داخل أقسام طبية أنهكها الحصار والحرب في مستشفيات قطاع غزة، يجلس عشرات مرضى الثلاسيميا بوجوه شاحبة وأجساد أنهكها المرض وسوء التغذية وتأخر العلاج، بانتظار وحدات دم قد لا تصل في موعدها، في مشهد يلخص واحدة من أكثر الأزمات الصحية تعقيداً في القطاع المحاصر.
ومع حلول اليوم العالمي لمرضى الثلاسيميا، تحولت المناسبة التي يفترض أن تكون مساحة للتوعية والدعم إلى صرخة استغاثة جديدة، يطلقها مئات المرضى وعائلاتهم، في ظل انهيار أجزاء واسعة من المنظومة الصحية، واستمرار الحرب والحصار، وفقدان الأدوية والمستلزمات الطبية الأساسية.
وبات مرضى الثلاسيميا في غزة لا يواجهون مرضاً وراثياً مزمناً فحسب، بل معركة يومية مفتوحة مع نقص الدم، وانعدام الأدوية، وتعطل الفحوصات الطبية، وسط مخاوف متزايدة من ارتفاع أعداد الوفيات الصامتة بين المرضى، ولا سيما الأطفال.
أكياس الدم تتحكم بمصير المرضى
في أحد الممرات المكتظة داخل المستشفى، ينتظر الطفل يزن المصري دوره للحصول على وحدة دم جديدة، بعدما أصبحت رحلة العلاج محفوفة بالمخاطر أكثر من أي وقت مضى.
وتقول مها أبو شويخ (18 عاماً)، وهي إحدى مريضات الثلاسيميا: “حياتنا أصبحت مرتبطة بموعد كيس الدم، وكل تأخير يعني مزيداً من التعب والدوار وربما انهيار أجسادنا المنهكة”.
وتضيف بصوت خافت: “ننتظر الدم كما ينتظر الناس النجاة، لكننا كثيراً ما نعود من المستشفى دون علاج”.
وتوضح أن المرضى كانوا قبل الحرب يحصلون على جلسات نقل الدم بصورة منتظمة، إلى جانب أدوية طرد الحديد والفحوصات الدورية، إلا أن الحرب قلبت واقعهم بالكامل، بعد تراجع قدرة المستشفيات على تقديم الحد الأدنى من الخدمات العلاجية.
وباتت أكياس الدم، وما تحتاجه من مستهلكات وأدوات طبية بسيطة، تتحكم فعلياً بمصير مئات المرضى الذين يعتمدون على نقل الدم الدوري للبقاء على قيد الحياة، في ظل النقص الحاد بالإمدادات الطبية والضغط الهائل على المستشفيات.
“نقل دم خام”.. حين يتحول العلاج إلى خطر
ولا تتوقف الأزمة عند نقص وحدات الدم، بل تمتد إلى فقدان الفلاتر الطبية الخاصة بتنقية الدم أثناء عمليات النقل، وهي أدوات أساسية تقلل من المضاعفات الناتجة عن نقل الدم المتكرر.
ويؤكد مدير وحدة الثلاسيميا، الدكتور محمد الحداد، أن الطواقم الطبية أصبحت مضطرة لنقل الدم من دون استخدام الفلاتر الوريدية بسبب نفادها الكامل.
ويقول: “بسبب الحصار فقدت هذه الفلاتر تماماً، وأصبح الأطباء مضطرين إلى نقل الدم بصورة خام، ما يعرّض المرضى لأعراض قاسية قد تهدد حياتهم فوراً”.
ويشير أطباء إلى أن غياب الفلاتر يرفع احتمالات الإصابة بمضاعفات صحية خطيرة، تشمل الحمى والتفاعلات المناعية وضيق التنفس والالتهابات الحادة، في وقت لم تعد فيه المستشفيات قادرة على توفير الرعاية الكاملة أو المتابعة المنتظمة للمرضى.
“أجساد تصدأ من الداخل”
إلى جانب أزمة نقل الدم، يواجه المرضى نقصاً حاداً في أدوية طرد الحديد، التي تشكل جزءاً أساسياً من بروتوكول علاج الثلاسيميا.
ويشرح الطبيب فؤاد نجم أن مرضى الثلاسيميا الذين يعتمدون على نقل الدم الدوري تتراكم في أجسادهم كميات كبيرة من الحديد، بينما لا يمتلك الجسم وسيلة طبيعية للتخلص منه دون الأدوية المخصصة لذلك.
ويقول: “مريض الثلاسيميا في غزة يعيش بجسد يصدأ من الداخل”.
ويضيف: “من دون أدوية طرد الحديد يترسب الحديد في عضلة القلب مسبباً هبوطاً مفاجئاً، وفي الكبد مسبباً التليف، كما يضرب الغدد الصماء ويسبب السكري وفشل النمو”.
ووفق بيانات وزارة الصحة في غزة، بلغت نسبة العجز في أدوية طرد الحديد التخصصية 100 بالمئة، فيما تعجز غالبية العائلات عن شراء أي كميات محدودة متوفرة في الأسواق بسبب أسعارها المرتفعة، علماً أن المريض يحتاج إلى جرعات يومية مدى الحياة.
“مثلث أزمة” يهدد حياة المرضى
ويصف الطبيب نجم واقع مرضى الثلاسيميا في غزة بأنه “مثلث أزمة” متكامل يهدد حياتهم يومياً.
ويتمثل الضلع الأول، بحسب نجم، في النقص الحاد بوحدات الدم نتيجة الضغط الهائل على المستشفيات مع تدفق أعداد كبيرة من الجرحى والمصابين، ما يدفع الطواقم الطبية إلى إعطاء الأولوية للحالات الطارئة وتأجيل مرضى الثلاسيميا باعتبارهم “حالات مستقرة نسبياً”.
ويقول: “هذا التأجيل قد يمتد لأسابيع، وخلالها يهبط الهيموغلوبين إلى مستويات خطيرة قد تؤدي إلى فشل في وظائف القلب”.
أما الضلع الثاني، فهو غياب الفلاتر الوريدية اللازمة لتنقية الدم من كريات الدم البيضاء والشوائب، بينما يتمثل الضلع الثالث في استمرار نقل الدم من دون أدوية طرد الحديد. ويضيف: “المعادلة الطبية الطبيعية هي: نقل دم + دواء طارد للحديد = حياة مستقرة، أما المعادلة الحالية في غزة فهي نقل دم بلا دواء طارد، ما يعني تراكم الحديد في القلب والكبد بصورة قاتلة”.
الأطفال في دائرة الخطر
وتقول أم محمد أبو عودة، وهي والدة طفل مصاب بالثلاسيميا، إن رحلة العلاج تحولت إلى كابوس يومي للعائلات.
وتضيف: “كل مرة نذهب فيها إلى المستشفى نخشى ألا تتوفر وحدة دم، أو أن يعود الطفل بحالة أسوأ بسبب نقص العلاج”.
وتتابع: “أطفالنا لا يحتملون هذا الوضع، هم بحاجة لعلاج مستمر وآمن، لكن كل شيء أصبح ناقصاً”.
ويحذر أطباء من أن الأطفال هم الفئة الأكثر عرضة للخطر، في ظل ضعف المناعة وسوء التغذية واستمرار الظروف الإنسانية الكارثية التي يعيشها القطاع.
مؤشرات صحية “صفرية”
وفي سياق متصل، حذرت وزارة الصحة في غزة من تفاقم الأزمة الدوائية والمخبرية داخل المستشفيات، معلنة نفاد 47 بالمئة من الأدوية الأساسية، و59 بالمئة من المستهلكات الطبية، فيما أصبحت أرصدة 87 بالمئة من مواد الفحص المخبري “صفراً”.
وأكدت الوزارة أن خدمات علاج أمراض الدم، ومن بينها الثلاسيميا، تُعد من أكثر القطاعات الصحية تضرراً جراء النقص الحاد في الأدوية والمستلزمات الطبية، إلى جانب تراجع الخدمات المخبرية اللازمة لمتابعة المرضى وتشخيص المضاعفات الصحية.
كما حذرت من نقص مواد الفحص الخاصة بتحليل الدم الشامل (CBC)، وفحوص الكيمياء السريرية وغازات الدم، وهي فحوص أساسية يعتمد عليها مرضى الثلاسيميا لمراقبة حالتهم الصحية بصورة مستمرة.
استغاثة لإنقاذ المرضى
ومع اتساع الأزمة، تتواصل مناشدات الأطباء والمؤسسات الصحية وعائلات المرضى للجهات الدولية والإنسانية من أجل التدخل العاجل لإنقاذ مرضى الثلاسيميا في غزة.
ويؤكد أطباء أن الأولويات العاجلة تتمثل في توفير وحدات دم آمنة، وأدوية طرد الحديد، والفلاتر الطبية، وضمان إدخال المستلزمات العلاجية والمخبرية بصورة مستمرة.
وفي وقت تتراجع فيه فرص العلاج وتزداد معاناة المرضى يوماً بعد يوم، تبدو معركة مرضى الثلاسيميا في غزة أبعد من مجرد التعايش مع مرض مزمن، لتتحول إلى مواجهة يومية مع الموت البطيء، وسط انهيار صحي وإنساني يتفاقم مع استمرار الحرب والحصار.