بدر الحاج
منذ بدء التنفيذ التدريجي للمشروع الاستيطاني الصهيوني في فلسطين ومنطقة جبل عامل عرضة للضم. وطوال القرن الماضي وحتى اليوم أهملت السلطات القائمة في بيروت، من منطق طائفي بحت، المنطقة التي كانت ساحة للاعتداءات والاحتلالات الصهيونية المتواصلة. ونستطيع القول، بعد الاطلاع على ما جاء في تقرير كتبه من بيروت إلياهو ساسون في آب 1941، إن مصير الجنوب كان يتراوح بين مشروعين:
الأول، إمكانية بيعه للصهاينة كما جرى لمنطقة الحولة وغيرها من الأراضي في الجليل الأعلى.
أمّا الثاني، فهو تركه لمصيره، وهذا ما تم اعتماده من قبل النظام الطائفي في بيروت، وهذا الذي لا يزال مستمراً حتى اليوم.
تصدّر مصير منطقة جبل عامل موضوع المباحثات التي أجراها إلياهو ساسون في بيروت بتاريخ 11 آب 1941، وكتب يقول:
«أحد زعماء المسلمين في جبل عامل ـ محمد حاج العبدالله – اقترح عليّ شراء أراضي جبل عامل بأكمله مع التزام من جانبه بإخلائه من سكانه الشيعة (الذين يبلغ عددهم نحو 400,000 نسمة) ونقلهم إلى العراق خلال عشر سنوات (وهم المتاولة في جنوب لبنان). وإذا أردنا، سيُقدّم لنا مذكّرة في هذا الشأن بتوقيع جميع الشيعة والقادة في جبل عامل، تتضمّن جميع الشروط لذلك.
ذكر موضوع جبل عامل ورد أيضاً في محادثتي مع رئيس حكومة لبنان السابق بشارة الخوري (1) الذي يُعتبر أحد قادة الموارنة في لبنان ويقف على رأس الحزب المعارض لرئيس الجمهورية السابق إميل إده. جئت إليه بتوصية من الأسقف عبدالله خوري. في حديثنا عن ضرورة التعاون بين أرض فلسطين اليهودية ولبنان الماروني قال: «بيننا وبينكم يقف حاجز يجب إزالته، وهو جبل عامل. هناك ضرورة لإخلائه من سكانه الشيعة الذين يشكلون خطراً دائماً على البلدين، والذين تعاونوا في زمن الأحداث في أرض فلسطين مع عصابات المفتي في تهريب السلاح والأشخاص».
في رأي بشارة الخوري، يجب إخلاء الجبل من سكانه، ومع ذلك، إسكانه بعد الحرب بموارنة من أبناء لبنان الموجودين الآن في أمريكا. اقتراحه لنا: «أن نقرض بطريرك الموارنة، أنطون عريضة، مبلغاً كبيراً من المال لكي يشتري الجبل بشرط أن يستوطن هناك في المستقبل موارنة فقط». وأضاف: «بهذه الطريقة سيكون الموارنة جيراناً لليهود ويمكنهم التعاون معهم دون إزعاج. سيقف اليهود والموارنة إذاً كتفاً بكتف أمام الطوفان العربي ــ الإسلامي في الشرق. وهكذا سيضمن اليهود بذلك حدودهم الشمالية».
أُثيرت مسألة جبل عامل بسبب الدعاية الألمانية. في الأشهر الأخيرة بدأ الدعاة النازيون بنشر أكاذيب عن تطلعات اليهود تجاه لبنان وسوريا. نشروا معاهدة مزورة تتضمن التزاماً بريطانياً لليهود بضم جبل عامل إلى الوطن القومي اليهودي. نُشرت الوثيقة على نحوٍ ناجح جداً، حتى أن الموارنة بدأوا يصدقونها.
الضائقة الاقتصادية تحتل المرتبة الأولى في تفكير سكان لبنان وسوريا هذه الأيام. في الأسبوع الماضي عُقدت في مدن سوريا ولبنان اجتماعات نوقشت فيها طريقة حل الضائقة الاقتصادية المتفاقمة يوماً بعد يوم في البلدين. انتهت هذه الاجتماعات بتقديم مذكرات للسلطات الفرنسية والإنكليزية تقترح إزالة جميع قيود الجمارك بين سوريا ولبنان من جهة، وأرض فلسطين وشرق الأردن من جهة أخرى، وإعلان حرية التجارة بينها. كثرت الأخبار والمقالات في صحافة سوريا ولبنان التي تطالب بقوة بإلغاء قيود الجمارك بين هذه البلدان الأربعة.
أخبرني مصدر فرنسي مخول في بيروت أن جميع القادة العرب في بيروت ودمشق الذين دُعوا إلى الجنرال ديغول لمناقشة مشتركة حول مسألة مستقبلهم السياسي، طلبوا منه أولاً الاهتمام بتحسين الوضع الاقتصادي.
في جميع محادثاتي مع شخصيات في لبنان أثرت فكرة التعاون الاقتصادي بين لبنان وأرض فلسطين والفائدة التي ستنبع لهم من ذلك. عند الجميع وجدت أذناً صاغية. اكتشفت استعداداً لدى الصحافيين للكتابة في هذا الموضوع بما يخدم وجهة نظرنا. أعتقد أن هذه فرصة جيدة ويجب استغلالها فوراً. وبذلك يمكننا أيضاً تحقيق بعض الأهداف السياسية.
أما بالنسبة إلى التعاون السياسي بيننا وبين اللبنانيين، فيبدو لي أنه يمكن الحديث في الموضوع علناً مع الموارنة وبقية الطوائف المسيحية. هؤلاء يخافون من «الوحدة العربية» ومستعدون للتعاون معنا في النضال لكبحها.
من كلام قادة الموارنة فهمت أنهم ينوون تفعيل إخوانهم في الولايات المتحدة في هذا الشأن. هذا أمر يجب علينا، في رأيي، مناقشته واستغلاله.
نصحتُ جميع المسيحيين الذين اتصلت بهم بألا يسرعوا في الدخول في مفاوضات مع الفرنسيين والإنكليز بشأن استقلال لبنان أو اتحاده مع سوريا وبقية البلدان العربية. أوضحت أن من المرغوب تأجيل أي نقاش بشأن مستقبل لبنان حتى بعد الحرب. ووجدت موافقة عامة. لم أكتفِ بالمحادثات فقط، بل توصلت إلى اتفاق مع أربعة من صحافيي لبنان أن يكتبوا وفق خط التفكير هذا ويسعوا إلى إقناع، ليس فقط الموارنة، بل أيضاً السلطات الفرنسية والإنكليزية.
تصرفت هكذا لأنني سمعت من مصدر فرنسي مخول أن هناك خلافاً شديداً بين الإنكليز والفرنسيين بشأن مستقبل سوريا ولبنان، والرأي السائد هو أنه يجب تأجيل كل شيء حتى بعد الحرب. الرقابة لم تمنع الصحف الأربع من نشر مقالاتها في الموضوع. الجنرال ديغول لا يزال في بيروت وليتلتون (أوليفر ليتلتون وزير دولة لشؤون الشرق الأوسط) وصل إلى هنا هذه الأيام. وسمعت كذلك من المصدر الفرنسي المخول أن مناقشات تجري الآن بين الجنرالين الفرنسيين ديغول وكاترو والجنرالين البريطانيين ليتلتون وويلسون في المسائل السياسية الأساسية لسوريا ولبنان والاستعدادات العسكرية في الشرق الأدنى.
ملاحظة إضافية: أنوي البقاء أياماً قليلة إضافية لمتابعة هذه المناقشات ومحاولة تجنيد جهات إضافية لمحاربة خطة «الوحدة» لدى البريطانيين. رأيت من المناسب أن أعرض ما سمعته وفعلته في بيروت للنقاش في القسم السياسي، والحصول على موافقة لتوسيع العمل كي يشمل أيضاً سوريا ولبنان».
لا غرابة بما جاء في تقرير ساسون، فهناك اليوم في لبنان مَن يعتبر أن الجنوب مشكلة نغصت عليه عيشه. يقولون عن أهله علناً: «لا يشبهوننا»! نواب وإعلاميون ورجال دين ويساريون سابقون يتقاضون رواتبهم من السفارات يعلنون أنهم يريدون التعامل مع إسرائيل. وما نموذج بشارة الخوري إلا نسخة طبق الأصل عن بعض رجال السياسة الحاليين. الموضوع الأساسي هو التفوق المذهبي أولاً، والارتهان للقوى الخارجية التي تؤمن المصالح الفردية لطامحين في السلطة والنفوذ. بالنسبة إليهم الوطن مثل أي سلعة قابلة للبيع والشراء.
يستشرسون في قتال من ينافسهم، ويفجّرون الحروب الأهلية. لكنهم عبر تاريخهم لم يطلقوا رصاصة واحدة على من يحتل الأرض ويقتل كل من يحيا على ترابها، بل على العكس من كل ذلك يريدون من الصهيوني أن يزيل الحاجز الجنوبي، كي يتسنى لهم ولأحفادهم التربع على كرسي السلطة إلى الأبد.
تولى بشارة الخوري رئاسة الحكومة للمرة الأولى ما بين أيار 1927 وآب 1928، وفي المرة الثانية ما بين أيار 1929 و تشرين الأول 1929.
* كاتب لبناني