آخر الأخبار

المنتخبات العربية في كأس العالم 2026… تألقٌ إفريقي وإخفاقٌ آسيوي

c2dac048-1e27-4eff-b8ea-caf98d669713

كتب: خليل إبراهيم طه العلي

شهدت بطولة كأس العالم 2026 أكبر حضور عربي في تاريخ المونديال، بمشاركة ثمانية منتخبات عربية، إلا أن الحصيلة النهائية بعد نهاية دور المجموعات جاءت متباينة، إذ نجحت المنتخبات العربية الإفريقية في فرض حضورها بقوة، بينما عانت المنتخبات العربية الآسيوية من الخروج المبكر أو عدم القدرة على مواصلة المشوار حتى دور الـ32، في مشهد يعكس الفارق في مستوى الجاهزية والخبرة بين المدرستين العربية الإفريقية والعربية الآسيوية.

فقد تمكنت منتخبات المغرب ومصر والجزائر من بلوغ دور الـ32، لتؤكد أن كرة القدم العربية في القارة الإفريقية تواصل تطورها الفني والتكتيكي، مستفيدة من الاحتكاك المستمر في البطولات القارية والدوريات الأوروبية، ومن وجود نخبة كبيرة من اللاعبين المحترفين الذين يكتسبون خبرات عالية في أقوى المنافسات العالمية، الأمر الذي انعكس على شخصية هذه المنتخبات وقدرتها على التعامل مع المباريات الصعبة والحاسمة.

في المقابل، لم تتمكن منتخبات الأردن والعراق والسعودية وقطر وتونس من تحقيق الهدف المنشود، رغم أن بعضها قدم مستويات جيدة في فترات من مبارياته، وأظهر روحًا قتالية وإصرارًا على المنافسة، إلا أن ذلك لم يكن كافيًا لحصد النقاط المطلوبة في بطولة لا تحتمل الأخطاء، وتفرض على المنتخبات المحافظة على أعلى درجات التركيز والانضباط طوال دقائق المباراة.

ولا يمكن اختصار أسباب الإخفاق العربي الآسيوي في عامل واحد، بل هي نتيجة مجموعة من العوامل المتراكمة، يأتي في مقدمتها تفاوت مستوى المنافسات المحلية مقارنة بالدوريات العالمية، ومحدودية عدد اللاعبين الذين يخوضون تجارب احترافية في أوروبا، إضافة إلى نقص الخبرة في إدارة المباريات الكبيرة، وغياب الحسم في استثمار الفرص، فضلًا عن بعض الأخطاء التكتيكية وفقدان التركيز في اللحظات الحاسمة، إلى جانب وقوع بعض المنتخبات في مجموعات قوية ضمت مدارس كروية تمتلك خبرة طويلة في بطولات كأس العالم.

ولعل أكثر النتائج التي أثارت الاستغراب كانت خروج المنتخب التونسي دون أن يقدم المستوى المعروف عنه في مشاركاته السابقة، وهو ما شكّل صدمة لجماهيره وللمتابعين، ويستدعي مراجعة فنية وإدارية شاملة تعيد لهذا المنتخب مكانته المعهودة كأحد أبرز المنتخبات العربية والإفريقية.

وفي المقابل، فإن النجاح الذي حققته المنتخبات العربية الإفريقية لم يكن وليد الصدفة، بل جاء نتيجة عمل متواصل امتد لسنوات، اعتمد على تكوين قاعدة واسعة من اللاعبين المحترفين في أوروبا، والاستفادة من الخبرات التدريبية الحديثة، إضافة إلى تراكم المشاركات في البطولات الكبرى، وهو ما منح هذه المنتخبات شخصية قوية داخل الملعب، وقدرة على فرض أسلوبها، والتعامل بهدوء مع الضغوط، وحسم المباريات عندما تتاح الفرصة، فضلًا عن الاستقرار الفني والإداري، والاهتمام بتطوير الفئات العمرية، ووضع خطط طويلة الأمد لبناء منتخبات قادرة على المنافسة قارياً وعالمياً.

ويحمل دور الـ32 تحديات كبيرة للمنتخبات العربية الثلاثة. فالمنتخب المغربي يصطدم بالمنتخب الهولندي، بينما يواجه المنتخب الجزائري منتخب سويسرا، ويلتقي المنتخب المصري مع منتخب أستراليا. وتبدو حظوظ المنتخبات العربية قائمة في بلوغ دور الـ16 إذا ما حافظت على مستواها الفني، ونجحت في استثمار الفرص وتقليل الأخطاء، خصوصًا أن مباريات الأدوار الإقصائية تختلف عن دور المجموعات، وغالبًا ما تُحسم بتفاصيل صغيرة أو بلقطة فردية أو قرار تكتيكي ناجح.

ورغم مرارة خروج خمسة منتخبات عربية من الدور الأول، فإن تأهل ثلاثة منتخبات عربية إلى دور الـ32 يبقى مؤشرًا إيجابيًا على تطور كرة القدم العربية، لكنه في الوقت نفسه يؤكد الحاجة إلى مراجعة شاملة، خاصة في الدول العربية الآسيوية، من خلال تطوير مسابقات الفئات العمرية، وتوسيع قاعدة الاحتراف الخارجي، والاهتمام بإعداد اللاعبين والمدربين وفق أحدث الأساليب العلمية، حتى يصبح الوجود العربي في كأس العالم حضورًا قادرًا على المنافسة الحقيقية، وليس مجرد مشاركة مشرفة.

ويبقى الأمل معقودًا على المغرب ومصر والجزائر لمواصلة كتابة صفحة جديدة في تاريخ الكرة العربية، وإثبات أن المنتخبات العربية قادرة على الذهاب بعيدًا في أكبر محفل كروي في العالم، متى توافرت الرؤية الواضحة، والتخطيط السليم، والاستثمار الحقيقي في الإنسان الرياضي.

شارك على :

واتس أب
فيسبوك
تويتر
تيليغرام
لينكد إن
بين تريست
الأيميل
طباعة