آخر الأخبار

من أخلاق التضحية إلى أنطولوجيا النصر الموعود: كربلاء والغيبة بوصفهما قطبا الثوريّة الإمامية

HD9nXmDaMAAhtdV

نواف الموسوي

يجري كثيراً اختزال الوجدان الثوري الشيعي الإمامي في صورة كربلاء وحدها: الإمام الحسين عليه السلام، الموقف الأخير، الشهادة، رفض البيعة للظلم، والقدرة على تحويل الهزيمة العسكرية إلى انتصار أخلاقي ورمزي دائم. هذا الاختزال صحيح جزئياً وخاطئ بنيوياً في الوقت نفسه. صحيح لأنه لا يمكن تصوّر المخيال السياسي والروحي الشيعي من دون كربلاء؛ وخاطئ لأنه يحوّل الثورية الشيعية إلى ما يشبه أخلاقاً مأساوية خالصة، أو إرادة إفناء للذات، أو عبادة للهزيمة النبيلة، بينما البناء الإمامي الأعمق لا يقوم على الشهادة بوصفها نهاية التاريخ، بل على الشهادة بوصفها عبوراً نحو وعد تاريخي/ ما فوق تاريخي: قيام القائم بالحق، الإمام الثاني عشر، صاحب الزمان، الحاضر في الغيبة، والمؤسس لأفق النصر النهائي.

لذلك، فالأدق أن نقول إنّ الثورية الشيعية الاثني عشرية تقوم على ثنائية مرجعية: مرجعية الحسين بوصفه إمام التضحية القصوى، ومرجعية المهدي بوصفه إمام الوعد والنهاية المفتوحة. الأولى تمنح الفعل الثوري كثافته الأخلاقية: لا شرعية للنجاة إذا كان ثمنها الاعتراف بالظلم. والثانية تمنحه أفقه الزمني والميتافيزيقي: لا معنى للتضحية إذا لم تكن مندرجة في تاريخ لم يُغلق بعد، وفي مستقبل لا يزال يعمل داخل الحاضر.

بهذا المعنى، لا يكون الثوري الشيعي «استشهادياً نهائياً»، أي لا يتحرّك داخل منطق موت محض أو رغبة في الفناء، بل داخل منطق يرى أن التضحية قد تكون شرطاً من شروط حفظ الحق وإبقائه حياً إلى حين تحققه. كربلاء لا تنهي التاريخ، بل تمنعه من أن يستقر على باطل منتصر. والغيبة لا تعطل الفعل، بل تمنع الحاضر من أن يدعي الاكتمال. هنا تكمن الخصوصية: التاريخ ليس ما حدث وانتهى، بل ما لا يزال مفتوحاً على إمام غائب/ حاضر، وعلى وعد لم يتحقق تماماً، لكنه يمنع اليأس من التحول إلى عقيدة.

كربلاء: الشهادة بوصفها ذاكرة مقاومة لا عبادة موت

ليست كربلاء في الوعي الإمامي حدثاً تاريخياً عادياً، ولا مجرد مأساة تأسيسية. إنها نموذج لفهم العلاقة بين الحق والقوة. فالسلطة الأموية في المخيال الشيعي لا تمثل خصماً سياسياً فحسب، بل تمثّل لحظة انقلاب في معنى الجماعة والشرعية: تغلّب القوّة على العدل، وتحوّل الحكم إلى ملك، وتحوّل الطاعة إلى أداة لإسكات الضمير. أمام هذا الانقلاب لا يظهر الحسين بوصفه قائد تمرّد عابر، بل بوصفه الشاهد الذي يكشف زيف النظام كله.

لكن الشهادة هنا ليست طلباً للموت لذاته. إنها، بلغة الفلسفة الأخلاقية، فعل يكشف أن هناك قيماً لا يجوز أن تخضع لحساب الربح والخسارة المباشر. يمكن تقريب ذلك من كانط، لا بمعنى المطابقة الدينية أو التاريخية، بل بمعنى أن الفعل الأخلاقي لا يستمد قيمته فقط من نتيجته الخارجية، بل من مبدأ الواجب الذي ينهض به. الحسين في الوجدان الشيعي لا «ينجح» لأنه انتصر عسكرياً، بل لأنه منع الظلم من أن يصبح معياراً طبيعياً للحياة العامة.

وهنا تبرز أهمية الذاكرة. فالذاكرة الكربلائية ليست استعادة حزينة لماضٍ مغلق، بل جهاز أخلاقي لإنتاج اليقظة. بول ريكور يميز بين التاريخ بوصفه طلباً للحقيقة، والذاكرة بوصفها وفاءً لما لا يجوز محوه؛ وهذه الفكرة تساعد على فهم عاشوراء بوصفها ذاكرة وفاء، لا مجرد أرشيف بكائي. فالواقعة تُستعاد كي لا ينتصر القاتل مرتين: مرة في الحدث، ومرة في النسيان. وقد عرضت بعض القراءات المعاصرة لريكور هذا التمييز بين طموح التاريخ إلى الحقيقة ووظيفة الذاكرة في الوفاء للماضي.

إلا أن كربلاء وحدها، إذا عُزلت عن المهدوية، قد تُقرأ قراءة ناقصة. عندئذ تصبح الشهادة أفقاً نهائياً، ويصبح التاريخ تكراراً أبدياً للمظلومية. أمّا في البناء الإمامي، فإن كربلاء لا تعمل وحدها. إنها تحتاج إلى الغيبة كما تحتاج الغيبة إلى كربلاء. كربلاء تحفظ معيار الحق في زمن غلبة الباطل، والغيبة تحفظ أفق تحقق هذا الحق في زمن لم ينضج بعد.

الإمام الثاني عشر: الغيبة بوصفها حضوراً متعالياً لا غياباً عدمياً

في العقيدة الاثني عشرية، تمتد الإمامة من الإمام علي عليه السلام إلى الإمام الثاني عشر محمد بن الحسن المهدي، الذي يُعتقد أنه دخل في الغيبة بعد وفاة أبيه الإمام الحسن العسكري في القرن الثالث الهجري، وأنه سيظهر في آخر الزمان ليملأ الأرض قسطاً وعدلاً. وتعرض الموسوعات الأكاديمية العامة هذا الاعتقاد باعتباره عنصراً مركزياً في التشيّع الاثني عشري، حيث يُفهم الإمام الثاني عشر بوصفه الإمام المخفي أو الغائب بأمر إلهي، لا بوصفه شخصية منقطعة عن المعنى الديني للجماعة.

الغيبة، في ظاهرها، تبدو نقصاً: الإمام غير ظاهر، السلطة الشرعية الكاملة غير متحققة، العالم متروك لصراعات الظلم والقوة. لكنها في العمق ليست فراغاً بل بنية انتظار. وهنا ينبغي التمييز بين «الغياب» و«الغيبة». الغياب قد يعني الانعدام أو الانقطاع؛ أمّا الغيبة في المخيال الإمامي فتعني الاحتجاب. المحتجب ليس معدوماً. إنه حاضر بطريقة لا تخضع لشروط الظهور العادي. ولذلك يمكن القول إنّ الإمام الغائب يشتغل في الوعي الشيعي بوصفه مركزاً غير مرئي للزمن، لا بوصفه ذكرى تاريخية.

المقاومة اللبنانية لا تفهم إلا إذا رُئيت في ضوء الثنائية الحسينية-المهدوية. فالحسين يمنحها أخلاق الرفض، والمهدي يمنحها أفق الرجاء؛ الحسين يقول إنّ الحق يستحقّ التضحية، والمهدي يقول إنّ التضحية ليست عبثاً؛ الحسين يمنع الخضوع للظلم، والمهدي يمنع اليأس من العدل

هذه النقطة بالذات هي ما جعلت هنري كوربان يرى في التشيّع الإمامي فلسفة زمنية وروحية لا يمكن فهمها بأدوات التاريخانية العادية. في قراءته، ليس الإمام الغائب مجرد عنصر عقائدي ضمن سردية دينية، بل هو مفتاح لفهم زمن آخر: زمن لا يتطابق مع الزمن الكرونولوجي، ولا يختزل الحاضر إلى ما تراه السياسة اليومية. يكتب كوربان، في عرضه لفلسفة الإسلام، أن حاضر الشيعي يتحدّد بكونه زمن الغيبة، وأن «زمن» الإمام الغائب يحمل علامة مختلفة عن الزمن التاريخي العادي؛ ولا يمكن لفلسفة غير نبوية وغير إسكاتولوجية أن تستوعب هذا المعنى.

هنا تبدو الغيبة كأنها قلب الثورية الإمامية لا هامشها. فالثوري الذي يؤمن بأن الإمام الغائب هو صاحب الزمان لا يعيش في تاريخ مغلق. إنه يعيش في حاضر ناقص، حاضر ينتظر اكتماله. وهذا الانتظار ليس استسلاماً بالضرورة، بل يمكن أن يكون بنية مقاومة لاهوتية وفلسفية: ما دام الإمام لم يظهر، فلا سلطان يستطيع أن يعلن نفسه نهاية التاريخ؛ وما دام الحق لم يتحقق كاملاً، فلا انتصار للظلم يمكن أن يصبح شرعية نهائية.

كوربان: الأمل الشيعي ومستقبل يتنجز دائماً

يمثّل هنري كوربان أحد أهم من حاولوا فهم التشيع من داخله الرمزي والميتافيزيقي، لا بوصفه مجرد فرقة سياسية نشأت من نزاع على الخلافة. عمله الكبير في الإسلام الإيراني، كما تعرضه «إيرانكا»، هو ذروة مشروعه في دراسة الأبعاد الروحية والفلسفية للتشيّع الإيراني، لا سيما الإمامة، التأويل، العوالم الباطنية، والخيال الخلاق.

ما يهمّنا هنا هو أن كوربان لا يقرأ الإمام الغائب بوصفه بقايا ماضٍ. الإمام ليس أثراً تاريخياً، ولا ذكرى إمام مضى، بل هو مستقبل حاضر. إنه ما يجعل المستقبل أَمام الجماعة لا خلفها. في التاريخانية الوضعية، الماضي هو ما وقع، والحاضر هو ما نعيشه، والمستقبل هو ما لم يأتِ بعد. أمّا في التصوّر الكورباني للتشيّع، فإنّ الإمام الغائب يخلخل هذه البنية البسيطة: فالمستقبل ليس فراغاً زمنياً، بل أفق معنى؛ والماضي ليس ماضياً مغلقاً، بل يمكن أن يُستعاد تأويلياً؛ والحاضر ليس مجرد لحظة سياسية، بل زمن امتحان وانتظار.

لهذا تصبح عبارة «صاحب الزمان» شديدة الدلالة. الإمام ليس صاحب مكان فحسب، ولا زعيم جماعة بعينها فقط، بل صاحب الزمان، أي أن علاقته بالجماعة تمرّ عبر الزمن نفسه. إنه يجعل الزمن غير مكتمل. وبهذا المعنى، يمنع الوعي الشيعي من السقوط في أحد شكلين من العدميّة: عدميّة الهزيمة التي تقول إنّ الظلم انتصر وانتهى الأمر، وعدميّة الانتصار الزائف التي تقول إن أي سلطة قائمة تستطيع أن تحتكر الحق.

كوربان قريب هنا، بطريقة غير مباشرة، من فلسفات الأمل الحديثة. إرنست بلوخ، في مبدأ الأمل، جعل الرجاء طاقة أنطولوجية وسياسية مرتبطة بما لم يتحقق بعد، وبما يسميه «الوعي الاستباقي» أو «ما لم يصر بعد». في مقدمته، يربط بلوخ الأمل بالمجال الاستباقي، لا باعتباره عاطفة مضادة للخوف فقط، بل باعتباره حركة نحو إمكان لم يكتمل.

لكن الفرق أن بلوخ يفكّر بالأمل في أفق يوتوبي- تاريخي، بينما يفكّر كوربان بالأمل الشيعي في أفق إسكاتولوجي- تأويلي. كلاهما يرفض إغلاق الحاضر، لكن مصدر الانفتاح مختلف. عند بلوخ، الإنسان والعالم ينطويان على «لمّا- بعد» تاريخي. عند كوربان، الإمام الغائب هو علامة هذا «اللمّا- بعد» في صلب الروح الشيعية. إنّ المستقبل ليس وعداً اجتماعياً فحسب، بل حضور إمامي محتجب.
وهنا يمكن فهم الفكرة المركزيّة هنا: مستقبل التشيّع الثوري، وفق هذه القراءة، ليس تاريخاً مضى، وليس مجرد حنين إلى العصر الأوّل، بل هو أمامه دائماً. بل هو يتنجّز دائماً بمعنى أنه يعمل في الحاضر كقوّة تأويلية وأخلاقية. الانتظار ليس جلوساً خارج الفعل، بل رفض لأن يكون الحاضر هو الكلمة الأخيرة.

من «يا لثارات الحسين» إلى «يا لثارات القائم»: الذاكرة التي تصير وعداً

الربط بين الحسين والمهدي ليس جمعاً عاطفياً بين رمزين، بل هو بنية عميقة في المخيال الإمامي. الحسين يمثّل الحق المقتول، والمهدي يمثّل الحق العائد. الحسين يكشف جريمة التاريخ، والمهدي يمنع الجريمة من أن تكون نهاية التاريخ. بينهما يتشكّل الوعي الثوري الشيعي: ذاكرة لا تنسى، وانتظار لا ييأس.

بهذا المعنى، كربلاء ليست حدثاً منتهياً، بل مطالبة مفتوحة. هنا يمكن استدعاء والتر بنيامين، لا لمطابقة المهدوية الشيعية بالمسيحانية اليهودية أو الماركسية، بل للمقارنة الفلسفية. في أطروحاته عن مفهوم التاريخ، يتحدّث بنيامين عن «قوة مسيانية ضعيفة» مُنحت لكل جيل، قوة تجعل للماضي حقاً علينا. الماضي عنده ليس مادة أرشيفية باردة، بل نداء لم يُستوفَ بعد.

هذه الفكرة تضيء جانباً من كربلاء: الماضي الكربلائي لا يطالب بالبكاء فقط، بل يطالب بالحفظ، وبالوفاء، وبمنع الظلم من تكرار نفسه في صور جديدة. غير أن الفارق بين بنيامين والتشيّع الإمامي أنّ «القوة المسيانية» عند بنيامين ضعيفة ومفتوحة وغامضة، بينما المهدوية الإمامية تمنح الوعي أفقاً أكثر تحديداً: هناك إمام غائب، وهناك ظهور، وهناك وعد عدل. لكن هذا التحديد لا يلغي الامتحان، لأن وقت الظهور غير مملوك للبشر، ولأن الانتظار نفسه قد يكون امتحاناً للوعي والعمل.

في هذا الإطار، لا تعود الشهادة الحسينية نهاية، بل تتحوّل إلى ذاكرة موجِّهة داخل أفق مهدوي. فالثوري الشيعي لا يرى نفسه خارج التاريخ، ولا يرى نفسه مجرد ضحية. إنه يرى نفسه ضمن سلسلة حفظ الحق: من كربلاء بوصفها لحظة كشف، إلى الغيبة بوصفها زمن صبر وفعل، إلى الظهور بوصفه أفق عدالة. هذه السلسلة هي ما يجعل التضحية غير عدمية. فليست القيمة في الألم، بل في أن الألم لا يُترك بلا معنى؛ وليست البطولة في الخسارة، بل في منع الخسارة من أن تصير استسلاماً.

نقد القراءة الاختزالية: هل الثوريّة الشيعية إفناء للذات؟

من أكثر القراءات سطحية للثورية الشيعية تلك التي تراها ثقافة موت أو إفناء للذات. هذه القراءة تنظر إلى عاشوراء ولا ترى إلا الدمعة، وإلى الشهادة ولا ترى إلا الفقد، وإلى اللطم والندب ولا ترى إلا انفعالاً جماعياً. لكنها لا ترى البنية الكاملة: الشهادة في التشيّع ليست انتحاراً رمزياً، ولا رفضاً للحياة، بل إعلان أن الحياة التي تُبنى على الذل ليست حياة مكتملة.

ينبغي هنا الانتباه إلى فارق حاسم: هناك فرق بين ثقافة تقدّس الموت، وثقافة ترى أن الحياة لا تُختزل إلى البقاء البيولوجي. في الفلسفة السياسية، نجد هذا المعنى بأشكال متعددة. عند هيغل مثلاً، الصراع على الاعتراف يفترض أن الإنسان لا يريد الحياة العارية وحدها، بل يريد حياة معترفاً بكرامتها. وعند حنة أرندت، الفعل السياسي الأصيل هو ظهور الإنسان في المجال العام بوصفه كائناً قادراً على البدء، لا مجرد كائن يسعى إلى السلامة الخاصة. وعند فرانز فانون، في سياق مختلف، يتّصل التحرّر باستعادة الذات المقهورة لقدرتها على الفعل والمعنى.

لكن الثورية الإمامية تضيف إلى ذلك عنصراً لاهوتياً خاصّاً: التضحية ليست فقط دفاعاً عن الكرامة، بل حفظ للخط الإمامي في التاريخ. فالحسين ليس شهيد احتجاج أخلاقي فحسب، بل إمام. والمهدي ليس رمزاً أدبياً للمستقبل، بل إمام غائب. لذلك يصبح الفعل الثوري، في المخيال الشيعي، مشدوداً بين الإمامين: لا يملك أن يساوم على الحق لأن الحسين معيار، ولا يملك أن ييأس لأن المهدي وعد.
هنا تتضح خطورة قراءة كربلاء وحدها بمعزل عن الغيبة. من دون المهدوية، قد تُفهم كربلاء كأنها تمجيد للهزيمة النبيلة. ومن دون كربلاء، قد تُفهم المهدوية كأنها انتظار سلبي لخلاص خارجي. أمّا في اجتماعهما، فنحن أمام بنية مختلفة: تضحية لا تستسلم، وانتظار لا يتقاعد.

الغيبة والسياسة: بين الانتظار السلبي والانتظار الفاعل

عرف الفكر الشيعي عبر تاريخه توتّراً دائماً حول معنى الانتظار. هل يعني الانتظار الامتناع عن السياسة حتى ظهور الإمام؟ أم يعني العمل لإعداد العالم للعدل؟ هذا التوتر أنتج مدارس واتجاهات متعددة، من النزعات الهادئة التي ترى أن كل دولة قبل الظهور ناقصة الشرعية، إلى النزعات الحركية التي ترى أن الغيبة لا تعفي المؤمنين من مقاومة الظلم.
المهم هنا أن الغيبة لا تنتج معنى سياسياً واحداً بالضرورة. إنها بنية مفتوحة على التأويل. قد تُقرأ قراءة انسحابية: بما أن الإمام غائب، فلا اكتمال للشرعية، والأفضل تقليل التورّط في السلطة. وقد تُقرأ قراءة ثورية: بما أن الإمام غائب، فلا يجوز ترك العالم للظلم، بل يجب حفظ خط العدل إلى حين الظهور. وكلتا القراءتين تجد في التراث ما يغذّيها، لكن الثوريّة الشيعية الحديثة اختارت غالباً القراءة الثانية، أي الانتظار بوصفه فعلاً.

هذا التحوّل لا يعني إلغاء البعد الروحي للغيبة، بل تسييسه. فالانتظار الفاعل يقول إنّ الإيمان بالظهور لا يبرّر الركود، بل يمنع الاستسلام. وإذا كان الإمام الغائب هو صاحب الزمان، فإن المؤمن لا يستطيع أن يتعامل مع الزمن بوصفه ملكاً للطغاة. الزمن نفسه يصبح ميداناً للمقاومة: مقاومة النسيان، مقاومة التطبيع مع الظلم، مقاومة اليأس، ومقاومة ادعاء العدو أن الحاضر نهائي.
بهذا المعنى، لا تكون الغيبة نقصاً في القيادة فقط، بل امتحاناً للجماعة: كيف تعمل من دون أن تدّعي أنها تمتلك اكتمال الحق؟ كيف تقاوم من دون أن تتحوّل إلى سلطة مطلقة؟ كيف تحافظ على الأمل من دون أن تسقط في الخرافة أو التعطيل؟ هنا تظهر الحاجة إلى فقه الانتظار، وأخلاق الانتظار، وسياسة الانتظار.

كربلاء والمهدوية كفلسفة زمن

الثنائية التي نتحدّث عنها ليست مجرد ثنائية رمزية، بل فلسفة زمن كاملة. كربلاء تجعل الماضي حيّاً. الغيبة تجعل المستقبل حيّاً. وبين الماضي الحيّ والمستقبل الحيّ يتحوّل الحاضر إلى مسؤولية.
في الزمن العادي، الماضي انتهى، والمستقبل لم يبدأ، والحاضر وحده موجود. أمّا في الزمن الشيعي الثوري، فالماضي لا ينتهي لأن كربلاء لا تزال تطالب بالوفاء، والمستقبل ليس معدوماً لأن الإمام الغائب يجعل الوعد حاضراً بطريقة محتجبة. الحاضر، إذاً، ليس نقطة عابرة، بل ساحة التقاء بين دم لم يُنسَ ووعد لم يتحقّق.

وهذه هي إحدى أهم دلالات كوربان. فهو يرفض اختزال الدين في تاريخ خارجي. الدين، عنده، ليس فقط أحداثاً وقعت، بل تأويل باطني للزمن والوجود. ولذلك كان اهتمامه بالتأويل، وبالعالم المتخيّل أو العالم المثالي الوسيط، وبالإمام بوصفه هادياً باطنياً. بعض العروض المعاصرة لكوربان تلخّص مشروعه بأنه كشفٌ لعالم من النور والزمن المقدّس وحضور الإمام المخفي، في مقابل الاقتصار على القراءات القانونية أو السياسية للإسلام.

الثوريّة الشيعية في المقاومة اللبنانية تحمل دائماً خطرين متقابلين: خطر أن تتحوّل الذاكرة الحسينية إلى تعبئة عاطفية لا تترك مجالاً للنقد، وخطر أن يتحوّل الوعد المهدوي إلى يقين سياسي مغلق يخلط بين المشروع البشري والمشيئة الإلهية. لذلك يحتاج هذا النموذج، في كل مرحلة، إلى وعي نقدي

غير أن قراءة كوربان، على عمقها، تحتاج أيضاً إلى تكميل سياسي. فهو يميل إلى إبراز البعد الروحي والباطني، وقد يقلّل أحياناً من وزن الصراع الاجتماعي والسياسي. أمّا الثوريّة الشيعية الحديثة فتجعل من هذا البعد الباطني طاقة تاريخية. لا تكتفي بأن تقول إنّ الإمام الغائب معنى روحي، بل تقول إنّ الإيمان به يمنع الاستسلام للظلم الواقعي. هنا يلتقي الباطني بالتاريخي، لا بوصفه ذوباناً فيه، بل بوصفه طاقة لتجاوزه.

الأمل لا التفاؤل: الفرق بين الوعد المهدوي والتفاؤل الساذج

ينبغي التمييز بين الأمل والتفاؤل. التفاؤل قد يكون تقديراً نفسياً بأن الأمور ستتحسّن. أمّا الأمل، في معناه الفلسفي والديني العميق، فهو التزام بالمعنى رغم أن الواقع لا يمنح ضمانات مباشرة. الأمل ليس قراءة مريحة للوقائع، بل موقف من العالم.
في هذا المعنى، المهدوية ليست تفاؤلاً سياسياً. المؤمن بالمهدي لا يقول بالضرورة إنّ موازين القوى الحالية جيّدة، ولا إنّ الطريق قصير، ولا إنّ الهزائم غير ممكنة. بل يقول إنّ الظلم ليس نهاية المعنى. وهذا فرق كبير. التفاؤل قد ينهار عند أوّل كارثة؛ أمّا الأمل المهدوي، كما تصوغه الذاكرة الشيعية، فيولد غالباً من قلب الكارثة.

هنا يتّصل الحسين بالمهدي مرة أخرى. كربلاء تمنع الأمل من أن يكون رومانسياً. فهي تقول إنّ الحق قد يُحاصر ويُقتل أصحابه وتُسبى عائلاتهم ويُشوَّه خطابهم. والمهدوية تمنع كربلاء من أن تكون يأساً. فهي تقول إنّ هذا كلّه لا يغلق التاريخ، ولا يلغي الوعد، ولا يجعل الباطل قدراً أبديّاً.

يمكن القول إنّ كربلاء تعلّم الشيعي أنّ الطريق إلى الحقّ قد يكون مكلفاً، والمهدي يعلّمه أن الكلفة ليست عبثاً. الأولى تحمي الأمل من السذاجة، والثانية تحمي التضحية من العدمية.

البنية النفسية/ الاجتماعية للثوريّة الإمامية

للثنائية الحسينية- المهدوية وظيفة نفسية واجتماعية عميقة. الجماعات المقهورة تحتاج إلى ما هو أكثر من التحليل السياسي كي تصمد. تحتاج إلى معنى، وإلى سردية، وإلى زمن لا يملكه المنتصر. من دون ذلك، تتحوّل الهزيمة إلى قدر، ويتحوّل القهر إلى طبيعة، ويتحوّل الخوف إلى عقلانية وحيدة.

كربلاء تمنح الجماعة لغة لفهم الألم من دون أن تسقط في الخزي. فهي تقول للمظلوم إنّ هزيمته المادّية لا تعني خطأه الأخلاقي. أمّا الغيبة فتمنحه لغة لفهم التأخّر من دون أن يسقط في اليأس. فهي تقول له إنّ عدم تحقّق العدل الآن لا يعني استحالته. هكذا تعمل الثنائية بوصفها جهازاً لإعادة إنتاج الصمود.

لكن هذا الجهاز ليس بلا مخاطر. يمكن للذاكرة أن تتحوّل إلى اجترار، ويمكن للانتظار أن يتحوّل إلى تعطيل، ويمكن للشهادة أن تتحوّل إلى بلاغة فارغة، ويمكن للوعد أن يتحوّل إلى مخدّر. لذلك تحتاج الثوريّة الإمامية، في كل لحظة، إلى نقد داخلي يميّز بين الوفاء والجمود، بين الانتظار والعمل، بين التضحية والمعنى، بين الأمل والوهم.

الفكر الشيعي الثوري في أقوى صوره ليس دعوة إلى الفناء، بل دعوة إلى تحويل الألم إلى مسؤولية، والذاكرة إلى فعل، والانتظار إلى إعداد. أمّا حين يفقد هذه التوازنات، فقد يسقط إمّا في بكائية بلا سياسة، أو في حركيّة بلا روح، أو في مهدويّة متعجّلة تريد مصادرة الغيب لصالح مشروع حاضر.

الثوري الشيعي بين إمامين

الثوري الشيعي، في بنيته الرمزية العميقة، يقف بين إمامين: إمام قُتل لأنه رفض أن يعطي الشرعية للظلم، وإمام غائب لأنه يمثّل أنّ الحق لم يقل كلمته الأخيرة بعد. من الأوّل يأخذ معيار التضحية، ومن الثاني يأخذ أفق النصر. من الأوّل يتعلّم أن البقاء ليس قيمة مطلقة إذا انفصل عن الكرامة، ومن الثاني يتعلّم أنّ التضحية ليست نهاية إذا اندرجت في وعد العدل.
لذلك، فإنّ تصوير الثوريّة الشيعية كإفناء للذات دون حساب هو قراءة مبتورة. إنها ترى نصف الصورة وتترك نصفها الآخر. ترى كربلاء ولا ترى الغيبة. ترى الشهادة ولا ترى الظهور. ترى الدمعة ولا ترى الوعد. والحقيقة أنّ كربلاء في التشيّع لا تعمل كدعوة إلى الموت، بل كذاكرة تمنع موت الحقّ؛ والمهدي لا يعمل كخرافة مستقبلية، بل كأفق يمنع موت الأمل.

بهذا المعنى، الفكر الشيعي الثوري ليس مأساوياً فقط، ولا يوتوبياً فقط، بل هو تركيب بين المأساة والوعد. مأساوي لأنه يعرف أن التاريخ قاسٍ وأنّ الحقّ قد يُهزم في معركة. ويوتوبي-إسكاتولوجي لأنه يرفض أن تكون تلك الهزيمة هي معنى التاريخ الأخير. لذلك كان الإمام الثاني عشر، في قراءة كوربان، أكثر من شخصية منتظرة في آخر الزمان: إنه بنية أمل، وطريقة في فهم الحاضر، وعلامة على أن المستقبل ليس خلفنا في عصر ذهبي مفقود، بل أمامنا، يتنجّز دائماً، ويعبر التاريخ من دون أن يذوب فيه.

الثوريّة الإمامية، إذاً، ليست ثقافة نهاية، بل ثقافة عدم إغلاق النهاية. إنها تقول إنّ كربلاء حدثت، لكنها لم تنتهِ؛ وإنّ الإمام غائب، لكنه ليس معدوماً؛ وإنّ الحق قد يتأخّر، لكنه لا يفقد حقّه في العودة. ومن هذا الجمع بين ذاكرة الجرح ووعد القيام تتكوّن إحدى أكثر البنى الرمزية كثافة في الإسلام السياسي والروحي: بنية تجعل التضحية ممكنة، لا لأنها تحبّ الموت، بل لأنها تؤمن أن الحياة لا تكتمل إلا بالعدل، وأنّ العدل، مهما تأخّر، ليس خارج الزمن بل في قلبه المحتجب.

الثورية الشيعية في المقاومة اللبنانية

تتجلّى الثورية الشيعية في المقاومة اللبنانية لا بوصفها استنساخاً مباشراً ومبسّطاً للواقعة الكربلائية، ولا بوصفها انفعالاً مذهبياً مغلقاً على ذاكرة الجرح، بل بوصفها تركيباً تاريخياً معقّداً بين الذاكرة الحسينية، والانتظار المهدوي، وتجربة الحرمان الاجتماعي، ومواجهة الاحتلال، وإعادة بناء معنى السياسة من داخل الجماعة المهددة. فالمقاومة اللبنانية، في صورتها الشيعية الأبرز، لم تنشأ من فراغ عقائدي، ولم تكن مجرّد ردّ فعل عسكري على الاجتياح الإسرائيلي أو على تهميش الدولة، بل خرجت من تفاعل طويل بين بنية وجدانية دينية ترى في كربلاء معياراً للحقّ، وبنية مهدوية ترى في التاريخ أفقاً مفتوحاً لا يجوز أن يُغلق بانتصار القوّة، وبنية اجتماعية لبنانية عاش فيها الشيعة طويلاً على هامش السلطة والاقتصاد والاعتراف.

لذلك لا تكفي القراءة الأمنيّة أو الجيوسياسية لفهم هذه المقاومة، كما لا تكفي القراءة الطائفية التي تردّها إلى عصبية مذهبية صمّاء؛ الأعمق من ذلك أنها مثّلت انتقالاً في الوعي الشيعي اللبناني من موقع «الجماعة المحرومة» إلى موقع «الجماعة الفاعلة»، ومن ذاكرة المظلومية إلى سياسة الاقتدار، ومن البكاء على الحسين إلى محاولة تحويل الحسين إلى نموذج تنظيمي وتربوي وقتالي وأخلاقي في مواجهة احتلال فعلي. هنا يظهر البعد الكربلائي أولاً: الحسين عليه السلام يمنح المقاومة لغة أخلاقية لتفسير عدم التوازن الهائل في القوّة؛ فكما لم تكن كربلاء معركة متكافئة، كذلك لم تكن مواجهة الاحتلال الإسرائيلي، في بداياتها، مواجهة بين قوّتين متساويتين.

لكن معنى كربلاء لا يكمن في عدم التكافؤ وحده، بل في رفض تحويل عدم التكافؤ إلى عذر للاستسلام. إنّ الضعف المادي لا يسقط الواجب الأخلاقي، والقلّة لا تلغي الحقّ، والهزيمة المحتملة لا تبرّر الاعتراف بشرعية المعتدي. بهذا المعنى، تحوّلت كربلاء في المقاومة اللبنانية إلى مدرسة في تعريف النصر قبل وقوعه: النصر لا يبدأ حين ينسحب العدو فقط، بل يبدأ حين تفشل قوّته في إنتاج الخضوع النفسي.

ومن هنا نفهم مركزية مفردات مثل الصبر، الثبات، البصيرة، التكليف، والكرامة؛ فهي ليست مفردات وعظية فقط، بل أدوات لإعادة تشكيل العلاقة بين الفرد والجماعة والموت والخوف والزمن. غير أنّ اختزال المقاومة في الحسينية وحدها يظلم بنيتها الأعمق، لأنّ الوعي المقاوم لم يكن وعياً مأساوياً خالصاً، بل كان مشدوداً دائماً إلى أفق مهدوي؛ أي إلى اعتقاد بأن التاريخ ليس ملكاً نهائياً للغالب، وأنّ العدل، وإن تأخّر، ليس مستحيلاً. هنا يؤدّي الإمام المهدي، صاحب الزمان، وظيفة رمزية مركزية: إنه لا يحضر فقط كعقيدة غيبية في آخر الزمان، بل كضمانة معنوية ضد اليأس التاريخي. فالمقاوم لا يتحرّك، في هذا التصوّر، من أجل شهادة نهائية مغلقة، ولا يطلب الفناء لذاته، بل يرى أنّ التضحية جزء من مسار أطول، مسار لا ينتهي عند سقوط الفرد، لأنّ الحق نفسه ممتدّ في الزمن.

وهذا ما يميّز الثوريّة الشيعية عن بعض أشكال العدمية السياسية: إنها لا تجعل الموت غاية، بل تجعله احتمالاً داخل مشروع حياة أعدل. فالشهادة، في خطاب المقاومة اللبنانية، لا تُفهم باعتبارها إلغاءً للذات، بل باعتبارها تحويلاً للفرد إلى شاهد على معنى الجماعة، أي إلى علامة تقول إنّ الاحتلال لم يستطع أن يحتكر المستقبل. ومن هنا تأتي أهمية مقولة كوربان عن التشيّع بوصفه دين أمل لا دين ماضٍ فقط؛ فالمستقبل في المخيال الإمامي ليس فراغاً، بل حضور محتجب، والإمام الغائب ليس ذكرى خلفنا، بل أفق أمامنا.

في المقاومة اللبنانية، يعمل هذا الأفق بطريقة سياسية ونفسية واضحة: العدوّ قد يملك الطائرات والدبّابات والتكنولوجيا، لكنه لا يملك الزمن كله؛ يستطيع أن يدمّر، لكنه لا يستطيع أن يحسم المعنى؛ يستطيع أن يؤلم الجماعة، لكنه لا يستطيع أن يقنعها بأن حاضرها هو قدرها النهائي. لذلك كان الانتظار المهدوي، حين يندمج بالفعل المقاوم، نقيضاً للانتظار السلبي؛ إنه لا يقول للجماعة: اتركي العالم حتى يظهر الإمام، بل يقول لها: لا تسمحي للظلم أن يصير طبيعياً في زمن الغيبة. إنّ زمن الغيبة هنا ليس زمن فراغ سياسي، بل زمن امتحان؛ وفي الامتحان تتحدّد قيمة الفعل. بهذا المعنى، حملت المقاومة اللبنانية فهماً خاصّاً للانتظار: انتظار يعمل، لا انتظار يتفرّج؛ انتظار يعدّ القوّة، لا انتظار يهرب من المسؤولية؛ انتظار يرى أنّ الظهور وعد إلهي، لكنه لا يعفي الإنسان من واجب دفع الظلم بقدر استطاعته.

ومن هنا أيضاً نفهم العلاقة بين «النصر» و«الشهادة» في خطاب المقاومة: الشهادة ليست بديلاً من النصر، بل طريق من طرقه، والنصر ليس مجرد إنجاز عسكري، بل تثبيت لمعادلة كرامة واعتراف وردع. وهذا ما جعل التجربة اللبنانية، خصوصاً بعد انسحاب الاحتلال من الجنوب عام 2000، تعيد تشكيل المخيال الشيعي والعربي معاً: للمرة الأولى منذ زمن طويل بدا أنّ جماعة محلّية، فقيرة نسبياً ومحرومة تاريخياً، تستطيع أن تفرض على قوّة إقليمية كبرى معادلة انسحاب وردع، لا بواسطة دولة مركزية قوية، بل بواسطة تنظيم اجتماعي- عقائدي-عسكري متجذّر في بيئته.

هنا لا تعود الثورية الشيعية مجرد خطاب عن المظلومية، بل تصبح إنتاجاً لمؤسسات ومعانٍ وانضباط وذاكرة وطقوس وسياسات رعاية وحشد. فالمقاومة لم تبنِ نفسها بالسلاح وحده، بل ببناء عالم رمزي كامل: مجالس عاشوراء، صور الشهداء، أناشيد الوعد، خطاب السيد، حضور الأم والأب والقرية والجنوب، سرديات الأسر والتحرير، وربط الموت الفردي بحياة الجماعة. هذا العالم الرمزي هو ما يجعل المقاومة أكثر من فعل عسكري؛ إنها منظومة معنى.

لكنّ قوّة هذا النموذج تكمن أيضاً في توتّره الداخلي. فالثوريّة الشيعية في المقاومة اللبنانية تحمل دائماً خطرين متقابلين: خطر أن تتحوّل الذاكرة الحسينية إلى تعبئة عاطفية لا تترك مجالاً للنقد، وخطر أن يتحوّل الوعد المهدوي إلى يقين سياسي مغلق يخلط بين المشروع البشري والمشيئة الإلهية. لذلك يحتاج هذا النموذج، في كل مرحلة، إلى وعي نقدي يميّز بين قداسة الرمز ونسبية الممارسة، بين الإمام المعصوم والتنظيم السياسي، بين الحقّ بوصفه قيمة مطلقة وبين الاجتهاد البشري الذي قد يصيب ويخطئ.

غير أنّ وجود هذه المخاطر لا يلغي جوهر الأطروحة: المقاومة اللبنانية لا تفهم إلا إذا رُئيت في ضوء الثنائية الحسينية- المهدوية. فالحسين يمنحها أخلاق الرفض، والمهدي يمنحها أفق الرجاء؛ الحسين يقول إنّ الحق يستحقّ التضحية، والمهدي يقول إنّ التضحية ليست عبثاً؛ الحسين يمنع الخضوع للظلم، والمهدي يمنع اليأس من العدل؛ الحسين يحفظ الذاكرة من النسيان، والمهدي يحفظ المستقبل من المصادرة. وبين هذين القطبين تشكّلت الثورية الشيعية اللبنانية كوعي يرى أنّ الاحتلال ليس مجرّد سيطرة على الأرض، بل محاولة للسيطرة على الزمن والمعنى والإرادة؛ وأنّ المقاومة ليست مجرّد ردّ عسكري، بل استرداد للزمن من يد القوّة، وإعادة فتح المستقبل أمام جماعة أُريد لها أن تعيش في الهامش والخوف.

ولهذا، فإنّ المقاوم الشيعي اللبناني، في بنيته الرمزية المثاليّة، ليس طالب موت، بل طالب معنى؛ ليس منتحراً في التاريخ، بل فاعل في تاريخ يراه ناقصاً ومفتوحاً؛ لا ينتمي إلى كربلاء بوصفها نهاية دموية، بل بوصفها بداية معيارية دائمة؛ ولا ينتظر المهدي بوصفه إلغاءً للفعل، بل بوصفه وعداً يمنع الفعل من السقوط في اليأس. هذه هي خصوصية الثوريّة الشيعية في المقاومة اللبنانية: أنها جمعت بين حزن لا يستسلم، وأمل لا يتقاعد، وبين ذاكرة شهيد يقول «لا» للظلم، وإمام غائب يجعل هذه الـ«لا» جزءاً من «نعم» كبرى للعدل الآتي.

* نائب سابق، مسؤول «ملف الموارد والحدود» في «حزب الله»

شارك على :

واتس أب
فيسبوك
تويتر
تيليغرام
لينكد إن
بين تريست
الأيميل
طباعة