علي ناصر الدين
في الثاني من تشرين الأول عام 1917، خطّ وزير خارجية بريطانيا أسطراً قليلة وعد فيها باسم التاج البريطاني بمنح أرض شعبٍ لشعبٍ آخر. لم يُسأل أهل فلسطين، ولم تُستشَر شعوب المنطقة. كان القرار يُصنع في لندن، وسيُنفَّذ في الشرق، وسيدفع ثمنه العالم أجمع. ذلك الوعد المشؤوم لم يكن مجرد وثيقة ديبلوماسية، بل كان شرارةً أشعلت فتيل أطول جريمة استعمارية في التاريخ الحديث، جريمة لا تزال تتوسع وتشتعل وتتمدد حتى هذه اللحظة.
هذا الكيان الذي وُلد من رحم الاستعمار، ونشأ في كنف الغرب، وترعرع تحت مظلة الولايات المتحدة الأميركية، لم يكن يوماً مجرد دولةٍ في خريطة العالم. كان منذ اللحظة الأولى مشروعاً غريباً عن جغرافيا المنطقة وعن تاريخها وعن نسيجها الإنساني، زُرع بالقوة وصُودق عليه بالإكراه، وحُمي بالفيتو وغُذّي بالسلاح. وما الحرائق التي تشتعل اليوم من جنوب لبنان إلى غزة، ومن البحر الأحمر إلى مضيق هرمز، إلا الأثمان المتراكمة لتلك الجريمة التأسيسية التي ارتكبها الغرب ذات يوم، ثم تركها تنمو وتتمدد وتقتل.
في الثامن عشر من حزيران 2026، وُقّعت مذكرة تفاهم بين واشنطن وطهران حملت في بنودها بصيصاً من الأمل، إذ نصّت على وقف فوري ودائم للعمليات العسكرية على جميع الجبهات بما في ذلك لبنان. غير أن الحبر لم يجفّ حتى عادت إسرائيل إلى ما تُجيده. فقصفت طائراتها جنوب لبنان وسهل البقاع، مهدّدة مسار مذكرة التفاهم قبل أن تنطلق المفاوضات مثبّتة وقف إطلاق النار الكامل في لبنان.
والمشهد لا يحتاج إلى كثير تأمل. ثمة توزيع للأدوار تتقنه واشنطن وتل أبيب بإحكام منقطع النظير. أميركا تتفاوض وإسرائيل تقصف، أميركا تتحدث عن السلام وإسرائيل تمزّق وقف إطلاق النار، أميركا توقّع المذكرات وإسرائيل تنتهكها. هذا ليس تناقضاً بين حليفين، بل هو شراكة محكمة في مشروعٍ واحد تتوزع فيه الأقنعة. من الواضح أن مصير المفاوضات يبقى رهيناً بمدى قدرة الإدارة الأميركية على ضبط التحركات الإسرائيلية، لكن السؤال الحقيقي ليس إن كانت أميركا قادرة على ذلك، بل إن كانت تريده أصلاً.
في مواجهة هذا العبث، صدح صوت المقاومة واضحاً. أعلن الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم أن المخطط الأميركي الإسرائيلي يستهدف إنهاء المقاومة اللبنانية بشكل كامل، متعهداً بإخراج قوات الاحتلال من كل المناطق التي احتلتها في لبنان. وأكد أن المقاومة لم تُعطِ التزاماً لأحد بعدم مقاومة العدوان، وأنه ما دامت القرى غير آمنة، فلن تكون المستوطنات آمنة، وما دام الاحتلال موجوداً فالمقاومة مستمرة. وكشف عن جوهر المشروع الإسرائيلي حين أشار إلى أن إنهاء حزب الله كلياً يعني في حقيقته إبادة شريحة كبيرة من اللبنانيين وترحيلهم. هذه ليست كلمات حزبية ضيقة، بل شهادة حيّة على طبيعة صراع وجودي لا يتعلق بحدود أو معابر، بل بوجود شعب بأكمله وحقه في أرضه وكرامته وبقائه.
غير أن الصورة لن تكتمل إن لم نقف عند الثمن الذي يدفعه العالم كله بسبب هذا الكيان المتمرد على كل قانون وكل تفاهم. فمضيق هرمز، ذلك الممر البحري الضيق الذي يتحكم في شريان الطاقة للكوكب، بات رهينة مباشرة لعودة الاعتداء الإسرائيلي. يمر عبر المضيق نحو عشرين مليون برميل يومياً من النفط الخام والمنتجات المكررة، أي ما يعادل خُمس الطلب العالمي على النفط. وكلما أشعلت إسرائيل جبهة جديدة وخرقت تفاهماً قائماً، تشتعل معها أسواق الطاقة العالمية.
تتزايد المخاوف من تداعيات اقتصادية واسعة النطاق مع احتمال تكرار توقف شبه كامل لحركة الشحن عبر هذا الممر الحيوي. أما الدول الآسيوية من الصين إلى الهند والتي تعتمد على ممر هرمز لنقل نحو سبعين بالمئة من وارداتها النفطية، فستكون من بين الأكثر تضرراً، مع انعكاساتٍ قد تمتد إلى حركة الملاحة في قناة السويس؛ أزمة مركبة تتداخل فيها الطاقة مع الأمن الغذائي وسلاسل التوريد. وما بات واضحاً أن أي تعطّل طويل في مضيق هرمز قد يدفع الاقتصاد العالمي إلى مرحلة من عدم الاستقرار. هذه هي الفاتورة الحقيقية لكل خرقٍ إسرائيلي، فاتورةٌ لا يدفعها اللبنانيون وحدهم ولا الفلسطينيون وحدهم، بل يدفعها المستهلك في طوكيو وبرلين ولندن وأوروبا عموماً حين يملأ خزان سيارته، ويدفعها الفقير في آسيا وأفريقيا حين يجد رغيف الخبز قد ارتفع ثمنه بسبب حرب لا ناقة له فيها ولا جمل.
ويبقى الجرح الأعمق هو منظومة الإفلات من العقاب الممنوحة لهذا الكيان. فمنذ القرار 242 عام 1967 حتى يومنا هذا، اعتمدت الأمم المتحدة مئات القرارات التي تطالب إسرائيل بالانسحاب وإنهاء الاستيطان ووقف الحصار، وفي كل مرة كان الفيتو الأميركي درعاً في وجه المحاسبة. هذه الحصانة المديدة هي التي علّمت إسرائيل أنها فوق القانون، وأن بإمكانها أن تُفجّر كل مسار وتخرق كل اتفاق دون أن تدفع ثمناً.
أنتم من صنعتم هذا الكيان باتفاقياتكم ووعودكم وأصواتكم في الأمم المتحدة. وأنتم من غذّيتموه بالسلاح والمال والغطاء الديبلوماسي عقوداً بعد عقود. وأنتم من أسكتّم أصواتكم حين كانت المجازر تُرتكب، وأدرتم وجوهكم حين كانت المدن تُحرق والأطفال تُدفن تحت الأنقاض.
أيتها الولايات المتحدة الأميركية تحديداً، أنتِ التي تُعلنين للعالم أنكِ حارسة الديموقراطية وراعية حقوق الإنسان، كيف تجلسين على طاولة التفاوض في سويسرا بيد، وتمسكين بيدك الأخرى يدَ كيان يقصف في لبنان في اللحظة ذاتها؟ أيُّ سلامٍ هذا الذي تصنعينه، وأيُّ ضمانة تُعطينها، وقد رأى العالم كيف تتبخر وعودك مع كل صاروخٍ إسرائيلي يخترق سماء جنوب لبنان؟ لقد بات صدقُ أميركا في الشرق الأوسط عملة لا يقبلها أحد، وباتت ضماناتها حبراً على ورق تمحوه آلة الحرب الإسرائيلية في غضون ساعات.
أيها الغرب أجمع، لقد آن الأوان لمواجهة حقيقة لا مهرب منها: إسرائيل ليست مشكلة الفلسطينيين وحدهم، وليست مشكلة العرب وحدهم، وليست مشكلة المسلمين وحدهم. إسرائيل، بحروبها التي لا تنتهي وخرقها المنهجي لكل قانون وكل تفاهم وكل وقف نار، باتت مشكلة العالم بأسره. فاتورتها تطرق أبواب الجميع في ارتفاع أسعار النفط، وفي اضطراب الملاحة الدولية وإغلاق مضيق هرمز، وفي موجات اللجوء التي تضرب مجتمعاتكم، وفي الكراهية المتراكمة التي تُهدد سلمكم الاجتماعي قبل سلمنا، وفي التضخم الذي يُثقل كاهل مواطنيكم قبل مواطنينا.
صنعتموه أيها الغرب، وربّيتموه ودلّلتموه وحميتموه من كل محاسبة، وها هو يحرق الشرق ويُقلقل العالم ويُكذّب كل شعاراتكم عن السلام والقانون والإنسانية. والفاتورة، مهما طال الزمن وتراكمت الدماء وارتفعت أسعار النفط، لن تسقط بمرور الزمن، ولن يُعفيكم منها صمتٌ مريب، ولا تصفيقٌ في قاعات الأمم المتحدة.
* باحث لبناني