بقلم: عبد الرحيم جاموس
أقرت الحكومة الإسرائيلية، عبر المجلس الوزاري المصغّر (الكابينت)، حزمة قرارات وميزانيات تُعد الأخطر منذ عام 1967، وفق توصيف مجلس المستوطنات نفسه، الذي اعتبرها إعلانًا عمليًا بأن “أرض إسرائيل تعود للشعب اليهودي”، وترسيخًا للسيادة الإسرائيلية على الأرض بحكم الأمر الواقع. هذا التطور يشكّل محطة مفصلية في مسار الضم والاستيطان، لا بوصفه إجراءً عابرًا، بل كخيار استراتيجي مكتمل الأركان.
وتؤكد صحيفة يديعوت أحرونوت أن الحكومة خصصت ملايين الشواقل لما يسمى “إدارة التلال”، أي البؤر الاستيطانية العشوائية التي يجري تحويلها تدريجيًا إلى مستوطنات قائمة بذاتها.
هذه الخطوة تمثل أداة مركزية في سياسة “الضم الزاحف”، القائمة على خلق وقائع ميدانية متراكمة، دون إعلان رسمي، لكنها تُنتج في النهاية سيادة فعلية على الأرض الفلسطينية المحتلة.
تكمن خطورة هذه القرارات في كونها استكمالًا مباشرًا لقانون “الدولة القومية للشعب اليهودي” الذي أقره الكنيست عام 2018، والذي منح غطاءً دستوريًا للتمييز ونفى حق تقرير المصير عن الشعب الفلسطيني. وعليه، فإن ما يجري اليوم ليس انحرافًا طارئًا في السياسة الإسرائيلية، بل ترجمة عملية لبنية أيديولوجية ترى في الأرض حقًا حصريًا، وفي الفلسطينيين وجودًا بلا حقوق سيادية.
من منظور القانون الدولي، تمثل هذه السياسات انتهاكًا صارخًا لقواعد آمرة لا تقبل الجدل.
فالضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، أرض محتلة وفق القانون الدولي الإنساني، وتخضع لاتفاقية جنيف الرابعة التي تحظر نقل سكان دولة الاحتلال إلى الأراضي المحتلة.
كما أن قرارات مجلس الأمن، ولا سيما القرار 2334، تؤكد عدم شرعية الاستيطان وبطلان أي إجراءات تهدف إلى تغيير الوضع القانوني أو الديمغرافي للأراضي المحتلة.
ورغم ذلك، تمضي حكومة إسرائيل في تحدي القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية، ضاربةً بعرض الحائط كل الجهود الرامية إلى تحقيق سلام عادل. فسياسات الاستيطان والضم تُفرغ الحديث عن “حل الدولتين” من مضمونه، وتحوّل الضفة الغربية إلى جزر معزولة، فيما تُطوَّق القدس بحزام استيطاني خانق، يقضي عمليًا على أي إمكانية لقيام دولة فلسطينية قابلة للحياة.
الأخطر أن هذه القرارات لا تهدد الفلسطينيين وحدهم، بل تقوّض الاستقرار الإقليمي برمته. فالاحتلال المتوسع لا ينتج أمنًا، بل يراكم أسباب الانفجار.
إن إنكار الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني لن يفرض واقعًا دائمًا، بل يفتح الباب أمام مزيد من التوتر والعنف، ويُبقي المنطقة رهينة صراع مفتوح.
إن ما يجري اليوم يؤكد، بما لا يدع مجالًا للشك، أن إسرائيل تتصرف كدولة فوق القانون، ترى نفسها بمنأى عن المساءلة الدولية. وهذا السلوك لا يهدد فقط فرص السلام، بل يضرب أسس النظام الدولي القائم على احترام القواعد والقانون.
أمام هذا الواقع، تصبح مسؤولية المجتمع الدولي مسؤولية قانونية وأخلاقية لا تقبل التأجيل.
فبيانات القلق لم تعد كافية، والمطلوب انتقال جاد من إدارة الصراع إلى مساءلة الاحتلال، وفرض احترام القانون الدولي، حمايةً للسلم والأمن الدوليين.
أما الشعب الفلسطيني، ورغم حجم التحديات، فيؤكد مرة أخرى أن الحقوق لا تسقط بالتقادم، وأن مشاريع الضم والاستيطان، مهما تعاظمت، لن تمنح الاحتلال شرعية، ولن تلغي حقيقة ثابتة: أن لهذه الأرض شعبًا، وأن هذا الشعب ماضٍ في نضاله المشروع دفاعًا عن حقه في وطنه.