صاغ الأديب الشهيد غسان كنفاني في نتاجه الأدبي ونضاله السياسي نموذج المثقف العضوي المشتبك الذي يرى الكلمة أداة نضالية وفعل مقاومة بمواجهة الاحتلال لا تقل أهمية وخطورة عن الرصاصة، وهذا ما أكدته المهاجرة الأوكرانية غولدا مائير رئيسة وزراء كيان الاحتلال بعد عملية اغتيال غسان كنفاني في الثامن من تموز عام 1972 حين قالت: اليوم تخلصنا من لواء فكري مسلح، وهو كان أخطر على إسرائيل من ألف فدائي مسلح.
عرف غسان كنفاني في مسيرة الثورة الفلسطينية المعاصرة خاصة في مرحلة البدايات كرمز ثوري تميز بالالتزام الحزبي والتنظيمي، وبالصلابة الثورية المبدئية والربط الصارم ما بين الأفكار النظرية والممارسة العملية المرتبطة بالقضية والثورة والجماهير، وقد ظهر ذلك في عدة مجالات ومنها دوره كمتحدث رسمي باسم الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، ورئيس لتحرير مجلة الهدف التي جعلها منبراً ل فلسطين ولحركات التحرر في العالم، انطلاقاً من نظرته إلى القضية الفلسطينية باعتبارها قضية الأحرار وعشاق الحرية المناهضين الإمبريالية العالمية، وهو من جعل فلسطين وشعبها وثورتها تكسب اعترافاً وتضامناً واسعاً من قوى اليسار في العالم.
ساهم غسان كنفاني في عمله السياسي والثقافي ونتاجه الأدبي في صياغة الوعي الثوري تجاه القضية الفلسطينية، كما ساهم خطابه السياسي في تفكيك الدعاية الصهيونية التي تستخدم الروايات والأساطير لتزييف التاريخ وتبرير المجازر والتهجير والاحتلال والاستيطان، وقد أدى خطابه السياسي الذي تميز بالوضوح الحاسم وتحديد معسكر الأصدقاء إلى عولمة القضية الفلسطينية ودمجها في شبكة اليسار الثوري العالمي، مما شكل تهديداً استراتيجياً لكيان الاحتلال الإسرائيلي، وذلك من خلال: أولاً التركيز على الحركة الصهيونية باعتبارها حركة استعمارية عنصرية استيطانية وظيفية تخدم مصالح الولايات المتحدة والغرب. وثانياً: بسبب دوره على صعيد صياغة الاستراتيجية السياسية، وتأصيل الهوية الفلسطينية بمواجهة الخطر الصهيوني ورواياته وأفعاله الدموية على أرض فلسطين.
وثالثاً: من خلال التأكيد بأن المعركة هي معركة السردية والهوية بمختلف أشكال المقاومة ومنها الأدب والفن المقاوم لحماية الذاكرة الفلسطينية من محاولات الطمس والتشويه.
كتب غسان كنفاني عدداً كبيراً من الكتب والدراسات والمقالات السياسية إضافة لنتاجه الأدبي، وذلك انطلاقاً من حسه الثوري كأديب وسياسي يحلل ويؤرخ ويؤسس لغة سياسية وطنية مرتبطة بالبعد الثقافي والاخلاقي والإنساني، وباعتباره أديباً جمع ما بين الإبداع الأدبي والالتزام السياسي حيث كتب بلغة تتشابك فيها طبيعة المجتمع الفلسطيني والوعي الطبقي ودور المثقف ووظيفة التنظيم السياسي، ولم يفصل غسان كنفاني في السياسة والثقافة والأدب ما بين السياسة والنضال والفكرة واللغة بل أكد دائماً على مسألة الوعي من خلال العمل السياسي وأصدر حتى استشهاده ثمانية عشر كتاباً وكتب مئات المقالات والدراسات في الأدب والثقافة والسياسة، ومن أبرز كتبه السياسية:
-1 كتاب ثورة 1936- 1939 في فلسطين– خلفيات وتفاصيل. وقدم فيه تحليلاً وقراءة عميقة لأسباب فشل ثورة العام 1936.
-2 أدب المقاومة في فلسطين المحتلة 1948-1966. وفيه عرفنا غسان كنفاني بالأدباء والشعراء في فلسطين المحتلة عام 1948، وفي هذا الكتاب كان غسان أول من صك مصطلح (أدب المقاومة) وقد ساهم هذا الكتاب بكسر العزلة عن الأدباء والشعراء في الداخل وعرف العالم بهم.
3 – كتاب الأدب الصهيوني، الذي صدر عام 1966 وفيه أكد غسان كنفاني بأن الأدب الصهيوني يستخدم الفن في جميع أشكاله بهدف التضليل والتزوير لحقائق الأرض والتاريخ والإنسان.
4 – الوثيقة السياسية للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين (التقرير الاستراتيجي) 1969. وفيه ساهم غسان كنفاني في صياغة البرنامج السياسي للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وهذا الإسهام مازال حاضراً في المسيرة الكفاحية منذ البيان الأول حتى يومنا هذا بخطاب ثوري أصيل عنوانه، خلف العدو في كل مكان، والحقيقة كل الحقيقة للجماهير.
في السياسة والثقافة والأدب لم تكن روايات غسان كنفاني سرديات عاطفية واجتماعية، بل كانت موقفاً وتحليلاً سياسياً مبنياً على جذور شجرة الانتماء ووفق المفهوم الذي صاغه في روايته عائد إلى حيفا (إن الوطن أن لا يحدث هذا كله) ومن هذه الجذور والمفاهيم شكل غسان كنفاني ظاهرة فريدة تجمع ما بين الكلمة الثائرة المبدعة والموقف السياسي الصلب، أي أنه لم يكن مجرد كاتب وأديب ينقل مأساة شعبه، بل كان في عمله السياسي في صفوف الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، قائداً ومنظراً ومفكراً ومثقفاً عضوياً مشتبكاً بسلاح الوعي والممارسة الثورية في معركة النضال من أجل محو آثار النكبة والعودة والخلاص من الاحتلال، ملخصاً الصراع مع المشروع الصهيوني الاستعماري، بأنه صراع وجودي حتمي، كما اعتبر بموافقة السياسة الجلوس مع المحتل على طاولة المفاوضات هو بمثابة حوار السكين والرقبة، وجسد في مقالاته السياسية بمجلة الهدف الرؤية الثورية الثاقبة والرافضة لتسويق مشاريع تصفية القضية الفلسطينية على حساب الحقوق الوطنية المشروعة.
لقد صهر غسان كنفاني حبره في دمه محولاً الفكرة إلى صخرة ومتراس لا يلين وراية عالية، كي يظل حلم وقلم الكاتب والأديب والمفكر وبندقية الفدائي، خطاً نضالياً واحداً صامداً ومقاوماً للاحتلال، وهذا ما حول كلماته إلى زاد يومي للسائرين على طريق المقاومة في سبيل العودة والاستقلال، دون أي تراجع عن الهدف الأسمى وهو تحرير فلسطين كل فلسطين.
بقي غسان كنفاني حاضراً من خلال أعماله كجزء من الوعي والذاكرة والمعنى الذي لا ينطفئ، وبقي شاهداً حياً على الفكرة التي لا تموت برحيل صاحبها، بل تولد مع كل جيل يحمل الفكرة ويرفض الخضوع والانكسار، وهو الآن موجود في عكا و القدس وغزة، وفي عتمة المخيمات يضيء الطريق للمهتدين بفكره الثوري ولكل السائرين نحو فجر العودة والتحرير والاستقلال.