آخر الأخبار

بين الاستعراض والانقسام.. قراءة سياسية في خطاب ترامب أمام الكونغرس

911da54a-b32b-463f-bc75-17958c472bee-rhlydgeeawe1ipfz4h6a0cky2bt13fkgtbv412pfg0-rip5hcmd6lm77nrff0ehl6848hl8e3mp5gqxnh71io
يوسف أبو سامر موسى
انتهى خطاب الرئيس الأميركي دونالد ترامب أمام الكونغرس لكن المشهد الذي رافقه ربما كان أبلغ من كلماته قاعة منقسمة بوضوح نصفها يقف ويصفق بحرارة مع كل عبارة والنصف الآخر يجلس صامتًا أو يهزّ رأسه استنكارًا وكأنه يشاهد عرضًا مسرحيًا لا خطاب دولة هذا الانقسام لم يكن تفصيلاً شكليًا بل عكس عمق الشرخ السياسي والاجتماعي الذي تعيشه الولايات المتحدة.
أولًا: الشق المسرحي… صناعة صورة القائد المنقذ
الجزء الأول من الخطاب كان استعراضيًا بامتياز سردٌ للإنجازات تلميعٌ للحقبة السابقة تركيز على الأمن الاجتماعي رفع المداخيل وزيادة الإنتاج النفطي بل وصل الأمر إلى حد الحديث عن انخفاض سعر البيض بوصفه إنجازًا سياسيًا يُحسب لسياساته الحكيمة تفاخر ترامب بزيادة الإنتاج النفطي واعتبر ما جرى في فنزويلا دعمًا لـ”أصدقائنا الجدد” في إشارة إلى ضخ ملايين البراميل في الاقتصاد الأميركي في مقاربة تعكس ذهنية براغماتية فجة تقوم على توظيف الثروات تحت عناوين سياسية وإنسانية.
في المقابل لم يغب البعد الدعائي الانتخابي عن الخطاب إذ بدا واضحًا أن التكريمات العلنية لبعض الشخصيات والإشادة بممولي حملته تحمل في طياتها رسالة تعبئة مبكرة استعدادًا للاستحقاقات النصفية وتحشيدًا للحزب الجمهوري.
ثانيًا: الخوف الكامن خلف العنجهيّة
رغم نبرة القوة والعنجهية كان هناك مؤشر لافت تغيّب وزير أو أكثر عن الحضور تحسبًا لأي طارئ قد يصيب القيادة المجتمعة في دولة عظمى يعكس هذا الإجراء حجم القلق الأمني العميق ويشي بأن الخطاب الصاخب يخفي هواجس حقيقية حول الاستقرار الداخلي والمستقبل السياسي.
ثالثًا: الداخل الأميركي… عسكرة المدن والانقسام الحاد
على المستوى الداخلي شنّ ترامب هجومًا مباشرًا على الديمقراطيين واصفًا سياساتهم بالعار ومتهمًا إياهم بالجنون وتدمير البلاد معتبرًا أنه أوقفهم في الوقت المناسب وكان واضحاً بتعامله مع خصومه بنظرات استهزاء ومطالبته لهم بتمرير مشاريعه دون اعتراض يكشف عن  ذهنية إقصائية لا ترى في المعارضة شريكًا سياسيًا بل عائقًا يجب تجاوزه.
إشارته إلى انخفاض معدل الجريمة بفضل نشر قوات الحرس الوطني تطرح سؤالًا خطيرًا هل تتجه الولايات المتحدة نحو عسكرة مدنها وعاصمتها؟ فالاستعانة المكثفة بالمؤسسة العسكرية في الشأن الداخلي مؤشر مقلق على طبيعة المرحلة.
رابعًا: الاقتصاد والرسوم… من “السلام بالقوة” إلى فرض الجباية
تباهى ترامب بفرض الرسوم الجمركية على دول العالم واعتبرها أداة أنهت عدة حروب وضخت مليارات في الخزينة لكنه في الوقت نفسه انتقد قرارات المحكمة العليا الأميركية المتعلقة بهذه الرسوم في سابقة تعكس توترًا بين السلطتين التنفيذية والقضائية.
كما أشاد بفرض نسبة 5% على حلف شمال الأطلسي حلف والدول الأوروبية، معتبرًا أن الولايات المتحدة لم تعد تقبل بدفع الكلفة وحدها حقا إنها مقاربة تقوم على منطق “ادفع لتحتمي” في تجسيد واضح لسياسة الضغط والابتزاز السياسي تحت عنوان حماية الحلفاء.
خامسًا: البعد الخارجي… القوة كبديل عن النظام الدولي
في السياسة الخارجية قدّم ترامب رؤية قائمة على فرض السلام بالقوة تفاخر بقصف منشآت نووية وهاجم النظام الإيراني مجددًا اعتزازه بقتل قاسم سليماني ومتهمًا طهران بقمع وقتل عشرات الآلاف من المتظاهرين وأكد أنه لن يسمح لإيران بتطوير سلاح نووي أو صواريخ قد تصل إلى أميركا.
في الوقت ذاته، أشاد باستعادة أسرى ورفات جنود إسرائيليين متجاهلًا آلاف الأسرى الفلسطينيين وجثامين الشهداء المحتجزة. كما قدّم شخصيات مثل جاريد كوشنير ضمن سياق إيقاف الحرب في غزة في مفارقة سياسية صارخة بينما تتواصل المآسي الإنسانية في القطاع.
الخطاب تجاه روسيا والصين اتسم بالاستخفاف بقدراتهما التكنولوجية، خصوصًا في السياق الفنزويلي، مع إشادة بالقوة الأميركية التي اقتحمت الحصون هذه اللغة تعكس ذهنية صدامية أكثر منها دبلوماسية.
سادسًا: بين العزلة وتمجيد الإرث الأميركي
تجاهل ترامب الإشارة إلى خروج الولايات المتحدة من عشرات المؤسسات الدولية وما ترتب على ذلك من عزلة نسبية على الساحة العالمية. وبدلًا من ذلك انتقل إلى خطاب رمزي بمناسبة مرور 250 عامًا على الاستقلال متحدثًا عن *العمالقة* الذين أعلنوا الاستقلال وعن رسالة أميركا في تحرير الشعوب ونشر الإبداع.
واعتبر أن مصير أميركا مكتوب بيد الله في استدعاء واضح للبعد الديني المسيحي بوصفه ركيزة في مواجهة التطرف والعنف السياسي.
ختاماً: حملة انتخابية بلباس رئاسي
ما بين الاستعراض الاقتصادي والهجوم على الخصوم والتصعيد الخارجي واستدعاء الرمزية الدينية والتاريخية، بدا الخطاب أقرب إلى مهرجان انتخابي منه إلى خطاب دولة تسعى لترميم انقسامها الداخلي.
مشهد الكونغرس المنقسم كان المرآة الحقيقية للولايات المتحدة اليوم:
  • أمة منقسمة
  • قيادة تتحدث بلغة القوة
  • معارضة ترى في الخطاب تضليلًا واستعراضًا.
إنه خطاب يؤسس لمرحلة عنوانها: أميركا القوة أولًا… ولو على حساب النظام الدولي والتوافق الداخلي وصورة الدولة العظمى التي لطالما قدّمت نفسها كحامية للديمقراطية.

شارك على :

واتس أب
فيسبوك
تويتر
تيليغرام
لينكد إن
بين تريست
الأيميل
طباعة