آخر الأخبار

قرارات أحادية وتراجع في الخدمات: تقليص الدوام في الأونروا يهدد حق اللاجئين بالصحة والتعليم

471221343_983427437144266_1929728255585096150_n-rde9q1y430j7d1sw47xg9hhzuqdbnt3aftx0eqvib4-rfyjw49srh9muaxvf53kzbx3taqdr548bag015ms1c-rgh0boggipcchqfzzi4csba07u9gjm45m4g0zvv0q8-rhdbzn0t26a0my1

بقلم: عصام الحلبي

مع بدء تطبيق قرار تقليص ساعات العمل في وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) بنسبة 20% مطلع شباط/فبراير 2026، يجد اللاجئون الفلسطينيون أنفسهم أمام تحدٍّ مركّب يمسّ جوهر حقوقهم الأساسية، وفي مقدّمها الحق في الصحة والتعليم، ويضع مختلف مكونات المجتمع الفلسطيني أمام مسؤولية وطنية وأخلاقية في مواجهة تداعيات الأزمة المالية غير المسبوقة التي تمر بها الوكالة.

تقليص الدوام… انعكاسات مباشرة على حياة اللاجئين

رغم استثناء بعض القطاعات المنقذة للحياة كالصحة البيئية، والمياه والصرف الصحي، إلا أن تقليص الدوام في بقية برامج الأونروا ترك آثارًا سلبية واضحة على حياة اللاجئين اليومية، فقد أدى القرار إلى ضغط متزايد على العيادات الصحية، وارتفاع فترات الانتظار، واختلال في جداول التدريس نتيجة استمرار دوام الطلاب الكامل مقابل تقليص ساعات عمل المعلمين، ما فاقم إرهاق الكادر التعليمي وانعكس تراجعًا في جودة التعليم.
كما تراجعت متابعة الحالات الاجتماعية غير المصنّفة ضمن فئة “الحرِجة”، وازدادت الأعباء المعيشية على الأفراد والأسر، خصوصًا في المخيمات والتجمعات الأكثر هشاشة. وبذلك، لم يعد تأثير القرار إداريًا أو وظيفيًا فحسب، بل امتد ليطال جودة الخدمات الأساسية وكرامة اللاجئ الفلسطيني.

القطاع الصحي… تدهور في جودة الاستشفاء واستنزاف للكادر الطبي

يشكّل تقليص عدد أيام دوام عيادات الأونروا أحد أخطر تداعيات القرار، لما يحمله من آثار مباشرة على جودة الاستشفاء والطبابة. ففي اليوم العادي، يستقبل الطبيب الواحد ما يقارب 75 مريضًا خلال ساعات الدوام، وهو عدد مرتفع أصلًا، يحدّ من الوقت المتاح للمعاينة الدقيقة ويُرهق الطاقم الصحي.
ومع تقليص أيام الدوام، يرتفع عدد المرضى إلى أكثر من مئة مريض يوميًا، ما يؤدي إلى انخفاض حاد في جودة الاستشفاء، ويحوّل الخدمة الطبية إلى إجراء سريع يفتقر إلى الحد الأدنى من المعايير الصحية. ويترافق ذلك مع ازدحام شديد داخل العيادات، واستنزاف طويل لوقت المرضى في الانتظار، ولا سيما كبار السن ومرضى الأمراض المزمنة، الأمر الذي يضاعف معاناتهم الصحية والإنسانية.

القطاع التعليمي… أربعة أيام لا تصنع تعليمًا

في موازاة ذلك، ينعكس اعتماد أربعة أيام دوام أسبوعيًا في مدارس الأونروا بشكل مباشر على جودة العملية التعليمية، فتقليص أيام التدريس يؤدي إلى اكتظاظ الصفوف، وتسريع وتيرة الشرح على حساب الفهم والاستيعاب، وإرهاق الطاقم التعليمي، ما يفضي إلى تراجع مستوى التعليم إلى أدنى درجاته.
هذا الواقع لا يهدد التحصيل العلمي للطلاب فحسب، بل يضرب مستقبل جيل كامل من اللاجئين، ويحوّل التعليم من حق أساسي إلى خدمة منقوصة، تُدار بمنطق تقليص الخسائر بدل الاستثمار في الإنسان.

خلفيات القرار… أزمة تمويل وإدارة مؤقتة للأزمة

تشير مصادر داخل الأونروا إلى أن قرار تقليص الدوام جاء نتيجة استمرار أزمة التمويل، وتراجع المساهمات الطوعية، وتأخر وصول الدعم، إلى جانب تسييس عمل الوكالة ومحاولات تقويض دورها القانوني والإنساني. كما يبرز غياب الالتزامات الدولية طويلة الأمد لضمان استدامة الوكالة، ما دفع إدارتها إلى اعتماد منطق “إدارة الأزمة” بدل التخطيط المستدام.
ورغم تقديم التقليص كخيار أقل ضررًا من إغلاق البرامج أو تسريح الموظفين، إلا أن كلفته الفعلية تُدفع من صحة اللاجئين وتعليم أبنائهم، ما يضع علامات استفهام جدّية حول أولويات المعالجة.

قرارات أحادية وتجاهل للمرجعية التمثيلية

يثير هذا النهج استغرابًا واسعًا من قبل المجتمع الفلسطيني، في ظل تجاهل إدارة الأونروا الإقليمية في لبنان لآليات التنسيق مع ممثلي اللاجئين الرسميين الشرعيين. إذ تُتخذ قرارات مصيرية تمسّ حياة الناس اليومية بشكل أحادي، متجاوزة المرجعيات التمثيلية، وأحيانًا عبر تفاهمات داخلية أو ترضيات مع بعض مراكز القوى داخل الوكالة، ما يضعف الثقة ويعمّق الفجوة مع المجتمع اللاجئ.

منظمة التحرير الفلسطينية… مسؤولية سياسية ووطنية

بصفتها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، تتحمل منظمة التحرير الفلسطينية مسؤولية واضحة في الدفاع عن استمرار خدمات الأونروا، ورفض تحميل اللاجئين والموظفين تبعات الأزمة المالية. ويشمل ذلك ممارسة ضغط دبلوماسي منسق على الدول المانحة لتأمين تمويل مستدام، والتنسيق المباشر مع إدارة الأونروا لمراقبة جودة الخدمات ومنع تحوّل الإجراءات الاستثنائية إلى واقع دائم.

المجتمع المحلي والأهلي… شريك لا متلقٍ

إلى جانب الدور السياسي، يبرز دور المجتمع المحلي والأهلي في المخيمات والتجمعات الفلسطينية كخط دفاع أول عن الخدمات. ويتمثل هذا الدور في مراقبة تطبيق القرارات، وتوثيق آثارها، والدفاع عن الحقوق من دون تعطيل مراكز الخدمات، لما يحمله ذلك من أعباء إضافية على السكان، مع الاستمرار في الضغط المنظم والمسؤول على إدارة الوكالة.

مطالب محورية غير قابلة للتأجيل

انطلاقًا من خطورة الواقع القائم، تبرز مطالب أساسية، أبرزها:
اعتماد خمسة أيام دوام كاملة في مجال الاستشفاء والطبابة، بما يضمن جودة الخدمات ويحمي الكادر الطبي من الاستنزاف.
تثبيت خمسة أيام تعليم فعلي في مدارس الأونروا، مع توفير عدد كافٍ من المعلمين والطاقم التعليمي.
زيادة نسبة تغطية التحويلات الاستشفائية، ولا سيما للحالات المزمنة والطارئة، حفاظًا على الحق في العلاج.

أزمة الدوام… اختبار للكرامة والمسؤولية

تقليص أيام الدوام في الأونروا ليس مجرد إجراء إداري عابر، بل اختبار حقيقي لقدرة المجتمع الفلسطيني على الدفاع عن حقوقه وكرامته الإنسانية. وبين منظمة التحرير الفلسطينية، والمجتمع الأهلي، وإدارة الأونروا، تتحدد اليوم ملامح معركة أساسية عنوانها، حماية الخدمات، وضمان جودة الحياة، ورفض تحميل اللاجئين كلفة أزمات لم يكونوا سببًا فيها.

شارك على :

واتس أب
فيسبوك
تويتر
تيليغرام
لينكد إن
بين تريست
الأيميل
طباعة