للعام الثالث على التوالي، يستقبل قطاع غزة شهر رمضان في ظل حرب مفتوحة وتداعيات إنسانية واقتصادية غير مسبوقة منذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023.
شهرٌ كان يعرف بزينة الشوارع، وازدحام الأسواق، وروائح القطايف الساخنة، صار اليوم مرادفًا للخيام، والبطالة، والموائد المنقوصة، وذكريات البيوت التي تحولت إلى ركام.
لم تعد الاستعدادات تبدأ قبل أسابيع كما في السابق، ولم تعد الرفوف تمتلئ بقمر الدين والتمور الفاخرة، ولا الأحياء تتزين بالفوانيس والأضواء.
في غزة اليوم، يغدو السؤال الأساسي: كيف نؤمّن الإفطار، قبل أن نسأل عن طقوسه؟
تجارة تنهض من تحت الخيام
في خان يونس، يقف زاهر القدرة أمام “سوبر ماركت القدرة” الذي لم يعد سوى مشروع متواضع داخل خيمة مغطاة بالشوادر البلاستيكية على شارع الرشيد الساحلي. قبل الحرب، كان متجره من أكبر المتاجر في المنطقة، قرب المستشفى الأوروبي، تعج رفوفه بمنتجات رمضان، وتزدحم أبوابه بالزبائن.
يستعيد القدرة تلك الأيام قائلاً إن رمضان كان “عرسًا وطنيًا ودينيًا”، ترتفع فيه المبيعات وتنتعش الحركة التجارية. لكن في أيار/مايو من العام الماضي، تبدلت الصورة بالكامل. قصف مكثف طال المنطقة، وصواريخ شديدة الانفجار سقطت قرب منزله، قبل أن يتلقى اتصالًا يأمره بإخلاء المكان خلال دقائق. بعد النزوح، تم نسف ما تبقى من المنزل والمتجر.
يقدّر القدرة خسائره بنحو مليوني دولار، إضافة إلى توقف العمل لفترة طويلة، ورغم محاولته البدء من جديد، فإن التحديات لا تنتهي.
سلع أساسية لرمضان ما زالت شحيحة، والأسعار تتذبذب بصورة حادة، فيما تتسبب الأمطار والرياح في إتلاف البضائع داخل الخيام، مع انقطاع الكهرباء وسوء التبريد.
يقول: “نحاول أن نصمد، لكن كل يوم يحمل مخاطرة جديدة. نخشى عودة القصف، ونخشى أن نخسر ما تبقى”.
موائد تعتمد على “التكايا”
على الطرف الآخر من المعاناة، تعيش العائلات النازحة واقعًا أكثر قسوة، شيماء أبو حمام (35 عامًا)، من جباليا شمال القطاع، نزحت مع أسرتها إلى جنوب غزة.
تقول إنها لم تتمكن من التحضير لرمضان كما اعتادت: “نعيش يومًا بيوم. اليوم نأكل ونحمد الله، وغدًا لا نعلم”.
تشير إلى أن الأسعار المرتفعة حالت دون شراء أبسط مستلزمات السحور، كاللبن والتمر. وتعتمد عائلتها في الإفطار على وجبات “التكايا”، فيما يشكل نقص الغاز وصعوبة إشعال النار داخل الخيام عائقًا أمام الطهي.
تضيف: “أمنيتي الوحيدة أن يمر الشهر بسلام، وأن يجد زوجي عملاً، حتى يشعر أطفالي أن رمضان ما زال رمضان”.
أيمن مهنا (57 عامًا)، موظف متقاعد، نزح من رفح إلى مواصي خان يونس، يوضح أن راتبه الذي كان يكفي قبل الحرب لم يعد يغطي أساسيات الحياة، خاصة مع عدم انتظام الصرف وارتفاع الأسعار.
يقول: “كنا نعيش حياة بسيطة لكنها مستقرة. اليوم نعتمد على المساعدات. رمضان لن يغير واقعنا، فنحن نصوم قسرًا منذ شهور”.
رمضان بلا عبد الله
لكن الأشد قسوة من ضيق الحال، هو ضيق الفقد. فؤاد ثابت من دير البلح يستقبل هذا العام رمضان الأول بعد استشهاد نجله عبد الله، الذي ارتقى في غارة استهدفت معسكر دير البلح في اليوم الأخير من رمضان الماضي.
يقول ثابت: “كان عبد الله يحلم بالعيد، كان يعد الأيام ليشتري لأخواته ملابس جديدة. في آخر يوم من رمضان خرج ولم يعد. منذ تلك اللحظة تغيّر كل شيء”.
يتوقف قليلًا قبل أن يضيف: “السفرة ناقصة، وصوته غائب. نصوم ونصلي، لكن الغصة أكبر من الكلمات”.
بالنسبة له، لم يعد رمضان شهر استعداد للعيد، بل موسم استرجاع لذكرى اليوم الذي انكسر فيه البيت.
أبٌ فقد سنديه
أما منير أبو العطا، فيحمل وجعًا مضاعفًا. فقد ولديه الاثنين في الأيام الأولى للحرب، إثر قصف استهدف مسجد السلام في دير البلح. يقول إنهما كانا “سنده الوحيد في الحياة”.
يضيف بصوت وألم بالغ: “لم يكن لي غيرهما. في كل أذان مغرب أسمع صوتهما وهما يستعجلان الإفطار. اليوم أجلس وحدي. رمضان كان يجمعنا، واليوم يذكرني بغيابهما في كل لحظة”.
يؤكد أن الألم لا يتجدد في رمضان فحسب، بل يتضاعف، لأن الشهر كان دائمًا مساحة للعائلة، والدفء، والاجتماع، وهي أمور باتت مفقودة.
اقتصاد منهار وقدرة شرائية معدومة
الخبير الاقتصادي ماهر الطباع يرى أن رمضان هذا العام يأتي في سياق انهيار شامل. فالحرب التي استمرت لأكثر من عامين رفعت معدلات البطالة إلى نحو 80%، والفقر إلى مستويات غير مسبوقة، فيما انكمش الاقتصاد بصورة حادة، ما انعكس مباشرة على القدرة الشرائية.
ويشير إلى أن الأسعار ارتفعت في بعض السلع بنسبة تتجاوز 300% مقارنة بما قبل الحرب، في وقت تعاني فيه الأسواق من ركود حاد، نتيجة غياب السيولة وضعف الطلب.
ويضيف أن الأسر باتت تحصر إنفاقها في الضروريات القصوى، ما يجعل شهر رمضان عبئًا إضافيًا بدل أن يكون موسمًا للحركة الاقتصادية.