آخر الأخبار

كيف فشلت إسرائيل في تحقيق مكاسب إستراتيجية إقليمية مستدامة؟

حرب-غزة

مع انقضاء عامين على اندلاع حرب غزة واتساع رقعتها إلى ساحات إقليمية متعددة، يتبدد الادعاء الإسرائيلي بإحداث “تغيير الشرق الأوسط” لصالحها. فعلى الرغم من الحجم غير المسبوق للعمليات العسكرية الإسرائيلية، من غزة إلى لبنان وسوريا واليمن وإيران، فإن حصيلة الحرب لا تشير إلى تحوّل إستراتيجي راسخ في موازين القوة، بقدر ما تكشف عن إنجازات عسكرية موضعية رافقها إخفاق سياسي وإقليمي عميق.

هذا ما تخلص إليه دراسة نشرها مركز الجزيرة للدراسات في 8 ديسمبر الجاري، مبينة أن إسرائيل، التي سعت إلى تحويل الحرب إلى بوابة لهيمنة إقليمية جديدة وتوسيع دائرة التطبيع العربي، خرجت وقد خسرت فرص التطبيع مع السعودية، واستعدت سوريا الجديدة، ودخلت في مسار صدامي متسارع مع تركيا، من دون أن تنجح في إقصاء خصومها الرئيسيين من معادلة القوة.

موازين القوة عشية الحرب

كان رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو أول من صاغ مقولة “تغيير الشرق الأوسط” عقب عملية طوفان الأقصى في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، مقدّمًا الحرب بوصفها فرصة لإعادة رسم خارطة القوة الإقليمية. ومع انخراط حكومته اليمينية المتطرفة في حرب إبادة على غزة، ثم توسيع نطاق العمليات إلى لبنان واليمن وسوريا وإيران، بدا أن إسرائيل تخوض حربًا تتجاوز منطق الرد العسكري إلى مشروع إعادة هندسة البيئة الإستراتيجية المحيطة بها.

غير أن اتساع مسرح العمليات لم يكن كافيًا لترسيخ هذا التحول. فالحروب، مهما بلغت كثافتها، لا تُقاس بنتائجها الميدانية وحدها، بل بقدرتها على إنتاج مكاسب سياسية مستدامة، وهو ما أخفقت إسرائيل في تحقيقه.

عشية السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، كان المشرق العربي–الإسلامي يعيش حالة توازن هش، لا تقوم على الاستقرار بقدر ما تقوم على إدارة التناقضات. أربع قوى إقليمية رئيسية تقاسمت النفوذ: إسرائيل، وإيران، وتركيا، والسعودية، لكل منها أدوات قوة مختلفة، ولكل منها سقوف غير معلنة تمنع الانزلاق إلى مواجهة شاملة.

إسرائيل تمتعت بتفوق عسكري نوعي ودعم غربي غير مشروط، لكنها ظلت معزولة إقليميًا وتعاني أزمة شرعية تاريخية. إيران، من جهتها، وسّعت نفوذها عبر شبكة حلفاء غير دولتيين، مستندة إلى فراغات عربية عميقة، لكنها كانت محاصَرة بالعقوبات ومقيَّدة اقتصاديًا.

أما تركيا، فقد بنت خلال العقدين الماضيين نموذج قوة مركّبًا، يجمع بين الاقتصاد والصناعة العسكرية والنفوذ الثقافي، ونجحت في التمدد سياسيًا وعسكريًا دون الاصطدام المباشر بالقوى الكبرى. في المقابل، أعادت السعودية تموضعها الإقليمي، مفضلة سياسة خفض التصعيد، والانفتاح على التفاهمات، وتجنب الحروب المكلفة، مع الحفاظ على ثقلها السياسي والديني.

هذا التوازن لم يكن توازن سلام، بل توازن ردع متبادل، يقوم على تجنب كسر الخطوط الحمراء، في حين جاءت حرب غزة لتكسر هذا التوازن دفعة واحدة، وتفتح المجال أمام اختبار جديد لمكانة كل قوة وقدرتها على الصمود وإعادة التموضع.

غزة.. الصدمة الإستراتيجية

شكّل هجوم المقاومة الفلسطينية في السابع من أكتوبر ضربة غير مسبوقة لعقيدة الأمن الإسرائيلية، كاشفًا هشاشة منظومة الردع التي طالما تباهت بها الدولة العبرية. لم يكن الحدث مجرد إخفاق أمني، بل زلزالًا نفسيًا وسياسيًا أصاب المجتمع الإسرائيلي وقيادته، ودفعهما إلى ردّ فعل بالغ العنف، وفق ما تؤكد الدراسة.

الأخطر في الصدمة لم يكن عدد القتلى أو الأسرى، بل انكشاف العجز المؤسسي في التعامل مع هجوم منظم، نفذته قوة محاصَرة داخل رقعة جغرافية ضيقة. هذا الانكشاف أحدث شرخًا عميقًا في ثقة الإسرائيليين بمؤسساتهم العسكرية والسياسية، ودفع القيادة، وفي مقدمتها نتنياهو، إلى رد فعل مفرط في العنف، هدفه الأساسي ترميم الردع المكسور، ولو على حساب القانون الدولي أو الاستقرار الإقليمي.

من هنا، تحولت الحرب من ردّ عسكري إلى مشروع وجودي في الخطاب الإسرائيلي، وجرى توسيع أهدافها لتشمل ليس فقط غزة، بل كل من يُشتبه بأنه جزء من “محور التهديد”. غير أن المبالغة في الرد، بدل أن تُعيد الهيبة، أدخلت إسرائيل في سلسلة حروب متداخلة في لبنان واليمن وسوريا وإيران، كشفت حدود القوة العسكرية حين تُستخدم بلا أفق سياسي واضح، وبدل أن يعيد الردع الإسرائيلي، عمّق عزلة إسرائيل السياسية.

مثّلت غزة مركز الثقل في الحرب، والمختبر الأوضح لفشل إسرائيل في تحويل القوة العسكرية إلى نصر إستراتيجي. فمنذ اليوم الأول، اعتمدت إسرائيل سياسة التدمير الشامل، مستهدفة البنية التحتية، والمؤسسات المدنية، والحاضنة الاجتماعية للمقاومة، في محاولة لكسر الإرادة الجماعية للسكان. وعلى الرغم من أن حجم الدمار غير المسبوق أعاد القطاع عقودًا إلى الوراء، لكنه لم يُنتج الحسم الذي سعت إليه تل أبيب.

وتقول الدراسة، إنه على الرغم من الخسائر الكبيرة التي تكبدتها حماس، لم تنجح إسرائيل في القضاء عليها كقوة عسكرية أو سياسية فاعلة، ولم تتمكن من فرض سيطرة كاملة على الأرض، ولا من إنهاء قدرتها على إعادة التنظيم، والأهم من ذلك أن مشروع التهجير، سواء المعلن أو الضمني، فشل في تحقيق أهدافه، وبقي الفلسطينيون في غزة، رغم الكارثة الإنسانية، عنصرًا معطلًا لأي تصور إسرائيلي للحسم.

الأخطر على إسرائيل كان الأثر الدولي للحرب؛ إذ تحولت مشاهد الإبادة إلى عامل رئيس في تآكل شرعيتها الأخلاقية، ودفعت للمرة الأولى قادتها إلى مواجهة اتهامات أمام القضاء الدولي، وغيّرت اتجاه الرأي العام الغربي بصورة يصعب عكسها سريعًا.

لبنان واليمن.. إضعاف بلا إنهاء

في لبنان، بدت نتائج الحرب أكثر تعقيدًا من مجرد انتصار أو هزيمة، فصحيح أن إسرائيل نجحت في توجيه ضربات موجعة لحزب الله، اغتالت قيادات بارزة، وألحقت دمارًا واسعًا بمناطقه الحاضنة، لكنها لم تستطع تفكيك الحزب أو كسر بنيته الاجتماعية والسياسية.

وتشدد الدراسة على أن طبيعة النظام اللبناني، القائم على توازنات طائفية دقيقة، تجعل أي محاولة لنزع سلاح الحزب بالقوة وصفة مؤكدة لحرب أهلية، وتبين أن إسرائيل وقائع ميدانية جديدة جنوب الليطاني، لكنها لم تحصل على ضمانات إستراتيجية دائمة. فحزب الله، رغم الخسائر، احتفظ بجمهوره وبقدرته على إعادة البناء، فيما بقيت الدولة اللبنانية عاجزة عن فرض سيادة كاملة. بهذا المعنى، كانت الحرب جولة إضعاف متبادل، لا نهاية للصراع.

الأخطر أن إسرائيل، باستخدامها القوة المفرطة، عمّقت الانقسام الداخلي اللبناني، لكنها لم تنتج بديلًا سياسيًا أو أمنيًا قابلًا للاستمرار، ما يجعل الجبهة اللبنانية مرشحة لإعادة الاشتعال عند أول اختبار كبير.

أما في اليمن، فقد أخفقت الضربات الإسرائيلية في ردع الحوثيين، الذين خرجوا من الحرب وقد عززوا موقعهم الرمزي والإقليمي عبر التحكم بحركة الملاحة في باب المندب، ما منحهم شرعية إضافية في الشارع العربي والإسلامي

سوريا.. جبهة مفتوحة

كان سقوط نظام الأسد فرصة نادرة لإسرائيل لإعادة ترتيب الجبهة الشمالية دون تكلفة عسكرية مباشرة. فخروج النظام الذي وفّر غطاءً للوجود الإيراني وحزب الله كان من شأنه أن يحدّ من التهديدات التقليدية، ويفتح المجال أمام واقع أمني أكثر هدوءًا. غير أن إسرائيل اختارت مسارًا معاكسًا، قائمًا على منطق القوة الصرفة وعدم الثقة بأي تحوّل سياسي عربي.

التوغلات العسكرية والغارات المتكررة، واستهداف مواقع الجيش السوري الجديد، أعادت إنتاج سوريا كجبهة صراع، لا كدولة تسعى لإعادة بناء نفسها. هذا السلوك لم يبدُ دفاعيًا بقدر ما عكس رغبة إسرائيل في منع تشكّل دولة سورية موحّدة وقادرة، حتى لو كانت غير معادية في المدى المنظور.

النتيجة أن إسرائيل خسرت مكسبًا إستراتيجيًا مجانيًا، ودفعت دمشق الجديدة، بحكم الضرورة، إلى إعادة تعريف إسرائيل كخطر مباشر. كما فتحت الباب أمام صدام غير مباشر مع تركيا، التي ترى في استقرار سوريا جزءًا من أمنها القومي. وهكذا، تحولت سوريا من ساحة يمكن تحييدها إلى بؤرة توتر مرشحة للانفجار.

إيران.. خسارة تكتيكية ومناعة إستراتيجية

شكّلت المواجهة مع إيران ذروة الرهان الإسرائيلي، لكنها في الوقت ذاته أبرزت حدود القدرة على فرض الحسم بالقوة. فالهجمات التي استهدفت المنشآت النووية الإيرانية، بمشاركة أميركية، ألحقت أضرارًا كبيرة بالبنية التحتية، لكنها لم تُنهِ البرنامج النووي، ولم تُلغِ المعرفة التقنية المتراكمة لدى طهران.

وتشير الدراسة إلى أن الضربات الإسرائيلية كشفت هشاشة الدفاعات الإيرانية، لكنها دفعت في المقابل إلى تسريع إعادة البناء والتحالف مع روسيا والصين، ما يعني أن إيران خرجت من المواجهة أكثر وعيًا بنقاط ضعفها، وأكثر تصميمًا على ترميم قدراتها الردعية.

ومن زاوية إستراتيجية، تقول الدراسة، إن إسرائيل لم تحقق هدفها الجوهري، بإزالة التهديد النووي الإيراني نهائيًا. بل إنها ساهمت في إعادة تعريف الصراع بوصفه صراعًا مفتوحًا طويل الأمد، تُدار فيه المواجهة عبر جولات، لا عبر ضربة قاصمة. وهكذا، تحولت “الضربة النووية” إلى رسالة قوة مؤقتة، لا إلى إنجاز إستراتيجي حاسم.

السعودية.. التطبيع المؤجَّل

دخلت السعودية حرب غزة وهي في موقع دقيق بين ضغوط الدور الإقليمي، وحسابات الاستقرار الداخلي، وعلاقتها الإستراتيجية بالولايات المتحدة. قبل السابع من أكتوبر، كانت الرياض تُعدّ الجائزة الكبرى في مشروع التطبيع الإسرائيلي–الأميركي، لكن الحرب قلبت المعادلة جذريًا. فالمشهد الدموي في غزة، وتداعياته الشعبية في العالمين العربي والإسلامي، جعل أي خطوة تطبيعية عبئًا سياسيًا وأخلاقيًا لا يمكن تحمّله داخليًا أو إقليميًا.

الأهم أن التحولات الميدانية قلّصت دوافع السعودية للتطبيع من أصلها. فخروج إيران من سوريا، وانحسار نفوذها المباشر على البوابة الشمالية للجزيرة العربية، خفّفا من مستوى التهديد الذي كان يدفع الرياض سابقًا إلى التفكير في شراكة أمنية غير مباشرة مع إسرائيل. كما أن انكشاف إسرائيل أخلاقيًا وقانونيًا، وتراجع صورتها في الرأي العام الغربي، أضعفا قدرتها على تقديم نفسها كحليف إستراتيجي موثوق.

في المقابل، أعادت السعودية تثبيت معادلتها التقليدية: لا تطبيع بلا مسار سياسي حقيقي نحو دولة فلسطينية. هذا الشرط، الذي بدا في السابق قابلًا للتأجيل أو المناورة، تحوّل بعد الحرب إلى خط أحمر صريح. وبما أن منع قيام الدولة الفلسطينية هو جوهر المشروع السياسي لحكومة نتنياهو، فإن الفجوة بين الطرفين باتت بنيوية لا تكتيكية.

تركيا.. من توتر إلى خصومة

شكّلت تركيا أحد أبرز المتغيرات غير المتوقعة في نتائج حرب غزة. فعلى الرغم من أن العلاقات التركية–الإسرائيلية شهدت توترات متقطعة منذ أكثر من عقد، فإنها بقيت محكومة بسقف يمنع الانزلاق إلى القطيعة الشاملة أو الصدام المباشر. غير أن الحرب كسرت هذا السقف، ودفعت بالعلاقة إلى منطقة رمادية بين التنافس والعداء.

الدعم السياسي العلني الذي قدّمته أنقرة للفلسطينيين، واستضافتها قيادات من حماس، وتحوّل المزاج الشعبي التركي إلى حالة تعبئة واسعة ضد إسرائيل، كلها عوامل دفعت تل أبيب إلى إعادة تقييم موقع تركيا في ميزان التهديد. للمرة الأولى، بدأت مراكز أبحاث إسرائيلية تتحدث صراحة عن تركيا كخصم إستراتيجي محتمل، لا كدولة يمكن احتواء خلافاتها عبر القنوات الدبلوماسية.

في المقابل، قرأت أنقرة السلوك الإسرائيلي بعد الحرب، ولا سيما في سوريا، بوصفه تهديدًا مباشرًا لأمنها القومي. فمحاولات إسرائيل منع إعادة توحيد سوريا، واستهداف البنية العسكرية السورية الجديدة، والتضييق على أي دور تركي في إعادة بناء الجيش السوري، كلها خطوات تمس المصالح التركية الحيوية في الجنوب. من هنا، لم يعد الصدام التركي–الإسرائيلي احتمالًا نظريًا، بل سيناريو يجري التحسب له داخل المؤسسات الأمنية التركية.

بهذا، تكون إسرائيل قد أضافت إلى قائمة خصومها دولة إقليمية كبرى، تمتلك اقتصادًا متينًا، وصناعة عسكرية متقدمة، وقدرة على التأثير في أكثر من مسرح إقليمي. وهو تطور يعكس فشلًا إستراتيجيًا في إدارة ما بعد الحرب، لا إنجازًا.

إعادة إنتاج الإقليم

تكشف حصيلة حرب السنتين أن إسرائيل، رغم قدرتها على إلحاق أضرار جسيمة بخصومها، أخفقت في تحويل هذه القوة العسكرية إلى مكاسب سياسية. فلم تُنهِ المقاومة الفلسطينية، ولم تُقصِ حزب الله أو الحوثيين أو إيران من ميزان القوة، وخسرت في المقابل فرصة التطبيع مع السعودية، واستعدت سوريا الجديدة، ودفعت تركيا إلى مربع الخصومة.

وتقول الدراسة إن إسرائيل بدل أن توسّع دائرة حلفائها بعد الحرب، دفعت بثلاث قوى إقليمية كبرى – السعودية وتركيا وإيران – إلى إعادة التموضع على نحو يقيّد طموحاتها ويحدّ من قدرتها على تحويل القوة العسكرية إلى إنجاز إستراتيجي مستدام.

وبهذا المعنى، لم تؤدِّ الحرب إلى “تغيير الشرق الأوسط” كما وعد نتنياهو، بل أسهمت في إعادة إنتاج الإقليم بوصفه ساحة أكثر عداءً لإسرائيل، وأقل قابلية لدمجها سياسيًا، ما يضع الدولة العبرية أمام معضلة إستراتيجية مفتوحة لم تُحسم بعد.

 

شارك على :

واتس أب
فيسبوك
تويتر
تيليغرام
لينكد إن
بين تريست
الأيميل
طباعة