يثير المقال المنشور تحت عنوان «حول الهوية الوطنية والسلطة والمواطنة» لرئيس كتلة الوفاء للمقاومة النائب محمد رعد، قضية حقيقية تستحقّ النقاش، هي أزمة الهوية الوطنية في لبنان. إلا أن المشكلة الأساسية في النص تكمن في أنه يبدأ بالسؤال عن الهوية وينتهي إلى تعريفها تعريفاً سياسياً ضيقاً يجعلها مرادفة لموقف محدّد من المقاومة والصراع مع إسرائيل، بحيث يصبح الاختلاف مع هذا الموقف دليلاً على ضعف الوطنية أو حتى على التواطؤ مع العدو.
وهنا تحديداً تكمن المعضلة. فالهوية الوطنية لا يمكن أن تكون ملكاً لفريق سياسي أو طائفة أو محور إقليمي. ولو كانت كذلك لَما بقيت هوية وطنية جامعة، بل تحوّلت إلى أيديولوجيا فئوية تستخدم الدولة لتكريس رؤيتها الخاصة.
أولاً: الخلاف حول المقاومة ليس خلافاً على الوطن
ينطلق الكاتب من فرضية أن جزءاً من اللبنانيين بات أقل عدائية تجاه إسرائيل وأن ذلك يعكس أزمة هوية وطنية. لكنّ هذا الاستنتاج يتجاهل حقيقة أن اللبنانيين مختلفون منذ عقود حول وسائل حماية لبنان، لا حول حق لبنان في البقاء أو السيادة. فالخلاف القائم ليس بين من يريد لبنان ومن لا يريده، ولا بين وطنيين وخونة، بل بين رؤيتين:
أولى، ترى أن حماية لبنان تكون عبر استمرار المقاومة المسلّحة خارج إطار الدولة، وثانية ترى أن حماية لبنان تكون عبر احتكار الدولة للسلاح والقرار العسكري والسيادي.
قد تكون إحدى الرؤيتين أكثر صواباً من الأخرى، لكن لا يجوز احتكار الوطنية لحساب إحداهما وتجريد الأخرى من صفتها الوطنية. فالوطنية لا تُقاس بمقدار التأييد أو المعارضة لحزب أو تنظيم أو استراتيجية عسكرية، بل بمدى الالتزام بمصلحة الدولة اللبنانية وسيادتها ومؤسساتها.
ثانياً: الطائف لم يجعل المقاومة بديلاً عن الدولة
يستشهد الكاتب بوثيقة الوفاق الوطني في موضوع تحرير الأرض. لكنّ القراءة الدقيقة للطائف تُظهِر أن الاتفاق كان يهدف أساساً إلى إعادة بناء الدولة اللبنانية بعد الحرب الأهلية، وليس إلى إنشاء دولة مزدوجة المرجعيات أو مفتوحة على تعدّد مصادر القرار الأمني والعسكري. والطائف أعاد التأكيد على سيادة الدولة اللبنانية وعلى بسط سلطتها على كامل أراضيها وعلى حصرية المؤسسات الشرعية في إدارة الشأن العام.
ولذلك فإن استخدام الطائف لتبرير استمرار واقع موازٍ للدولة يتناقض مع فلسفة الاتفاق نفسه، لا بل مع كل الفلسفات التي تقوم عليها الأوطان. لأن الطائف جاء لإنهاء منطق الجبهات والميليشيات والكانتونات، لا لإنتاج صيغ جديدة ومُنقّحة منها.
ثالثاً: المشكلة ليست في غموض الهوية بل في غياب الدولة
يحمل المقال ما يسمّيه «الغموض في هوية لبنان» مسؤولية الانقسام القائم. لكنّ الواقع يشير إلى أن المشكلة ليست في هوية لبنان بقدر ما هي في ضعف مؤسساته. واللبنانيون لا يختلفون حول اللغة أو العلم أو الحدود أو الكيان أو الدستور أو العيش المشترك. إنما يختلفون حول إدارة الدولة وتوزيع السلطة والعلاقة مع المحيط الإقليمي والدولي. وهذه خلافات سياسية طبيعية موجودة في كل المجتمعات الديمقراطية. ولكنّ المشكلة في لبنان أن هذا الخلاف أو الاختلاف سرعان ما يتحوّل إلى مشكل طائفي ومذهبي، إذ كل طائفة تعتبر حالها صوتاً داخلياً للدول التي تحميها وهذا ما يقتضي معالجته. أمّا تحويلها إلى أزمة وجودية في الهوية الوطنية فهو نوع من المبالغة التي تؤدّي عملياً إلى تعميق الانقسام بدل معالجته.
رابعاً: الخيانة ليست وصفاً سياسياً
من أخطر ما يرد في المقال التوسّع في استخدام مفاهيم مثل الخيانة والتواطؤ والعمالة. ففي الدول الحديثة لا يُعرَّف الخائن بأنه صاحب رأي سياسي مخالف. والخيانة مفهوم قانوني واضح تحدّده القوانين والمحاكم والمؤسسات القضائية. أمّا عندما يتحوّل إلى توصيف سياسي متبادل بين اللبنانيين فإن النتيجة تكون إلغاء إمكان الحوار الوطني. لقد عانى لبنان طويلاً من ثقافة التخوين المتبادل. وكل فريق اتهم الآخر بالعمالة للخارج، وكل طائفة رأت نفسها حامية الوطن ورأت الآخرين مصدر الخطر عليه. والنتيجة كانت الحرب الأهلية لا بناء الدولة.
خامساً: التناقض الحقيقي في المقال
يدعو الكاتب إلى عدم الاستقواء بالخارج وإلى تعزيز الهوية الوطنية. وهي دعوة محقّة من حيث المبدأ. لكن السؤال الذي يتجنّب النص الإجابة عليه هو: هل الاستقواء بالخارج يصبح مقبولاً عندما يكون الخارج حليفاً للمقاومة فقط؟ لأنه في حال كان معيار الوطنية هو رفض التبعية الخارجية، فإن هذا المعيار يجب أن يُطبّق على الجميع دون استثناء. أمّا إذا أصبح الخارج المقبول هو فقط الخارج المتوافق مع خيار سياسي معين، والخارج المرفوض هو الخارج المختلف معه، فإننا لا نكون أمام مفهوم وطني للسيادة بل أمام مفهوم انتقائي لها.
سادساً: سجن المواطنين في بوتقات طائفية لتبرير التخوين
يصل المقال إلى ذروة خطورته عندما يمارس الكاتب عيناً ما يحذّر منه، مدّعياً بأنه «لم يعد مناسباً التدليس على اللبنانيين»، لينتهي إلى خلاصة تفيد بأن الخلافات الداخلية دفعت «فريقاً أو فريقين من اللبنانيين ليتواطآ فعلاً وتوجّهاً مع عدو الوطن».
إن الخطورة الوجودية في هذا الكلام تكمن في أمرين:
أولاً: أنه يسجن اللبنانيين في بوتقة طائفية عمياء، فيتعامل مع ملايين المواطنين ككتلة صمّاء واحدة متواطئة مع العدو، ملغياً تماماً قيمة الفرد، وحقه في الاختلاف، واستقلالية خياراته السياسية خارج القيد الطائفي. كما يتهم مجموعتين كاملتين في التآمر على مجموعة من دون أي مستند إلا رفض حربَي الإسناد اللتين زُجّ بهما لبنان، ويعزّز الانقسام الطائفي مع ما يستتبع ذلك من توترات داخلية.
ثانياً: إن التلميح بأن هذا المشهد «يكفي لإعادة النظر في المسائل التصالحية» هو تهديد مباشر ومقنع بنسف السلم الأهلي وعقد الطائف، والعودة بالبلاد إلى منطق الغلبة وفرض الشروط بالقوة. فيما التدليس الحقيقي ليس في المطالبة بحصر السلاح بيد الدولة، بل في إقناع الناس بأن كل من يطالب بالدولة والمؤسسات هو متآمر مع العدو، وذلك بهدف إبقاء اللبنانيين رعايا خائفين داخل طوائفهم، بدلاً من أن يكونوا مواطنين أحراراً في دولتهم.
سابعاً: الطائف ليس المشكلة بل في عدم الشفافية بين اللبنانيين
يعتبر الكاتب أن الطائف تضمّن مواربات وغموضاً ساهما في الأزمة الحالية.
ورغم وجود ثغرات فعلية في بعض النصوص الإجرائية، إلا أن المشكلة الأساسية لم تكن يوماً في الاتفاق نفسه. ومعظم بنود الطائف الإصلاحية لم تُنفّذ أصلاً، وهنا يُطرح السؤال على الكاتب حول المساعي التي قام بها حزب الله، الذي يشكّل أحد أهم المشاركين في السلطة لاستكمال الطائف، والأهم من ذلك كله هل يمكن تحقيق الطائف أو أي اتفاق آخر إذا لم تتحقّق حصرية المؤسسات الشرعية لإدارة الشأن العام؟
الصراحة أن أحداً لا يريد تطبيق الطائف، وهناك توافق سلمي على عقد اجتماعي يحمي التركيبة التي يتكوّن منها لبنان، دون أن تشعر مجموعة أو أن تدّعي بأنها مظلومة ومُحاصرة من قبل المجموعات الأخرى. الكذب هنا لم يعد يفيد، لأنه في حالة تخيير اللبنانيين بين الحرب الداخلية التي لمّح إليها الكاتب، والانفصال الحبي، فاعتقادي بأن اللبنانيين يميلون إلى الانفصال.
أخيراً، فإن الهوية الوطنية اللبنانية لا تُبنى على تقسيم اللبنانيين بين مقاومين وخونة، ولا بين وطنيين وعملاء. كما لا تُبنى على إنكار التهديد الإسرائيلي الحقيقي. والسؤال هو: لماذا فشل مشروع بناء الدولة؟ هل السبب في من تولّى الحكم، أم بسبب كوننا «مجموعات» لا يمكن جمعها في دولة واحدة؟
*محامٍ وناشط سياسي