آخر الأخبار

لجنة الحوار اللبناني الفلسطيني: وعودُ رهنٌ بالتطبيق… وإقصاء لقوى سياسية

y217a

أحمد الصباهي

منذ تعيين رئيس الحكومة اللبنانية، نواف سلام، السفير رامز دمشقية، “رئيساً لفريق العمل اللبناني المكلّف معالجة قضايا اللاجئين الفلسطينيين في لبنان”، في 24 آذار عام 2025، انطلقت عجلة واحدة، وكانت العنوان الأبرز؛ ألا وهي تسليم السلاح الفلسطيني في المخيمات. وبقي طرح قضية الحقوق المدنية للاجئ الفلسطيني كعنوان هامشي يُستحضر، وهو من لوازم، أو “لزوم ما لا يلزم”، لجنة الحوار.

بل ووفق مصادر، طالبت لجنة الحوار الجديدة نشطاء مخيم نهر البارد، بعد اللقاء بهم، بعدم التصعيد لدى تسليم السلاح الفلسطيني، مقابل وعود بتقديم خدمات للاجئين، تحت ذريعة أن هناك توافقاً فلسطينياً حول تسليم السلاح، وهو ما تخالفه تصريحات الفصائل.
ومنذ انطلاق عمل اللجنة عام 2005، لم تتجاوز حصيلة إنجازاتها القانون 129 (المنوط بإعفاء اللاجئ الفلسطيني من إجازة العمل ورسومها)، والقانون 128 (تعديل قانون الضمان الاجتماعي)، ما يسمح للفلسطيني الاستفادة من تعويض نهاية الخدمة، دون غيره من تقديمات الضمان، مع بقاء المهن الحرة محظورة، ومما زاد الأمور تعقيداً، أن المراسيم التطبيقية لهذه القوانين لم تصدر، منذ عام 2010.

هذه التعديلات القانونية، لم تُحدِث فرقاً جذرياً، باعتراف لجنة الحوار نفسها، والتي اعترفت عبر موقعها الإلكتروني بذلك، إلا أن المفاجئ هذه المرة، هو إطلاق الوعود من قبل اللجنة، عبر المديرة التنفيذية للجنة، نادين الماروق، التي شاركت في الاستعراض الدوري الشامل التابع لمجلس حقوق الإنسان في جنيف في 27 كانون الثاني من العام الماضي، حيث أكّدت أن “الدولة اللبنانية تؤكّد التزامها المستمر بحماية حقوق اللاجئين الفلسطينيين وكرامتهم مع احترام الدستور اللبناني ومبدأ رفض التوطين”.

وقبل أن أخوض في تفاصيل الوعود التي أطلقتها السيدة الماروق، أودّ أن أعلِّق، على كلمة “حماية حقوق اللاجئين وكرامتهم”، في الخطاب، حيث تطرح تساؤلات من قبيل: كيف يحافظ على حق اللاجئ وكرامته، في ظل حصار يعاني منه الفلسطيني في المخيمات، يزداد يوماً بعد آخر، كإغلاق الطرقات ومداخل المخيم إلى الخارج، كما حصل في مخيم البداوي، حيث أُغلق 23 مدخلاً، ما ضيّق على الطلاب والموظفين والتجار معيشتهم، وانعكس أوضاعاً مزرية.

وكيف تُحفظ حقوق اللاجئ وكرامته، وحواجز التفتيش على مدخل مخيم عين الحلوة، تفتش فيها علب الحليب، ويمنع إدخال أي مواد لإصلاح منازل متضررة، مهما كانت بسيطة، بحيث تعرّض صاحبها للسجن.
وأيضاً كيف تُحفظ حقوق اللاجئ وكرامته، ومخيم مار الياس في بيروت انقطعت فيه المياه لمدة خمسة أيام، حيث منعت فيها السلطات اللبنانية دخول “ونش” لتغيير محطة مياه، على خلاف المعتاد في التعامل السابق، ما اقتضى تدخّل السفارة و”الأونروا”، لإدخال ونش، وإلّا كان المرض أصاب الأهالي بسبب انقطاع المياه!

وبالعودة إلى الخطاب “المدهش”، أُطلقت في هذه الجلسة وعود، أن اللجنة تعمل على صياغة إطار قانوني شامل ينظّم الوجود القانوني للاجئين، من تعريف قانوني واضح للاجئ الفلسطيني، وإصدار بطاقة ممغنطة موحّدة. كذلك الاعتراف بحقوق اللاجئ الإنسانية، والاقتصادية، والاجتماعية، من العمل والضمان الاجتماعي، والرعاية الصحية، والتعليم، وحرية تكوين الجمعيات، والملكية، وخطة شاملة لإدارة المخيمات، كذلك حق العمل في جميع المهن.
هذا لا يمنعنا من القول إن هذه الحقوق، في حال إقرارها، بالتأكيد ستُحدِث فرقاً في حياة اللاجئ الفلسطيني في لبنان، إلا أن تعقيدات الحياة السياسية الداخلية، وممارسات الدولة اللبنانية، تجعل هذه الوعود في “مهب الريح”، وهو ما أبقى إنجازات اللجنة منذ عام 2005 متواضعة جداً بأقل تقدير.

السؤال يصبح مشروعاً حول طريقة عمل اللجنة، التي ترفض العمل مع القوى الفلسطينية مجتمعة، بخلاف ما كان يحصل في السابق، ومنها “اللقاء التشاوري” الذي يجري تهميشه، وهو الذي يتضمن كل القوى الفلسطينية، ما عدا حركة “فتح”

في السنوات السابقة أظهرت اللجنة ما يصح تسميته “تعاطفاً” تجاه اللاجئ، و”تعاوناً” مع القوى الفلسطينية، عبر إصدار استراتيجيات عمل تقدّم مقترحات، كـ”الاستراتيجية الوطنية لمعالجة الملف الفلسطيني 2022- 2024″ و”رؤية لبنانية موحّدة لقضايا اللجوء الفلسطيني في لبنان” عام 2018، بمشاركة الأحزاب اللبنانية والقوى الفلسطينية مجتمعة، إلا أن نهج لجنة الحوار الحالي، مع دمشقية اختلف عمّا كان عليه مع رؤساء اللجنة السابقين، وهذا بالتأكيد ليس مردُّه إلى دمشقية نفسه، بقدر ما هو نهج جديد من الدولة اللبنانية، تمثّل بتهميش القوى السياسية الفلسطينية، على حساب رجحان كفة السلطة وياسر محمود عباس.

وهنا يُطرح تساؤل آخر، هل ستتم الاستفادة من الاستراتيجيات السابقة، التي تمّ الاتفاق عليها لبنانياً وفلسطينياً، والتي استغرقت ساعات عمل طويلة، وسنوات لإصدارها مع إنجازاتها المتواضعة جداً، أم يجري العمل بشيء جديد، وبأي اتجاه؟

هنا السؤال يصبح مشروعاً حول طريقة عمل اللجنة، التي ترفض العمل مع القوى الفلسطينية مجتمعة، بخلاف ما كان يحصل في السابق، ومنها “اللقاء التشاوري” الذي يجري تهميشه، وهو الذي يتضمن كل القوى الفلسطينية، ما عدا حركة “فتح”. وهو ما دفع اللقاء، وفق مصادر، إلى تقديم ورقة تحت عنوان “رؤية فلسطينية مشتركة خاصة بمقاربة قضايا اللاجئين الفلسطينيين في لبنان”، دعا فيها إلى تفعيل الحوار اللبناني الفلسطيني المشترك بين مختلف المكوّنات الفلسطينية، على قاعدة الحقوق والواجبات واحترام القانون.

ووفق المصادر، قام “التشاوري” بإرسال نسخ للمسؤولين في الدولة اللبنانية، بعد تدخل منظمة أجنبية تعمل مع لجنة الحوار لوضع تلك المقترحات. وبالمناسبة، ولدى الرجوع إلى اسم تلك المنظمة، وبالتواصل مع نشطاء في الخارج، تبيّن أن هذه المنظمة عليها علامات استفهام كبيرة، لجهة خلفيتها السياسية والأمنية، وهذا بدوره يطرح على الفصائل التنبُّه إلى مع مَن يتعاملون.
إنّ ملاحظة قضايا تتعلّق باللاجئين، وممارسة السلطة في لبنان، تُظهِر أن هناك نهجاً إقصائياً تجاه القوى الفلسطينية، لحساب السلطة الفلسطينية في لبنان، ابتداء من التعامل مع أجهزة الأمن الوطني التابعة لـ”فتح” في المخيمات، وصولاً إلى قضايا حل مشاكل المياه في مخيم مار الياس، التي لم تفلح كل الاتصالات في السماح لدخول “ونش لتصليح شبكة مياه” إلا بعد تدخل السفارة، وصولاً إلى تهميش اللقاء التشاوري من نقاشات لجنة الحوار.

وكان من الملاحظ أن السفير دمشقية قدّم إلى الرئيس سلام الورقة الأولية لـ”الخطة الوطنية لحوكمة المخيمات الفلسطينية في لبنان”، وكان من بين الحاضرين في تلك الجلسة شخصية فلسطينية وحيدة، محسوبة على حركة “فتح”.

ومما يثير تساؤلات كبرى أيضاً، هو ما تم الإعلان عنه حول إنشاء مكاتب محلية خدماتية داخل المخيمات، حيث يجري حالياً العمل على البدء بإنشاء أول مبنى خدماتي في مخيم نهر البارد مطلع آذار من العام الحالي. ولقد أشار المستشار السياسي والقانوني للجنة الدكتور علي مراد، إلى أن هذه الورقة “تهدف إلى وضع أطر إجرائية لكيفية إدارة المخيمات على كل المستويات الإدارية والأمنية والخدماتية” ــــ فهل هي بديل عن الفصائل الفلسطينية واللجان الشعبية المُنتخبة في المخيمات؟

إنّ اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، بقدر ما يودُّون إقرار تلك الحقوق، إلا أن التجارب السابقة في إقرارها محبطة ومخيّبة للآمال، ذلك أن حالة التوجّس والتعصّب لدى فئة من اللبنانيين، وحسابات الأحزاب اللبنانية الأخرى في مراعاة حساسية الطوائف، ألقت بالفلسطيني وحقوقه في متاهات النسيان والأزمات، ليبقى الملف محصوراً بالتعامل الأمني.
وإذا أضيفت إليها توجهات لجنة الحوار الحالية، وعدم استجابتها للحوار مع القوى الفلسطينية مشتركة، فإن ذلك الأمر يطرح مخاوف إضافية، وأزمة، حول التوجهات السياسية والأمنية التي ستُفرض على الفلسطيني في المرحلة المقبلة.

* صحافي فلسطيني

شارك على :

واتس أب
فيسبوك
تويتر
تيليغرام
لينكد إن
بين تريست
الأيميل
طباعة