مازن كريّم
شهدت مدينة صور جنوب لبنان، مساء أمس، تصعيدًا خطيرًا تمثّل في توجيه إنذارات إخلاء شملت المخيمات والتجمعات الفلسطينية في المدينة ومحيطها، ما أثار حالة من الذعر والقلق في صفوف آلاف اللاجئين.
وتأتي هذه التطورات في ظل استمرار الحرب الإسرائيلية على لبنان، واتساع رقعة الاستهداف لتطال مناطق مدنية مكتظة، من بينها أماكن سكن اللاجئين الفلسطينيين، الذين يعيشون أصلًا أوضاعًا إنسانية واقتصادية صعبة.
وأفادت مصادر محلية لـ”قدس برس” بأن إنذارات الإخلاء دفعت العديد من العائلات الفلسطينية إلى مغادرة منازلها بشكل عاجل، وسط مخاوف من استهداف مباشر للمخيمات، في وقت تعاني فيه هذه المناطق من اكتظاظ سكاني وبنية تحتية محدودة.
وفي هذا الإطار، حذّر الخبير في القانون الدولي وحقوق الإنسان، مدير المؤسسة الفلسطينية لحقوق الإنسان “شاهد”، محمود الحنفي، من خطورة هذه الإجراءات، معتبرًا أنها تندرج في إطار الانتهاكات الجسيمة لقواعد القانون الدولي الإنساني.
وأوضح الحنفي لـ”قدس برس” أن “فرض الإخلاء على مخيمات مكتظة باللاجئين المدنيين، دون توفير ممرات آمنة وضمانات حقيقية للحماية، يُعد خرقًا واضحًا لمبدأ التمييز الذي يُلزم أطراف النزاع بعدم استهداف المدنيين أو تعريضهم للخطر”، مشيرًا إلى أن “هذه التهديدات تضع آلاف العائلات أمام خطر النزوح القسري”.
وأضاف أن “القانون الدولي، وخصوصًا مبدأ التناسب، يحظر اتخاذ إجراءات أو تنفيذ عمليات عسكرية قد تؤدي إلى أضرار جسيمة بحق المدنيين، بما في ذلك دفعهم إلى النزوح الجماعي تحت الضغط أو التهديد”، مؤكدًا أن استخدام الإخلاء كأداة في سياق العمليات العسكرية يثير شبهات جدية بارتكاب انتهاكات جسيمة.
وأشار إلى أن “اللاجئين الفلسطينيين في لبنان يتمتعون بحماية قانونية مزدوجة، بوصفهم مدنيين ولاجئين في آنٍ معًا، إلى جانب خضوعهم لولاية وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، ما يضاعف من مسؤولية المجتمع الدولي في حمايتهم”.
كما لفت إلى أن “اتفاقية جنيف الرابعة تحظر بشكل صريح التهجير القسري والعقاب الجماعي، وتؤكد على ضرورة حماية السكان المدنيين، بما في ذلك القاطنون في المخيمات، من أي إجراءات تعرّض حياتهم أو استقرارهم للخطر”.
وختم الحنفي بالتأكيد على أن “أي استهداف للمخيمات أو دفع سكانها إلى النزوح تحت التهديد قد يرقى إلى جريمة حرب، في حال ثبت تعمّد إلحاق الأذى بالمدنيين أو تجاهل القواعد الأساسية للقانون الدولي، ما يفتح الباب أمام المساءلة الدولية”.
بدوره، قال الناشط إيهاب حمود، إن مشهد الإخلاء “يعكس واقعًا إنسانيًا معقدًا تتداخل فيه قسوة الحرب مع ضيق الخيارات”، مشيرًا إلى أن “آلاف العائلات تجد نفسها أمام خيارات شبه معدومة”.
وأوضح حمود لـ”قدس برس” أن النزوح “لم يكن قرارًا سهلًا أو متاحًا للجميع”، لافتًا إلى أن “مئات العائلات الفلسطينية تعيش أصلًا تحت خط الفقر، وتعتمد على أعمال يومية بالكاد تؤمّن قوتها، ما يجعلها غير قادرة على تحمّل تكاليف الانتقال أو استئجار مساكن خارج المخيمات”.
وأضاف أن “هذا الواقع دفع شريحة واسعة من اللاجئين إلى البقاء داخل المخيمات رغم المخاطر، باعتباره الخيار الوحيد المتاح، في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة خارجها وغياب البدائل السكنية الآمنة”.
وأشار إلى أن “بعض العائلات تمكنت من النزوح، خاصة تلك التي تمتلك روابط عائلية خارج المخيمات أو قدرة مالية محدودة، إلا أن هذه الحالات تبقى استثناءً لا يعكس واقع الغالبية الساحقة”.
وبيّن أن “آلاف العائلات ما تزال داخل المخيمات، مدفوعة بعدة عوامل، أبرزها العجز المالي الكامل، وغياب البدائل، والخوف من فقدان المأوى والممتلكات، إضافة إلى التمسك بالمخيم كمساحة للهوية والانتماء رغم قسوة الظروف”.
وفي سياق متصل، لفت إلى تراجع دور وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) منذ بدء الحرب، مشيرًا إلى شكاوى متزايدة من غياب الخدمات الإغاثية والصحية في وقت تشتد فيه الحاجة إليها، ما زاد من معاناة السكان وتركهم يواجهون مصيرهم بإمكانات محدودة.
وحذّر من أن “تداعيات هذا الواقع لا تقتصر على اللحظة الراهنة، بل تمتد إلى المستقبل، مع احتمالات تفاقم الفقر وارتفاع معدلات البطالة وتدهور الوضع الصحي، خاصة بين الأطفال وكبار السن، إلى جانب تصاعد الضغوط النفسية والاجتماعية داخل المخيمات”.
وختم بالقول إنّ “ما يجري في المخيمات الجنوبية اليوم يعكس صورة قاسية لمعاناة إنسانية مركبة، حيث لا تقتصر الأزمة على الحرب بحد ذاتها، بل تتفاقم بسبب غياب الحلول وضيق الخيارات وتراجع الدعم، ما يترك آلاف العائلات عالقة بين خطر النزوح واستحالة البقاء”.
وفي شهادة تعبّر عن واقع الحال داخل المخيمات، قال أحد اللاجئين الفلسطينيين في حديث لـ”مراسل قدس برس” إن “اللاجئ الذي حمل وجع التهجير منذ النكبة الفلسطينية، يجد نفسه اليوم أمام مشهد يتكرر بصيغة مختلفة؛ نزوح داخل النزوح، وخوف داخل مساحة يُفترض أنها ملاذ”.
وأضاف أن “بعض العائلات اضطرت إلى المغادرة على عجل، تحمل ما تيسّر من أمتعة، وتترك خلفها ذاكرة المكان، فيما فضّلت عائلات أخرى البقاء، ليس خيارًا، بل لأن الخيارات معدومة، ولأن النزوح يحتاج إمكانيات لا نملكها”.
وتابع: “نعيش بين القصف والقلق، نتقاسم تفاصيل حياة قاسية؛ لقمة محدودة، مساحة ضيقة، وانتظار طويل لما قد تحمله الساعات القادمة”، في إشارة إلى حالة الترقب الدائم التي تسيطر على السكان.
وأشار إلى أن “ما يزيد من قسوة المشهد هو الشعور المتكرر بفقدان الاستقرار، حيث يتحول المخيم، الذي كان يُفترض أن يكون ملاذًا، إلى مساحة مهددة، ما يعمّق الإحساس بعدم الأمان ويجعل الحياة اليومية محكومة بالخوف واللايقين”.
وختم بالقول إن “أصعب ما في الأمر ليس القصف فقط، بل الإحساس بأنك عالق بين خيارين قاسيين: أن ترحل ولا تعرف إلى أين، أو تبقى وتنتظر ما قد يحدث”، في صورة تختصر معاناة آلاف اللاجئين الفلسطينيين في ظل الحرب.
هذا ويُخشى أن يؤدي هذا التصعيد إلى موجة نزوح جديدة داخل لبنان، في ظل محدوديّة الخيارات أمام اللاجئين الفلسطينيين، الذين يفتقرون إلى أماكن آمنة بديلة، ويواجهون قيودًا قانونية ومعيشية تعقّد حركتهم.
وتُعد المخيمات الفلسطينية في صور، مثل مخيم الرشيدية ومخيم البص ومخيم برج الشمالي، من أكبر التجمعات الفلسطينية في جنوب لبنان، حيث تضم آلاف اللاجئين الذين نزحوا منذ عقود.
ويرى مراقبون أن إدراج هذه المخيمات ضمن إنذارات الإخلاء يعكس توسيعًا في نطاق الضغط العسكري، ليشمل بيئات مدنية ذات حساسية خاصة، بما يطرح تساؤلات حول طبيعة الأهداف الكامنة وراء هذه الخطوة.