آخر الأخبار

بين التفاهم المؤقت والاتفاق الكبير: إلى أين تتجه المفاوضات الأميركية – الإيرانية؟

cfa1148b-6b34-428e-9acb-800db4fb91ee

كتب عصام الحلبي

منذ الإعلان عن التفاهم الأخير بين الولايات المتحدة وإيران، عاد الحديث بقوة عن مستقبل العلاقة بين البلدين، وما إذا كان ما جرى مجرد تفاهم مؤقت لخفض التوتر ومنع الانزلاق إلى مواجهة جديدة، أم أنه يشكل بداية مسار ربما يقود إلى اتفاق أوسع وأشمل في المرحلة المقبلة.
حتى الآن من المبكر الحديث عن اتفاق كبير أو تسوية نهائية. فالملفات الخلافية بين واشنطن وطهران أكبر من أن تُحسم في جولة تفاوض أو عبر مذكرة تفاهم محدودة، فالخلاف لا يقتصر على البرنامج النووي الإيراني، بل يمتد إلى العقوبات الاقتصادية والدور الإيراني في المنطقة وقضايا الأمن الإقليمي والعديد من الملفات التي تراكمت خلال عقود طويلة من الصراع والتوتر بين الطرفين.
لكن في المقابل، لا يمكن التقليل من أهمية ما حدث، فمجرد استمرار الحوار بين الطرفين بعد سنوات من المواجهة المباشرة وغير المباشرة يشير إلى وجود مصلحة مشتركة في منع الانفجار وفتح الباب أمام ترتيبات جديدة تخفف من حدة الصراع القائم.
التجارب السابقة تؤكد أن الاتفاقات الكبرى لا تولد دفعة واحدة وغالباً ما تسبقها تفاهمات محدودة واختبارات متبادلة للنوايا وبناء حد أدنى من الثقة. لذلك يمكن النظر إلى التفاهم الحالي باعتباره خطوة أولى في طريق طويل لا أكثر ولا أقل.
في هذا السياق يبرز العامل الإسرائيلي بوصفه أحد أهم العناصر المؤثرة في مسار المفاوضات. فإسرائيل تنظر منذ سنوات إلى أي تقارب أميركي ـ إيراني باعتباره تطوراً مقلقاً لها، لأنها ترى أن تخفيف الضغوط عن طهران قد يمنحها قدرة أكبر على الحركة السياسية والاقتصادية والإقليمية.
لهذا السبب ستسعى الحكومة الإسرائيلية إلى التأثير في مجريات التفاوض عبر الضغوط السياسية والدبلوماسية والإعلامية، كما ستواصل التحذير من أي اتفاق لا يضع قيوداً صارمة على البرنامج النووي الإيراني أو يأخذ بعين الاعتبار هواجسها الأمنية.
ومع ذلك، فإن قدرة إسرائيل على تعطيل أي تفاهم ليست مفتوحة إلى ما لا نهاية. فالولايات المتحدة في نهاية المطاف، تتخذ قراراتها وفقاً لحساباتها ومصالحها الاستراتيجية، وإذا اقتنعت الإدارة الأميركية بأن التفاهم مع إيران يحقق مصالحها الأمنية والاقتصادية ويخفف من أعباء التوتر في المنطقة، فإن الاعتراضات الإسرائيلية قد تؤثر في التفاصيل لكنها لن تكون قادرة وحدها على إسقاط المسار بأكمله.
أما مدى تأثير الموقف الإسرائيلي فسيبقى مرتبطا بمسار التفاوض نفسه، ففي المراحل الأولى يكون هذا التأثير أكبر بسبب غياب الصورة النهائية وارتفاع مستوى الغموض والضبابية. أما إذا نجح الطرفان في الانتقال إلى تفاهمات أكثر استقراراً، فإن هامش التأثير الإسرائيلي سيتراجع تدريجياً وإن لم يختفِ بشكل كامل.
السؤال الأهم بالنسبة إلى دول وشعوب المنطقة لا يتعلق فقط بمصير المفاوضات بل بنتائجها وانعكاساتها. فلبنان وسوريا والعراق واليمن، إضافة إلى القضية الفلسطينية كلها ملفات ستتأثر بأي تفاهم أميركي ـ إيراني، سواء كان محدوداً أو شاملاً.
وبالنسبةللفلسطينيين تحديداً تبقى المخاوف قائمة من أن تنشغل القوى الدولية والإقليمية بترتيباتها الجديدة فيما تستمر إسرائيل في فرض الوقائع على الأرض في غزة والضفة الغربية والقدس من خلال الحرب والاستيطان ومحاولات تقويض أي أفق سياسي يضمن الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني.
ويمكن القول إن ما نشهده اليوم لا يبدو اتفاقاً نهائياً بقدر ما يبدو بداية مسار جديد لا تزال نتائجه مفتوحة على أكثر من احتمال. فالتفاهم الحالي قد يتحول مع الوقت إلى اتفاق أوسع إذا توفرت الإرادة السياسية لدى الطرفين، وقد يبقى مجرد محطة مؤقتة إذا عادت الخلافات إلى الواجهة.
لكن المؤكد أن المنطقة دخلت مرحلة جديدة من الانتظار والترقب، وأن أي خطوة إضافية في هذا المسار لن تبقى محصورة بين واشنطن وطهران، بل ستنعكس بصورة أو بأخرى على مجمل التوازنات السياسية والأمنية في الشرق الأوسط.

شارك على :

واتس أب
فيسبوك
تويتر
تيليغرام
لينكد إن
بين تريست
الأيميل
طباعة