منير شفيق
لعلّ التمييز بين الشهداء، ولا سيما كبارهم، ليس بالخط الصحيح، ولا بالمأمون العواقب، ولا من المقبول منهم، وربما بلا استثناء. لأن استشهاد القادة العظماء، عظيم، مع كل واحد منهم.
ولكن مع استشهاد الإمام المرشد الأعلى والقائد العالمي السيد علي الخامنئي، ثمّة خصوصيات استثنائية فيه لا مثيل لها.
أراد الرئيس الأميركي دونالد ترامب ونتنياهو، منذ بدء الحرب ضدّ إيران، أن يؤدّي اغتيال الإمام الخامنئي إلى انهيار النظام الإسلامي، نظراً إلى أهميته كقائد استثنائي، وإلى كونه باني الدولة الإسلامية، خليفة للإمام الخميني. وقد قاد في عهده مقاومة لأميركا والكيان الصهيوني، طوال 36 عاماً ويزيد.
وهي المقاومة الأعمق جذرية، والأشدّ خطورة ضد أميركا، الدولة الكبرى الرقم 1 في العالم، وضدّ الحركة الصهيونية، الأكثر نفوذاً في محيط الغرب الذي يسيطر على العالم.
على أن الذين اغتالوه، لم يحسبوا أن تحييده لن يؤدّي إلى القضاء على النظام الذي بناه، ليزيد قوةً باستشهاده ومن بعده. بل ليكون مؤهّلاً في مواجهة الحرب التي يشنّها أكبر جيش عسكري في العالم (ربما الجيش الصيني، وحده الذي يوازيه).
وهذا ما حدث فعلاً، مما يزيد من أهمية ما أنجزه الإمام الخامنئي، طوال عهده في قيادة الثورة الإسلامية في إيران، بعد الإمام الخميني.
وهي مرحلة كانت شديدة الوطأة على إيران، حصاراً اقتصادياً وسياسياً وعلمياً. ولهذا يُشك أن غيره في القيادة، في تلك الظروف، كان يستطيع مثله أن يطوّر إيران عسكرياً وسياسياً، ومتانة نظام وقدرة، وهذا ما ظهر في الحرب التي ما زالت على أشدّها. ويكفي ما وصلته من تطوير للأسلحة الصاروخية دليلاً على الأبعاد الأخرى التي سمحت للقيادة، خليفة الإمام الشهيد علي الخامنئي، أن تقود حرباً ندّية مع أميركا، وأن تُنزِل ضربات ثقيلة في الكيان الصهيوني، وبهذا يكون السحر، بالنسبة إلى ترامب ونتنياهو، قد انقلب على الساحر. كما ينطبق القول المأثور من جهة أخرى: خير خلف لخير سلف.
على أن البُعد الذي لم يحسبه ترامب، ودعك من نتنياهو الذي لا يُحسب، تمثّل في ما صنعته، لحظة استشهاده ومعه عدد من عائلته، في موقف الرأي العام الإيراني. وقد راح يلتفّ حول الخط الذي سار عليه الإمام.
واللافت للنظر ما صنعته لحظة استشهاده من انضمام أوساط مهمّة، من معارضي النظام، إلى تشكيل أكبر وحدة شعبية إيرانية، تحت القيادة الجديدة، وفي خوض الحرب. وهو نادراً ما كان يحدث في الحالات المشابهة.
الأمر الذي يعني أن استشهاد الإمام، والطريقة المؤمنة المطمئنة التي استقبل فيها الإمام هذا الاستشهاد، قد ولّدا وحدة من جانب الشعب الإيراني، زادت الموقف المقاوم قوّة، وزادت أميركا عزلة وحرجاً. وراحت تقرّر لمصير الحرب في مصلحة إيران وحلفائها، وفي غير مصلحة ترامب ونتنياهو.
وهذا الذي عكسه اتفاق إنهاء الحرب الذي وقّعه رئيسا كل من إيران وأميركا. وأسفر أول ما أسفر عن إجبار نتنياهو على وقف إطلاق النار في كل لبنان، كما أوكل إلى إيران الإشراف على فتح مضيق هرمز، وتأمين حرّية العبور، طوال الستين يوماً المُحدّدة في الاتفاق.
على أن هذا الأثر الاستثنائي، الذي تجلّى فوراً بعد استشهاد الإمام الخامنئي، عاد ليتكرر في 4 تموز/ يوليو 2026، في يوم تشييع جثمانه إلى مثواه الأخير. وذلك من خلال مشاركة إيرانية شعبية، وصلت إلى الثلاثين مليوناً، وربما أكثر، في المواقع التي جرى فيها التشييع المَهيب، والمُعبِّر عن حب الشعب الإيراني الذي تضاعف، وغسل الهواء بدموعه.
لقد جاءت مناسبة التشييع في لحظة كانت فيها إيران بأمسّ الحاجة إلى ما شكّله من دعم في الحرب. وذلك بعد أن راحت أميركا تتراجع عن تنفيذ اتفاق إنهاء الحرب، لتعود مرّة أخرى إلى مرحلة المفاوضات والتهديد بالعودة إلى الحرب.
ومن هنا تكون المشاركة المليونية في التشييع عاملاً أضاف إلى إيران قوّة، وزاد ترامب إرباكاً وحرجاً. وذلك في مرحلة المواجهة الراهنة، التي تحتاج إلى التأكيد، مرّة أخرى، على رجحان ميزان القوى العام، الذي أنتج اتفاق إنهاء الحرب في مصلحة إيران وجبهتها.
فرحمة الله على الإمام الخامنئي، الذي وفّر للثورة الإسلامية طوال عهده صموداً وإنجازات، في أكثر الظروف غير المؤاتية، طوال الأربعين سنة الأخيرة، ووفّر باستشهاده وبتشييعه قوّة مضاعفة، في مواجهة حرب غير متكافئة، في السلاح والنيران، والتكنولوجيا، في حرب سيُهزَم مطلقوها فيها.
* كاتب وسياسي فلسطيني