موسى السادة
صدرت العديد من المؤلفات لمقاربة مفهوم «محور المقاومة» إنما من السهل الجزم أن كتاب حميد رضا عزيزي The Axis of Resistance: Iran, Israel, and the Struggle for the Middle East, 2026 يتموضع على مسافة متفردة في العمق والمضمون عن غيره. وليس فقط من ناحية فهم إيران نفسها، بل عبر تقديم اجتهاد مثير في تفكيك بنية المحور نفسه وتفصيل تعقيد منطقه الداخلي والعلاقة بين أعضائه. إذ يقدّم «المحور» عبر مستويات عدة: الأول فلسطين، الثاني لبنان وسوريا، الثالث العراق واليمن، وصولاً إلى المركز في طهران. ومن ثم يشرح منظور والظروف الداخلية لكل مستوى وتأثير تلك الظروف على مجمل العلاقة الكلية لهذه الشبكة.
تكمن أهمية محاولة الفهم الدقيقة والمعقدة لـ«المحور» في أنه، وحتى بالنسبة إلينا نحن من على قرب من فضاء هذا العنوان ونتداوله باستمرار، مفهوم عريض وفضفاض يختزل فوضى من التصورات المختلفة حول حقيقة ماهيته، بما يشمل تلك الشريحة الواسعة التي ترى نفسها تحت مظلته، وهو ما ينعكس على حجم الطموحات والآمال منه وقدرة الفواعل السياسية على تنبؤ السياسات التي سيتبناها.
إنّ ما عشناه تحديداً منذ السابع من أكتوبر -بل حتى أحد أبرز عوامل قرار السابع من أكتوبر نفسه- هو انعكاس لهذه الفوضى في التصورات والخطاب، سواء للفاعلين في «المحور» أنفسهم أو حاضنته (حواضنه) وعلى المستويين السياسي والعسكري. إذ إننا نعاني أزمة وفراغ الاجتهادات لتقديم فهم أقرب للواقع لهذه الظاهرة من داخل فضائها العربي نفسه، وعليه القدرة على صيانة وترميم ونمو ونقد على المفهوم نفسه.
برزت هذه الفوضى في حاجة السيد حسن نصر الله بعد أكتوبر 2023 إلى محاولة إدارة للتصورات، وإعادة تثبيت واستدراك أن المحور عبارة عن شبكة تنسيق مرنة ونحيلة تحافظ على الظرف الوطني والداخلي لكل طرف، في مقابل تصور أكثر مركزية عماده «غرفة عمليات محور المقاومة» الذي عززه المقطع المصور المشترك لكل قنوات حركات المقاومة على «تلغرام» نيسان 2023 بعنوان «جاهزون»، وكذلك إشارة قائد أركان «القسام» السابق محمد السنوار قبلها بعام في برنامج «ما خفي أعظم» عن «الغرفة الأمنية المشتركة مع محور المقاومة»، بل ومحورية وتضخم كارزمية السيد الشهيد نفسه.
بطبيعة الحال، ولّد الطيف العريض وتنوع الحيثيات بين فواعل المحور خلطاً ولبساً في مفهوم «المحور»، إلا أنه وبالمحصلة، ما يمكن الإشارة له بـ«المحور» هو: عملية التنسيق والتعاون الهجينة بين الأطراف المختلفة، بثقل أساسي للبنية العسكرية للحرس الثوري، وتحديداً شخص «الحاج رمضان» الشهيد محمد سعيد إيزدي، الذي نعته «كتائب القسام» واستشهد باغتيال إسرائيلي خلال عدوان الـ12يوماً على إيران، وبثقل معنوي وسياسي للسيد نصر الله.
كانت هندسة هذه البنية وبناؤها مشروع الجنرال قاسم سليماني، في مزيج بين العقل الاستراتيجي الإيراني لـ«الدفاع المتقدّم» وأيضاً المنطلق الأيديولوجي الثوري.
إلا أن ما يصيب حميد رضا عزيزي في تبيانه هو ذلك التحوّل البنيوي في «المحور» وآلية عمله ومنظوره الاستراتيجي، بين ما قبل وما بعد اغتيال سليماني. فحتى ترامب نفسه، رغم إصراره على تكرار نجاحه في هذا الاغتيال، لا يعي الأثر الحقيقي والعميق له.
بالعودة إلى «المحور»؛ فهو ليس تكتلاً سياسياً ذا طابع موحّد في الهوية السياسية والأيديولوجيا والتصوّر عن الذات والمستقبل، أي إن سؤال الماهية ظلّ مفتوحاً، بل وفي حيّز من التجاهل وملء كل طرف لتصوره، مع بقاء رابط نحيل مكوّن من الشعارات الكبرى حول القدس والتحرير والمقاومة.
رغم الخلل منذ «الطوفان» في تفعيل مفهوم «وحدة الساحات» إلا أن واقع وحدة العدو والمصير فرض نفسه في كل مرة؛ إذ أدخل مفهوم «المحور» و«وحدة الساحات» إلى مسار النمو من جديد
في الإطار العام، مرّ «المحور» (أي عملية التنسيق) بمراحل مختلفة، تتغيّر فيها وتيرة التنسيق، تحديداً في مرحلة ما بعد سليماني. وصولاً إلى لحظة «الطوفان»، وهي لحظة حرجة في سياق العلاقة، حيث شكّلت مفترق طرق حساس ومصيري بين خياري النمو أو الانفراط في التنسيق. ويقوم هنا فهم مخاض النمو والانفراط في عملية التنسيق، على تشريح لبنية «فوضى» التصورات واختلافاتها وتناقضاتها.
وكذلك، على السياسات والخطابات والإشارات التي يولّدها كل طرف وفي كل مرحلة، ومن هنا فبالإمكان، بالنظرة الشاملة، تقسيم بنى التصورات إلى نسقين:
– الأول: محور المقاومة، وهي شبكة العلاقات والامتداد الإيراني ذو الطابع والخطاب الإسلامي الشيعي الممتد من طهران فالعراق وسوريا -سابقاً- ولبنان، أي تصور لـ«المحور» كدائرة مركزها طهران ويمتد نصف قطرها إلى غزة وصنعاء، وكجزء من معادلة الردع للأمن القومي الإيراني.
– الثاني: محور القدس، وهو المصطلح الذي حرص على تداوله القائد يحيى السنوار، المبني على تصور دائرة مركزها غزة ونصف قطرها يمتد نحو طهران شرقاً إلى صنعاء جنوباً، وكجزء من معادلة وخزان القضية الفلسطينية والمسجد الأقصى.
كان هدف مشروع «الطوفان» من خطابات التمهيد والتحضير وصولاً إلى بيان صبيحة السابع من أكتوبر النمو في التنسيق. وذلك عبر إنتاج صدمة تعمل على نقل ثوري لعملية التنسيق إلى مستوى أعلى يستدعي القتال الموحّد من جهة، وأيضاً ربطاً في الخطاب السياسي والتصورات والاستراتيجيات الكبرى للجبهات. بتعبير آخر، لم تكن المسألة رهاناً على تفعيل جاهز إلى ما أطلق عليه مفهوم «وحدة الساحات»، بل في جعل الحرب مجالاً لممارسة المفهوم ونموه في الوقت ذاته.
لم تنتج الحرب هذا الرهان، بل وعلى العكس، شكلت كل من مجزرة المعمداني، وتزامن اغتيال الشهيدين هنية وشكر وقصف الحديدة، وصولاً إلى نهاية معركة «أولي البأس»، ثلاث لحظات انفراط رئيسية، وصلت بها وتيرة التنسيق والربط بين الجبهات إلى أدناها.
تعود هذه النتيجة إلى أن تباين النسقين أدّى إلى إزاحة مركز ومنطق تفعيل «وحدة الساحات»، بينهما، بين المركز في طهران إلى المركز في غزة، مما أدّى إلى تفعيل نحيل عنوانه الإسناد. يعود سبب ذلك إلى حقيقة فوضى التصوّرات حول الذات والمفهوم نفسه، والتي كانت نتيجة عطب بنيوي في آلية التنسيق والرسائل المتبادلة، خصوصاً بين المقاومة الفلسطينية ونسق «محور المقاومة» بشكل من الممكن وصفه بـ«الإفراط في التحليل الخطابي والفشل في قراءة الموانع».
حيث هيمنت عملية تفسير الخطابات للأطراف واعتمادها كرسائل سياسية وعسكرية ذات مصداقية عالية، ومرآة تعكس الواقع السياسي والاجتماعي واستعداد كل جبهة، دون أخذ الاعتبار لسياقاتها المحلية وأثرها على مسامع كل طرف. وهو ما أدى إلى إغفال لاعتبار الموانع الداخلية، السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأيديولوجية/ الهوياتية التي تحول دون نمو انصهار أكبر نحو وحدة المعركة ونقض الظرف الوطني للحدود.
المفارقة هنا، أن هذا التباين والفوضى هي ذاتها ما منع العدو الإسرائيلي عن تنبؤ السابع من أكتوبر حيث خلقت فوضى الرسائل والتصورات ثغرة تاريخية أدت إلى الضربة الكبرى لـ«الطوفان». إلا أنه، وللسبب ذاته، نجح العدو في التناوب على الجبهات كل على حدة، وصولاً للعدوان الأميركي- الصهيوني على إيران.
أدّى هذا العدوان إلى إعادة تفعيل «وحدة الساحات»، إنما ضمن نسق «محور المقاومة»، وليعيد ذلك حيوية إلى المفهوم ذاته، وتمسّك الإيرانيين به. لكن، هذا التفعيل بحد ذاته محكوم بالشرط السياسي والعسكري الإيراني وظرفه، حيث وإن كان من جهة سيعزّز من تمسّك وتماسك المنطق القومي الإيراني بدعم جبهة المقاومة والاستثمار فيها، إلا أن شمل غزة سواء بالهدنة أو التفعيل للمفهوم لا يزال مكبلاً بالقدرة العملياتية وما يسمح به توازن القوى على الأرض لنسق «محور المقاومة» ومنطقه. وهو ما يستثني اليمن الذي يعمل على استيلاد ظرف تفعيل شامل للجبهات منذ «الطوفان».
في الأخير، ورغم الخلل منذ «الطوفان» في تفعيل مفهوم «وحدة الساحات» إلا أن واقع وحدة العدو والمصير فرض نفسه في كل مرة؛ إذ أدخل مفهوم «المحور» و«وحدة الساحات» إلى مسار النمو من جديد. وهو ما ينعكس اليوم بالرسائل الخطابية وتبادلها بين جميع فواعله من غزة إلى طهران، من «مقر خاتم الأنبياء» إلى «الإعلام العسكري للقسام». وهو ما يجب العمل على تأمين مسار نموه بشكل يتعلّم من تجارب الماضي ويراهن من جديد على أن معيار الانتصار على الصهيونية مقياسه النجاح أكثر فأكثر في الوحدة والتقدّم في صيرورة صناعة الأمّة الحضارية المقاومة.
* كاتب عربي