أسامة خليفة
كاتب فلسطيني
لا يمكن تداول موضوع وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «الأونروا»، إلا بارتباطها بمناقشة حق العودة، وبتناول مسألة اللاجئ الفلسطيني، نتفق كفلسطينيين مع تعريف «الأونروا» للاجئين الفلسطينيين بأنهم الأشخاص الذين كانوا يقيمون في فلسطين خلال الفترة من أول حزيران/ يونيو1946 حتى 15 أيار/ مايو 1948، وفقدوا بيوتهم ومورد رزقهم نتيجة حرب 1948، يشمل حق العودة أبنائهم وأحفادهم، يقدر عدد هؤلاء بخمسة ملايين وسبعمئة ألف لاجئ، لهم الحق في تلقي المساعدات من «الأونروا».
بينما نرفض كلياً تعريف الولايات المتحدة للاجئين الفلسطينيين الذي يحصرهم التعريف بمن ولدوا في فلسطين ونزحوا عن ديارهم بين حزيران 1946 وأيار 1948 نتيجة الحرب، ويقدر عدد لاجئي فلسطين الأصليين هؤلاء بنحو 30 ألف لاجئ أعمارهم فوق 78 سنة، في هذا لا تناقش واشنطن الخدمات التي تقدمها «الأونروا» لهم، بل حق عودتهم إلى موطنهم، باعتباره أمراً سهلاً مقارنة بعودة الملايين من الأبناء والأحفاد التي تعتبرها الولايات المتحدة مستحيلة، لكنها لا ترى مستحيلاً بما يتعلق بنقل الملايين إلى فلسطين المحتلة من يهود مفترضين حسب أسطورة السبط الضائع، بل تعتبره أمراً ممكناً ضمن سياسة إسرائيل الاستيطانية التي استقدمت ملايين اليهود الأشكناز من الغرب لا سيما من أوكرانيا وروسيا وبولونيا، والسفرديم من الشرق، والفلاشا من أثيوبيا، وقبائل الكونكان الهندية من جبال الهند، ومن مختلف أنحاء العالم، على حساب حياة الفلسطينيين وسرقة أرضهم ومواردهم، كما يمكن حسب ترامب نقل الملايين من سكان الضفة والقطاع ضمن حملات التطهير العرقي الذي تمارسه إسرائيل.
في سياق الحديث حول الخيارين «العودة أو التعويض» الذي نص عليه القرار الأممي 194، خرجت بعض استطلاعات الرأي لتقول إن اللاجئين لا يرغبون بالعودة إذا حصلوا على تعويض يمكّنهم من البقاء في المكان الذي يتواجدون فيه الآن، إن اللاجئ الفلسطيني واع تماماً أنه لن يستطيع البقاء في مناطق اللجوء، إن قبض المال مقابل التنازل عن حقه في العودة، وسينظر إليه باحتقار وازدراء بصفته يبيع وطناً.
كيف نظر الفلسطينيون إلى وكالة «الأونروا» في سنواتها الأولى؟. وكيف رأى الإسرائيليون دور «الأونروا» في المناطق الخمس في تلك الفترة؟. قيّمت إسرائيل أن دور «الأونروا» سيغلب عليه الجانب الإغاثي، ومع الزمن سينسى اللاجئون وطنهم المغتصب، وييأسون من تطبيق حق العودة، نظرت إسرائيل إلى التأهيل والتعليم على أنهما يسهمان في توطين اللاجئين حيث هم، ولم تبدأ حملات شطب «الأونروا» إلا لاحقاً، ونظر الفلسطينيون إلى حق العودة أنه سيطبق من خلال التحرير المعتمد على الجيوش العربية. عاش اللاجئون الفلسطينيون في ظروف حياتية صعبة فاقدين مصدر رزقهم، كانت حاجتهم للمساعدات الإنسانية ضرورة معيشية، وشريان حياة، لم يستجيبوا لدعوات مقاطعتها، كان رفضها يجانب واقعهم البائس، وكانت الأغنية الثورية للشاعر الفلسطيني، محمد حسيب القاضي، والتي تقول: «ولعوا النار بـ هلخيام.. وارموا كروتتة التموين.. لا صلح ولا استسلام.. وبسلاحنا نحرر فلسطين..»، مجرد أغنية، لم يرمِ أحد بطاقات التموين ولم يحرق أحد خيمة اللجوء.
نظر اللاجئون الفلسطينيون إلى الوكالة في سنواتها الأولى على أنها أداة استعمارية تخدم الاحتلال والتوطين من خلال الإعداد والتأهيل لمهن لا تراعي أن معظمهم فلاحون اعتمدت معيشتهم قبل النكبة على الأرض وأعمال الزراعة، كأنها تدعوهم إلى نسيان أرضهم، اتضح بعد بضع سنوات أن « الأونروا» ساهمت في بناء جيل من اللاجئين المتعلمين، لم ينسوا وطنهم، وتمسكوا بحق العودة، وتمسكوا بالوكالة كشاهد على النكبة ومتضمن لحق العودة، حتى أصبح البعض يعتبرها منظمة فلسطينية كادرها وموظفوها من اللاجئين الفلسطينيين، والأجانب الموظفون في إدارتها متعاطفون مع القضية الفلسطينية، بل رأى الإسرائيليون فيها منظمة إرهابية، في 8 تموز/يوليو 2024 قال فيليب لازاريني المفوض العام لوكالة « الأونروا»: «إن إسرائيل تحاول من خلال حملة شعواء تصوير الوكالة على أنها منظمة إرهابية». وفي 29 أيار/ مايو 2024 صادق الكنيست الإسرائيلي على مشروع قانون يقضي بإعلان وكالة «الأونروا» منظمة إرهابية، وافقتها واشنطن وتماشت معها على هذا الادعاء.
منذ كانون الثاني/ يناير 2024، أجرت عدة جهات تحقيقات في حيادية «الأونروا»، ما لبثوا أن أغلقوا ملف القضية، بسبب عدم تقديم إسرائيل أدلة على مزاعمها بأن عدداً من موظفي الوكالة شاركوا في هجوم 7 أكتوبر، وتوصل المحققون إلى نتيجة واحدة، أن «الأونروا» جهة إنسانية محايدة لا غنى عنها.
حظرت إسرائيل عمل «الأونروا» في منطقة القدس، وفي 20 كانون الثاني/يناير 2026 هدمت مقرها رغم أنه يتمتع بالحصانة الدولية. وقد أدان وزراء خارجية بلجيكا وكندا والدانمارك وفرنسا وآيسلندا وإيرلندا واليابان والنرويج والبرتغال وإسبانيا والمملكة المتحدة، بأشد العبارات هدم السلطات الإسرائيلية مبنى مقرّ وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «الأونروا» في القدس الشرقية.
تتعامل إسرائيل مع اللاجئين الفلسطينيين في القدس عبر سياسات تهدف لتقليص وجودهم وتصفية قضيّتهم، والتضييق على اللاجئين بكل الوسائل لتهجيرهم، ورفضت الاعتراف بوضعهم كلاجئين وتحاول تصفية حقهم في العودة، وتصادر عقاراتهم، وتهدم المباني بذرائع مختلفة، مما يعتبره الفلسطينيون والمجتمع الدولي انتهاكاً للقانون الدولي. وحظرت إسرائيل وكالة « الأونروا»، حيث أقرت الكنيست في أكتوبر 2024 قوانين تحظر نشاط وكالة «الأونروا» في القدس، وتعتبر وجودها غير قانوني.
في 4 نوفمبر 2024، أعلنت الحكومة الإسرائيلية عن إلغاء اتفاقية عام 1967 مع وكالة «الأونروا»، وقررت وقف عمل الوكالة في الأراضي الفلسطينية، بعد تصويت أغلبية أعضاء الكنيست بالموافقة، مما يحظر على «الأونروا» تقديم خدماتها أو فتح مكاتب داخل المناطق التي تسيطر عليها الحكومة الإسرائيلية، وهو ما أثار إدانات دولية من عدة دول ومنظمات، لكن كل الإدانات بقيت حبراً ولم تترجم إلى فعل وعقوبات.
من بين الإجراءات الإسرائيلية الأميركية ضد «الأونروا» والسعي لتفكيكها، تحويل عمل «الأونروا» إلى المفوضية السامية للاجئين، ورغم أن الفلسطينيين قد وعدوا بخدمات أفضل، يرفض الفلسطينيون أي بديل عن وكالة «الأونروا»، ومنها تحويل خدمات وكالة «الأونروا» إلى المفوضية السامية للاجئين، يهدف هذا المقترح إلى إفراغ قضية اللاجئين الفلسطينيين من محتواها السياسي المتضمن في قرار إنشاء وكالة «الأونروا». تعتبر «الأونروا» حالة خاصة في تاريخ الأمم المتحدة، حيث تم ربط تفويضها بحل عادل للقضية الفلسطينية، كما أن مسؤولية « الأونروا» تقتصر على توفير خدمات لمجموعة واحدة من اللاجئين، وهم الفلسطينيون المقيمون في مناطق عملياتها، في حين أن المفوضية السامية مسؤولة عن اللاجئين في بقية أنحاء العالم. كذلك الأمر بالنسبة للجنة الدولية للصليب الأحمر، في 29 نيسان/أبريل 2024، رفض مدير اللجنة بيير كراهنبول، أن تحل لجنة الصليب الأحمر محل وكالة «الأونروا» في قطاع غزة.
في 11 حزيران/يونيو 2024 عبّرت جولييت توما مديرة التواصل والإعلام في وكالة « الأونروا»، عن قلقها على مستقبل المنظمة ليس فقط من الاتهامات المتواصلة من قبل إسرائيل بعدم تحليها بالحياد، بل أيضاً من تراجع التمويل. وكان المدير العام لـلـ«الأونروا» فيليب لازاريني قد حذر في 8 آذار/مارس 2024، من أن الوكالة التابعة للأمم المتحدة مهددة بالموت، ومعرضة لخطر التفكيك، بعد أن أوقف عدة مانحين تمويلهم بسبب مزاعم إسرائيلية بأن بعض الموظفين شاركوا في هجوم حماس في 7 أكتوبر على جنوب إسرائيل. وجددت الجمعية العامة للأمم المتحدة في ديسمبر 2025 ولاية وكالة لثلاث سنوات إضافية بأغلبية ساحقة، بالتأكيد على استمرار خدماتها الإنسانية للاجئين الفلسطينيين حتى 30 يونيو/حزيران 2029، رغم معارضة إسرائيل والولايات المتحدة وعدد قليل من الدول، وأعلنت كل الدول التي علّقت تمويلها للمنظمة استئناف الدعم المالي للوكالة، وفي 23 مايو 2024 كشف جوزيب بوريل ممثل الشؤون الخارجية والسياسة الأمنية بالاتحاد الأوروبي، أن جميع الجهات المانحة في الاتحاد استأنفت دعمها لوكالة « الأونروا»، ما عدا الولايات المتحدة التي أحالت مسألة تمويل « الأونروا» إلى الكونغرس للحصول على موافقة لوقف نهائي للتمويل بدلاً من الوقف المؤقت، تعتبر إجراءات الولايات المتحدة ضد « الأونروا» عقاباً جماعياً لأكثر من 6 ملايين لاجئ فلسطيني يعتمدون على الوكالة في الغذاء والتعليم والصحة، تهدف هذه الضغوط، إلى خدمة المشاريع الإسرائيلية ومساعيها إلى تقويض دور الوكالة، وتصفية قضية اللاجئين، وتهديد حق العودة.