماء والأرض»، حيث نصرخ بكامل طاقتنا: «لن نخضع بعد اليوم»، وفق ما صوّر به ميشال فوكو – في معرض تحليله ديناميات الثورة الإسلامية الإيرانية – تلك اللحظة التي «تصير فيها الحياة غير قابلة للمبادلة، وتعجز الحكومات عن التصرف». صحيحٌ أن أساليب الإبادة والاجتثاث والعقاب الجماعي التي مارستها أميركا وإسرائيل منذ السابع من أكتوبر، جعلت ضحاياهما يتطلّعون إلى خلاص قريب كلمح البصر أو هو أقرب، لكن الصحيح أيضاً أن كلّ ما جرى لنا وعلينا على مرّ سنتَين لم يكن ليُطوى طيّ السجلّ للكتب، أو ليجعل منّا خرافًا عاجزة عن الصراخ أو متردّدة فيه إرضاءً للبُكم فحسب. ولسنا في ذلك بدعًا، بل شأننا شأن شعوب كثيرة عايشت حقب تراجع الإمبراطوريات ومستعمراتها، والتي تمسي فيها الأخيرة أشدّ توحّشاً مما تكون عليه في أي وقت – كمَن يشعر أن الطبيعة بذاتها تعاكسه في حين يحاول هو تعطيلها -، وتجعل بالتالي عذابات المستهدَفين بها أطول وأعمق وأكثر تسعيراً للرغبة في الثأر.
وإذا كانت الحال كذلك، يغدو خاطئاً الاعتقاد بأن فقدان تلك الجماعات لكلّ قادتها ورموزها سيُفقدها بالضرورة بوصلتها؛ لا بل إن هذه الرموز ستضحي «نقطة ارتكاز للإرادة الجماعية»، التي ترفض اتخاذ «العِجل» الإسرائيلي – الأميركي مِن بَعد مَن حملوا مشاعلها، وتصرّ على إعلاء كلمتها التي دفعت ثمنها دمًا وحجرًا وقمحًا وبقيّة رَوْح. لقد اعتقدت أميركا وإسرائيل أن التخلّص من شخصيات ذات طابع أسطوري أو استثنائي من مثل حسن نصر الله وعلي خامنئي كفيل بإطفاء جذوة تجارب «التمرّد» التي تقودها، لكن الجهاز الثقافي والترسانة التصوّرية الملازمة لهذا الحلف الاستعماري لا تزال عاجزة عن استيعاب موقع «الشهادة» في «نظام الحقيقة» الخاصّ بنا، ولا سيما في أوقات المِحن الكبرى، حيث يغدو الاستشهاد جزءًا من «تجربة» لا غَرو في وصفها بـ«الروحية»، ينتفي معها توصيف ماركس للدين بأنه «أفيون الشعوب»، ليضحي هذا الأخير «روح عالم بلا روح»، على حدّ تعبير ماركس نفسه.
على أن المسألة هنا، ليست مجرّد استماتة ورغبة في التضحية، بل هي مزيج من الغضب المتراكم والثأر المؤجَّل والعودة إلى الذات المطهَّرة من الفقاعات والأوهام والتعلّم من الاختبارات المريرة والاستفادة من «تراكم الضعف» بتحويله نوعيًا إلى مصدر قوّة، لن تَعدم، مرفودةً بإرادة البحث عن تجديد الحياة، فرص الوصول إلى مبتغاها. ولعلّ ما يجري في إيران ولبنان اليوم مصداق واضح على ذلك، حيث لم يَطُل الزمن بمحور المقاومة الذي كان علاه الصدأ، مفسحًا في المجال أمام أعدائه للحفر فيه وتوجيه ضربات قاصمة إلى مفاصله ورؤوسه، حتى أحيا ما مات منه على نحو مدهش، وبدأ جولة جديدة لا يبدو الأمل في غضونها مجرّد «ملذّة كاذبة»، بل هو «الأمل الجيّد» المتفرّع من الشجاعة والثقة والتفاؤل «والاعتماد على التجارب السابقة بطريقة ملائمة وإدراك الواقع الحالي بصورة ملموسة» (موسوعة ستانفورد للفلسفة).
هكذا، لم ترتضِ بقيّة هذا المحور أن تتولّى ويستبدل الله قومًا غيرها، فاتّخذت ليل ما صُوّرت على أنها هزيمة تامّة ونهائية، لا لتُخلي الساحة وترتدّ على أعقابها يائسة مدحورة، بل لتعيد تذخير بنادقها التي بها وحدها يمكن أن تنكسر لَأْمة الحملة الصهيو – صليبية المتجدّدة على المنطقة. حصل ذلك في وقت كان فيه الشحّاذون على عتبات الإمبراطورية يؤسّسون على ما خلّفته تلك الحملة من واقع ثقيل ومزعج ليسطّروا أوراق نعي جماعي للقوى المقاوِمة، ويبشّروا بـ«دين» جديد عنوانه «التعبّد» لمَن آلوا على أنفسهم أّلا «يَسقط السيف من قبضتنا» لأنه «حينئذ تُتنزع حياتنا»، وفق ما كان حاجج به موشي ديان. على أن «حكومات الكسَبة» التي تعاهدت مع ألقبيادس العصر – مع فارق الذكاء والنباهة عن ألقبيادس اليوناني -، دونالد ترامب، على تثمير حرب «التطهير» بحملات سياسية – أمنية غرضها «نزع» السيادة على الأرض من الأصلانيين، و«حصر» أدوات القوّة في يد سلطات هي على الناس مثل السبُع الضاري وعلى أعدائهم مثل الحمامة النائحة، لم تَجد، على الرغم من «دسامة» أوراقها تلك، قبولًا لدى «دولة» المذابح والإحلال، التي لم تَعُد تعرف غير العنف الأقصى طريقًا إلى تطويع جيرانها، بمن فيهم «الثوار الكتَبة» الذين ظنّوا أنهم بإعماء بصرهم عن التغوّل الإسرائيلي سيدخلون بسلام آمنين في حظيرة المرضيّ عنهم، فيما لا تفتأ إسرائيل تهينهم بنعتهم بأنهم «ذئاب في ثياب حملان»، وتتحيّن الفرص لتنقضّ على ما تبقّى لهم.
أمّا ممالك الخليج وإماراته، التي ارتدت ثوب النعامة طيلة أكثر من عامَين من حفلة القتل المفتوحة، ووقَف بعضها على يمين بنيامين نتنياهو في السعي لخنق «الخصوم» ومنع أيّة قيامة لهم، وظنّ بعضها الآخر أن سياسة اللعب على الحبال يمكن أن تظلّ مجدية حتى في خضمّ حرب «كسر العظم»، لا بل وأرادت إقناعنا بأن استراتيجية الصفقات المليارية والهدايا المليونية والتزلّف إلى «الثور البرتقالي» الهائج، كفيلة بنقلنا إلى «العالم السعيد» الذي يحلم به ترامب، فلا يني هذا الأخير يقابلها بالإعلان صراحة أن هدفه ليس التفاوض مع العدو ولا الانتصار عليه، بل تصفيته وإعدامه تمامًا؛ «إذ لا مكان لأيّ تفاوض معه، لأنه مصنَّف كوغد ومارق أو كشرّير وإرهابي ومتطرّف دينياً» على حدّ تعبير آلان جوكس – وهو ما لن يفلح في إبطاله إلّا الإصرار على مقاومة تلك البربرية -.
على أيّ حال، وأمّا وقد «وقعت الواقعة»، وقامت الحرب الكبرى التي لم يكن ثمّة محيص عنها، فقد رأى كلّ أناس ما قدّموا؛ فمن بصموا على «باطل» الإمبريالية المستحدَثة بأعين مغمضة وأصابع مسبلة، أضحوا اليوم يكتوون بنيران «السلام بالقوة» الذي رأوه بردًا على المنطقة، متذوّقين نصيبهم من البؤس العربي الذي كان انفجار الريع النفطي/ الغازي فتَح أحد أكبر أبوابه على مصراعَيها. وأمّا من قاوموا «إغراء اليأس» واستجاروا بالأمل وهيّأوا الطريق للنهوض من رماد النكسة وغنّوا منتشين بـ«نبيذ المستقبل» وطنّشوا الخرّاصين الذين يتلوّنون حيال قدّيسي الشيطان ألوانًا ويفتنّون افتنانًا، فيجترحون اليوم المعجزة التي اشتدّ عطش الناس إليها، منطلقين إلى «عتبة الجحيم» حيث يرون الخلاص، وماشين على النار التي بها وحدها سيرفع الله إصبعه ويقول للنصر كُن فيكون.