سيف دعنا
ثمة مغالطة تاريخية سائدة تشكّل محور السردية الصهيونية الراهنة، ويمكن اعتبارها، في ذات الوقت، إحدى الجبهات الأساسية في صراع السرديات الدائر. ترتكز هذه الأطروحة على رهنِ وتفسير المسار الإبادي الراهن في فلسطين، والمنطقة العربية، بشكل مطلق وكلي بلحظة «طوفان الأقصى»، وتفسيره (المسار الإبادي) سببياً وحصرياً كرد فعل على «الطوفان».
اختزال حرب الإبادة في كونها مجرد رد فعل، من خارج السياق العام للصراع، ليس مجرد خطأ تحليلي، ولا حتى تواطؤ معرفي (إن جاء من بعض العرب) يهدف إلى تبرئة البنية الاستعمارية الاستيطانية وتجريم فعل المقاومة، بل ربما يكون المتغير الأهم في تقرير مستقبل وصيغة وخطاب وأدوات المقاومة العربية في المستقبل. فصراع السرديات هو جزء من مخاض التأسيس لمسارات مستقبلية، وقد يقود إمّا إلى استكمال مشروع الإبادة، أو إلى إعادة ولادة مشروع المقاومة بصيغ وخطاب وأدوات جديدة.
الضرورة النظامية والحتمية البنيوية للإبادة
من منظور سوسيولوجيا الإبادة الجماعية، ووفق أسس ومنهج علم الإبادة المقارن، ليست الإبادة حدثاً، وليست، كذلك، انفجاراً لحظياً للعنف والكراهية والقتل الجماعي. بل هي أساساً عملية، سيرورة، بنيوية ممتدة ومتجذرة في أصل المشروع الاستيطاني الصهيوني. فحتى القراءة السريعة للوثائق التاريخية، والمساهمات الأكاديمية الرصينة، والتقارير الحقوقية الدولية، تؤكد بلا أي لبس وبلا أدنى شك أنَّ المسار الإبادي الحالي، ليس طارئاً مطلقاً، وبالتأكيد ليس نتيجة لـ«طوفان الأقصى».
بل هو مشروع سياسي-اجتماعي-تاريخي أساساً توافرت متطلباته كلها، بمعزل عن «الطوفان»، من تعبئة مؤسساتية شاملة، التشريع الأيديولوجي، وأيضاً التفكيك المسبق والكامل لأساسيات الروابط الإنسانية. هكذا بالضبط أصبحت الإبادة ممكنة. أي ادعاء آخر، لا يمكن تفسيره ولا يجب اختزاله في سياق الجهل المعرفي فقط، أو السطحية التحليلية، كما قد يبدو للوهلة الأولى، بل هو في جوهره ارتهانٌ كلي للمنطق الصهيوني وتسويقٌ لمبرراته، وأيضاً، والأهم، مقصود بذاته لتبرير مسارات مستقبلية و«يوم تالٍ» يتوافق مع، ويؤسس لهذه الرؤية.
فالترويج لمقولات «الصدمة» و«الخوف» و«الإهانة» الناتجة من «طوفان الأقصى» كدوافع وحيدة، وكحصرية سببية لحملة الإبادة الممنهجة، ليست مجرد سردية تبريرية، بل وأيضاً محاولات واعية ومقصودة لتغييب حقيقة تاريخية مفادها أنَّ المجازر والتطهير العرقي كانت، ولا تزال، أدوات وظيفية بنيوية كامنة في صلب وبنية المشروع الاستيطاني الصهيوني منذ نشأته.
إنّ مجرد التفكير، حتى لا نقول الكتابة والتنظير والترويج لهذا المنطق التبريري، كما حصل فعلاً من بعض العرب، لما تسميه أدوات صناعة الأيديولوجيا الصهيونية ذاتها بـ«العمل المحفز» للإبادة، في توصيف «طوفان الأقصى»، يتجاوز حدود تبني رواية المستوطنة الصهيونية، ليصل حد التواطؤ المعرفي والارتهان للسردية الصهيونية، وحتى العمل على إعادة هندسة صورة الكيان الاستيطاني وتزييف حقيقته الجوهرية، في مسعى تضليلي قد يفوق في خطورته، حتى ما تحاول أدوات الدعاية الصهيونية نفسها ترويجه للعالم.
في نص طويل، سينشر قريباً بالإنكليزية (وسينشر بعدها بالعربية)، قُمت بتوثيق تفصيلي لقراءات خبراء علم الإبادة المقارن الأحداث في فلسطين، وكيف حذروا من حتمية الإبادة منذ عقود (وليس منذ تشرين الأول/ أكتوبر 2023)، والأهم، كيف يتوجب بالتالي، وفق هذا الفهم، إعادة قراءة وكتابة تاريخ الأحداث المفصلية السابقة كلها كمحطات في سياق مشروع الإبادة الكبير.
بالتالي، ما قام به الكيان الاستيطاني منذ 7 تشرين الأول/أكتوبر لم يكن مجرد رد فعل إجرامي، بل عملية بنيوية متكاملة الأركان، كما توقعها بالضبط، حتى بالتفاصيل والتوقيت، عدد من الأكاديميين الجديين الذين أدركوا منذ البداية أساسيات سوسيولوجيا الإبادة وضرورتها النظامية وحتميتها البنيوية. فقبل «الطوفان» بعقود، عَرَّفَ علماء الاجتماع الإبادة بوضوح لا لبس فيه على أنها «جريمة مسبقة القصد» (أي لا يمكن أن تحدث فجأة ومصادفة ونتيجة لحدث بعينه)، تهدف إلى «محو جماعة» تُعدّ خارج «دائرة الالتزام الأخلاقي للدولة».
أهمية الاستناد إلى علم الإبادة المقارن تكمن ببساطة في التزام الباحثين بإطار مفاهيمي معياري. ووفق هذا الإطار المفاهيمي الراسخ والمتين، يدرس الخبراء الإبادة الجماعية كعملية أساساً، وليس كحدث منفرد، أو كانفجار لحظي للعنف من خارج السياق والبنية الاستيطانية. يدرسونها كتجسيد لنمط بنيوي متجذر وليس كانقطاع وانحراف عابر، كما يدّعي البعض في سوء قراءة كارثية لحرب الإبادة على غزة.
وبالتالي، حين يحذّر هؤلاء الأكاديميون والباحثون بوضوح ملحوظ وصوت عالٍ وعبارات لا تقبل التأويل، قبل «الطوفان» بسنين، من «علامات الخطر» وأن «الأضواء الحمراء مشتعلة»، وقرب الوصول إلى «عتبة جديدة من العنف الإسرائيلي»، وكون «العنف العسكري وعنف المستوطنين الإسرائيليين ضد الفلسطينيين هو عامل بنيوي ومتجذر في المجتمع والسياسة الإسرائيلية»، مذكرين دائماً بـ«عمليات القتل والطرد لأكثر من 750 ألف فلسطيني وتدمير مئات المدن والقرى الفلسطينية في حرب عام 1948 والنكبة» فإن التفسير السببي المرتبط بـ«الطوفان» الوقوع في فخ الدعاية الصهيونية.
فـ«الطوفان»، ومن ضمن أشياء كثيرة، ليس فقط لا ولم يؤد إلى المذبحة الكبرى فقط، بل حتى عرقل الذبح الجماعي للفلسطينيين، وأيضاً اللبنانيين، كالخراف ومن دون قتال. فحرب الإبادة الدائرة منذ أكثر من عامين هي فعل منهجي ومنظم بامتياز. فالكيان الصهيوني يمتلك جيشاً مدعوماً كلياً من المنظومة الغربية، وأدوات دعاية بإمكانات هائلة، ومؤسسات صَمَّمَتْ خُططاً مثل «خطة الحسم» و«عقيدة الضاحية» و«جز العشب» لسنوات، وكلها خطط تضع التدمير الشامل للمدنيين الفلسطينيين والعرب في قلب استراتيجيتها العسكرية.
في ظل الاختلال الهائل لموازين القوى الدولية والإقليمية منذ النكبة، يصبح الإنجاز الأهم للمقاومة الفلسطينية والعربية ليس فقط في عرقلة اكتمال مشروع الإبادة رغم كل القوى التي تقف خلفه، بل وأيضاً في منع اكتمال هيمنة المشروع الاستيطاني، رغم صمت، أو تواطؤ، أو حتى مشاركة، بعض العرب والمسلمين
وبناءً على الإطار التحليلي المعياري الذي يوفره علم الإبادة المقارن منذ عقود، والمنظور التاريخي الذي يكشف المنطق البنيوي الإبادي المتأصل في الصهيونية الاستيطانية، ليس من الصعب بناء إطار مفاهيمي وسردية مقنعة وضرورية، لفهم الإبادة الجماعية التي بدأت في غزة في أكتوبر/تشرين الأول. نرى معالم ذلك، على سبيل المثال لا الحصر، في تقارير المقررة الخاصة للأمم المتحدة. فتشريح الإبادة لم يقتصر على ربط آليات الإبادة الجماعية المستمرة بالحصار الطويل المفروض على غزة منذ عام 2007، والذي تم تشديده منذ عام 1993 (وكَشَفَتْ نياته وخططه الإبادية وثائق «ويكيليكس» في وثائق تم تبادلها في صيف 2007).
بل، وفي «الحروب الخمسة الكبرى» التي «شنتها إسرائيل، القوة المحتلة، قبل الاعتداء الحالي». فعدا عن استشهاد التقرير بعدد من الخبراء الموثوقين في مجال الاستعمار الاستيطاني، وتناول «السياق والحقائق والتحليل»، يستنتج بشكل أوسع أن الإبادة الجماعية «تشير أيضاً إلى أن الإجراءات الإسرائيلية المدفوعة بمنطق إبادة جماعية متأصل في مشروعها الاستيطاني في فلسطين، ما ينذر بمأساة متوقعة».
وفي تقرير منظمة العفو الدولية في ديسمبر/كانون الأول 2025 عن الإبادة الجماعية في غزة، نجد تفسيراً، واعترافاً، وصياغة مماثلة، وإن كانت متأخرة جداً جداً (ويجب على المنظمة الدولية تفسير هذا السكوت الفضيحة). فرغم الإشارة إلى أحداث «الطوفان»، وكأنها محاولة للتقليل من وقع التشخيص على الصهاينة ولتجنّب تهمة «معاداة السامية»، تعترف منظمة العفو الدولية بوضوح أن «الإبادة الجماعية التي انطلقت (في تشرين الأول/ أكتوبر 2023)، مع الأجندة المعادية للفلسطينيين السائدة بشكل متزايد، كانت قيد الإعداد منذ مدة طويلة».
أمّا سوسيولوجيا الإبادة، كحقل معرفي بنيوي الأسس، فلا يرفض تماماً وكلياً فكرة الانفجار اللحظي للعنف فقط. بل، ووفقاً لنموذج «المراحل العشر» الذي صاغه غريغوري ستانتون، فإن تنفيذ الإبادة يبدو فعلاً كعملية بيروقراطية وهيكلية تبدأ بالتصنيف والشيطنة ونزع الإنسانية وهي مراحل أنجزها الكيان الصهيوني تجاه الفلسطينيين قبل عقود من «طوفان الأقصى»، وتنتهي بالإنكار (وهو ما يحصل الآن فعلاً). في الحقيقة عدد من التحذيرات السابقة لـ«الطوفان»، وحتى بعض التحذيرات التي جاءت في الأسبوع الأول (في اليوم السادس، كما تحذير معهد ليمكين في 13 أكتوبر 2023) تؤكد أن الكيان كان قد وصل بالفعل إلى عتبة عنف خطيرة.
العنف الصهيوني، إذاً، ليس ناتجاً من صدمة أو إهانة أو خوف، ولا يعتبر مطلقاً مجرد انفعال سيكولوجي ناتج من صدمة أو إهانة أو خوف (لا يمكن لعلم الاجتماع مفاهيمياً ونظرياً أصلاً أن يأخذ هذا التفسير السخيف في الحسبان)، بل هو أداة وظيفية بنيوية متأصلة في صلب المشروع الصهيوني الاستيطاني الذي يرى في السكان الأصليين عقبة وجودية يجب محوها من الوجود.
المقاومة شرط وجودي، لا خيار سياسي
بناء على كل ما سبق، واستناداً إلى السياق التاريخي والسوسيولوجي للصراع، تصبح المقاومة الفعل الوحيد الذي عرقل، ويعرقل، ومنع، ويمنع، الاكتمال النهائي للإبادة. ولولا تمسك الشعب الفلسطيني والعربي بالمقاومة منذ عام 1948، لتم فعلاً استكمال مشروع المحو الكامل بصمت، وحتى بأقل التكاليف الاستعمارية. وفي ظل الاختلال الهائل لموازين القوى الدولية والإقليمية منذ النكبة، يصبح الإنجاز الأهم للمقاومة الفلسطينية والعربية ليس فقط في عرقلة اكتمال مشروع الإبادة رغم كل القوى التي تقف خلفه، بل وأيضاً في منع اكتمال هيمنة المشروع الاستيطاني، رغم صمت، أو تواطؤ، أو حتى مشاركة، بعض العرب والمسلمين، لمن يتساءل عن جدوى المقاومة.
أمّا مَن بدأ منذ اليوم الأول بوضع جردة حساب ضد المقاومة، وفق معايير الدعاية الصهيونية لحساب الخسائر (منطق الربح والخسارة المادي) كأداة وحيدة لتقييم جدوى المقاومة، فكان عن قصد يعمل على اختزال وتغييب البُعد الوجودي للصراع، وتصويره كعملية تجارية بحتة، حتى يسهل فيها مقايضة المتطلبات الوجودية بالاحتياجات اليومية كالغذاء والمأوى، وأيضاً من أجل عزل المقاومة عن حاضنتها الشعبية عبر تحميلها مسؤولية الدمار الممنهج والخراب الذي خطط وأعد له الكيان مسبقاً.
فمنذ صيف 2007 فقط، حتى لا نعود إلى 1882، كان الكيان، حرفياً، يمارس سلطة سافرة في إدارة القتل والموت بوقاحة غير مسبوقة في التاريخ الحديث، عبر سياسة حساب السعرات الحرارية والحصار الخانق، كما وثقت تسريبات «ويكيليكس» في وثيقتين على الأقل، واستمرت وتصاعدت هذه السياسة أثناء العدوان ومنذ نيسان/أبريل 2025 لدرجة أن الموت جوعاً، رغم وحشيته الصادمة للعالم، كان فقط استمراراً وتصعيداً لسياسة قائمة أصلاً وموثقة منذ عقود.
المقاومة الشاملة، إذاً، هي شرط وجودي، وليست خياراً، والفلسطينيون والعرب اليوم أمام تحدٍّ وجودي لم يكن بهذا الوضوح مسبقاً أبداً. فلقد اختبر الجيل الحالي الصراع على حقيقته، كما سَتختبرُ تبعاته الأجيال القادمة، كصراع وجودي ومواجهة صفرية، خالية من كل ترهات دعايات «السلام» و«التسوية» و«التعايش» و«بناء الجسور» و«المجتمع الدولي» التي عملت على تزوير الوعي الجمعي لعقود، في حين كان الكيان يعكف على مراكمة القوة، ويجهز ويعد العدة لجولة جديدة من الإبادة.
واختبار الصراع، كمواجهة صفرية بالمطلق، لم يأت عبر القراءة أو التفكير والتحليل والتنظير، بل عبر التجربة المباشرة وحتى الشخصية، والتدمير المباشر والكلي حتى للحيز الخاص لكل فرد تقريباً (البيت، العائلة، المدرسة، الجامعة، المستشفى، الحي، القرية، المخيم، الخ). لهذا، فالتفكير في اليوم التالي يتوجب أن يفترض أن كل فرد تقريباً سيتحوّل إلى ذات مقاومة بالضرورة. فلم يعد للكثيرين ما يخسرونه.
ولأن الوعي مرتبط دائماً بالفعل، فلن يبقى الوعي الجديد مجرد قناعات فكرية، بل سيتحول لممارسة مرتبطة أساساً بإمكانية البقاء. لهذا، فالفجوة المحتملة، وحتى المؤكدة، بين زخم الوعي الشعبي الجديد وإمكانات الأطر التنظيمية القائمة، ستعزز بروز تشكيلات مقاومة سائلة، ربما غير هرمية وغير تقليدية، أو حتى شبكية لا تمتلك مركز ثقل واحد، وسيصبح من الصعوبة ليس فقط التنبؤ بمساراتها ونشاطها، بل ومواجهتها واحتوائها أمنياً – رأينا بعض معالمها في الضفة الغربية قبل «الطوفان» في موجات متلاحقة.
لهذا، فإن ولادة أشكال وصيغ جديدة للمقاومة، بعكس ما قد يستشرف البعض نتيجة الخسائر الهائلة التي أنتجتها حروب الإبادة، ستتحول تدريجياً وبشكل متزايد لخيار شعبي شامل. وفي الوقت ذاته، يمكن استشراف أن أشكالاً متعددة أخرى كالمقاومة المعرفية والقانونية ستنتشر وتتوسع وتصبح جبهات نشطة وأساسية.
خاتمة: إعادة ولادة
بعكس الافتراضات المماثلة التي سادت أيضاً في أعقاب ظروف مشابهة، كما في النكبة، تبرهن القراءة التاريخية المعمقة للمشهد الراهن إلى أن مشاريع وسياسات المحو والتدمير الممنهج والكلي للحيز العام والخاص للفلسطينيين والعرب لن تؤدي إلى استلاب الإرادة والاستسلام، كما يبتغي الكيان الصهيوني، الأداة التنفيذية والذراع العنيفة للمنظومة الاستعمارية.
بل، إنّ هذه السياسات وهذا العنف البنيوي المفرط، على العكس، سينتج بالضرورة تناقضات موضوعية غير قابلة للحل داخل هذا النسق، وسيوفر الشروط الضرورية لتبلور هوية مقاومة أكثر جذرية، لا تستمد شرعيتها ومقوماتها من البنى التنظيمية التقليدية فقط، بل من التجربة الوجودية المباشرة التي كشفت الصراع على حقيقته بوصفه صراعاً صفرياً، وفي ذات الوقت أسقطت كل الأقنعة وزيف كل المشاريع التسووية على حقيقتها، كأدوات إبادة ومحو أخرى.
وفي الوقت الذي يبدو فيه أن زخم مشاريع الهندسة الاجتماعية المعادية يتزايد لاستكمال أدوار أدوات الإبادة، كما يتجلّى في أطروحات «اليوم التالي» التي تتعامل مع اللحظة الراهنة بوصفها صفراً تاريخياً، وتتجاهل السياق التاريخي والوجودي الطويل للصراع، فإن الواقع ينبئ بمخاض لولادة جديدة للمقاومة، وتنبئ بيوم تالٍ آخر، وليس بمقدمات الأفول (سأكتب عنه قريباً).
التجارب التاريخية لمختلف نماذج الاستعمار الاستيطاني لا تنتهي إلا بإحدى نتيجتين: التحرر الكامل أو الإبادة الكاملة. والتجربة التاريخية تؤكد أيضاً، أن الشعوب التي تقاوم الاستعمار الاستيطاني، وتمتلك في ذات الوقت عمقاً استراتيجياً ديموغرافياً وثقافياً، وأيضاً حاضنة شعبية صلبة، كالشعب الفلسطيني، لا تستعصي على الإبادة الكلية فقط، بل، إن الإفراط في استخدام العنف ضدها، والاستمرار في محاولة إبادتها سيولد بالضرورة موجات ارتدادية متواصلة من المقاومة، تكون أكثر ضراوة وأشدّ تمسكاً بالوجود وحق البقاء.
(يتبع)
* كاتب عربي