بدر الإبراهيم
لعلّ سرّ نجاح ترامب في الحياة السياسية الأميركية يكمن في الدعاية التي دغدغ بها عواطف شريحة واسعة من جمهور اليمين الأميركي، ومفادها أنه منقذ أميركا من جور العولمة، التي -وللمفارقة- هي عنوان للهيمنة والاستغلال الأميركيَّيْن في العالم في نظر الكثير من الأشخاص والدول، لكنها في نظر الطبقة العاملة البيضاء في الريف الأميركي أساس معاناتها وتغيّر نمط حياتها مع هجرة المصانع إلى الصين.
وعد ترامب جمهوره الذي بات يعرّف نفسه بشعار: «اجعل أميركا عظيمة ثانيةً» (MAGA) بالتركيز على أميركا أولاً، وبناء اقتصاد قوي، وإعادة المصانع إلى الولايات المتحدة، ومواجهة صعود الصين، ومنع تدفّق المهاجرين الذين يهدّدون هوية أميركا البيضاء، وعدم الغرق في مستنقع الحروب العبثية كما فعل جورج بوش الابن.
لكنّ ترامب عاد في ولايته الثانية بخطاب وممارسة استعماريَّيْن مُستلهميْن من القرن التاسع عشر، وهو في جزء منه مُتّسق مع دعايته الشعبوية، فهو يريد إعادة التصنيع للولايات المتحدة (دون استراتيجية واضحة تُحوّل هياكل الاقتصاد عدا البدء بآخر خطوة وهي التعرِفات الجمركية)، لكنه فوق ذلك يتحدّث بمنطق استعماري صريح عن الاستحواذ على أراضٍ وثروات بالقوة، والاستيلاء على الموارد لتدعيم الاقتصاد الأميركي، وتغيير أنظمة وتعيين حكّام بنفسه، ووضع البلدان تحت الانتداب المباشر والوصاية.
إنها ميزة تُحسب له: لا يتجمّل بالقيم الليبرالية، فيظهر ما يخفيه الخطاب الليبرالي الأميركي من نزعات إمبريالية بكل فجاجة.
غير أنّ ترامب مختلف قليلاً عن أسلافه الرؤساء الأميركيين من مسعّري الحروب، فأولويته ليست الهيمنة الكونية وتدمير الخصوم على طريقة الدولة العميقة في الولايات المتحدة أثناء الحرب الباردة وبعدها، وإنما تعزيز موقعه وحضوره في معارك الداخل الأميركي، وتعظيم قوّة الولايات المتحدة بالسيطرة على الموارد، مع استعداده لترك مناطق بعينها في العالم لبعض خصوم الولايات المتحدة (كما في حالة روسيا وأوكرانيا)، طالما أنّ مصالح الولايات المتحدة وريادتها العالمية تحترم.
هذه المرّة تختلط، بوضوح، حروب الإمبراطورية الأميركية في الخارج بالحروب داخلها، التي يغذّيها الانقسام العميق داخل المجتمع الأميركي، الناتج من مجموعة عوامل متراكمة، أهمّها أزمة الرأسمالية النيوليبرالية التي لم تُحَل منذ عام 2008 إلا باستخدام أدوات ترقيعية ومسكّنات. الحرب في الخارج هي متصلة بالحرب في الداخل التي ينخرط فيها ترامب، وفي الداخل الأميركي دوائر متعدّدة ومتقاطعة من الصراعات، لكن أبرزها -مما يتّصل بحربه على إيران- الصراع الدائر داخل قاعدته الشعبية «ماغا» بين تيّار «أميركا أوّلاً»، وتيّار «أميركا وإسرائيل أوّلاً».
قد يكون ترامب مختلفاً بعض الشيء في رؤيته الخارجية عن الدولة العميقة، لكنه يتقاطع معها في الاستشراس لإثبات التفوّق الأميركي، ومنع تدهور الريادة الأميركية في العالم، أو تأخير نهايتها على الأقلّ
منذ بداية ولايته الثانية، حاول ترامب الموازنة بين جناحَي قاعدته الشعبية، لكنه قام بتعيين صقورٍ من الجمهوريين الصهاينة في مواقع أساسية داخل إدارته، ثم مال إلى مواقفهم ومواقف اللوبي الصهيوني ونتنياهو في كل المحطات الأساسية، عبر دعم حرب إسرائيل ضد إيران في صيف 2025، وضرب المواقع النووية الإيرانية بشكل مباشر، ثم قيادة هذه الحرب ضد إيران لدفعها إلى «الاستسلام غير المشروط». ظنّ ترامب أنه يمكن أن يوازن بين جناحَي قاعدته، من خلال التهديد بالقوّة الذي يُنتِج استسلاماً، أو ممارستها بشكل سريع وخاطف وفعّال، دون خسائر مادّية وبشرية كبيرة، وبما يسمح له بالمحافظة على التيّار الذي انتخبه للخروج من وحل الحروب في العراق وأفغانستان، وفي الوقت عينه كسب رضى الصهاينة، وقد أعطاهم ما لم يعطه لهم رئيس أميركي من قبل.
لا يتحمّل ترامب حرباً طويلة واستنزافاً، وقد أغراه أكثر بفكرة الضربة الخاطفة قليلة الكلفة ما حصل في فنزويلا، حيث لم تغضب قاعدته من العمل العسكري بفعل نجاحه في تغيير سلوك النظام هناك دون خسارة جندي أميركي واحد، لكنّ الضربة الافتتاحية القاضية في إيران لم تنجح، ذلك أنّ إيران -بعكس فنزويلا- كانت تُعِدّ نفسها لخوض حرب مع الولايات المتحدة منذ سنوات طويلة، وبغضّ النظر عن مآلات هذه الحرب، فإنّ إيران التي يقودها نظام بشبكة معقّدة من المؤسّسات، ما كانت لتستسلم بفعل اغتيال قائدها.
الحرب على إيران تثبّت أمرين بخصوص السياسة الأميركية في عهد ترامب:
– الأوّل، هو عدم وجود نيّة لانسحاب أميركي من الشرق الأوسط، وأنّ قيمته لم تتضاءل كما كان يروّج، بل إنّ الولايات المتحدة تعود للغرق في حروبه بقيادة شخص كان يسخر ممّن سبقوه إلى ذات المستنقع. قد تترك الولايات المتحدة مناطق بعينها لنفوذ الآخرين، وتتّجه نحو الحفاظ على هيمنتها فقط في نصف الكرة الغربي (شرط ألّا تهيمن الصين وحدها على شرقه على طريقة الحرب الباردة)، لكنها تظلّ متمسّكة بهذه المنطقة الحيوية لمصالحها، وذات القيمة الأيديولوجية الكبيرة لنخبتها السياسية.
– وهو ما يقودنا إلى الأمر الثاني، الذي ثبّتته هذه الحرب، المتمثّل بأهمية إسرائيل الأيديولوجية والاستراتيجية للنخب السياسية المسيحية الصهيونية في أميركا، واندفاعها الكبير نحو التمسّك بإسرائيل أكثر بعد السابع من أكتوبر، حرصاً على بقاء إسرائيل قادرة على أداء وظائفها، وخوفاً على مكانة إسرائيل داخل الولايات المتحدة، خاصّة مع خسارتها للهيمنة على السردية في الغرب. ترامب يبدو مُستلباً بالكامل للمجموعة الصهيونية، وهو ليس عقائدياً كبايدن في دعم إسرائيل، لكنه أكثر جرأة، ومرتبط بمصالح صهيونية مباشرة، كما هو حال علاقته بأشخاص مثل ميريام أديلسون.
قد يكون ترامب مختلفاً بعض الشيء في رؤيته الخارجية عن الدولة العميقة، لكنه يتقاطع معها في الاستشراس لإثبات التفوّق الأميركي، ومنع تدهور الريادة الأميركية في العالم، أو تأخير نهايتها على الأقلّ. هذه الشراسة ظهرت بعد السابع من أكتوبر، وربما لم يفهمها الإيرانيون وحلفاؤهم إلا متأخّرين، لكن هذه الشراسة لا تخفي تيه الإمبراطورية بين الانكفاء والتوسّع للحفاظ على الريادة (وهي ريادةٌ ما زالت قائمة رغم التراجع بعيداً عن مبالغات سمعناها طوال عقد ونصف عقد عن تحوّل موازين القوى الدولية بصعود الصين وروسيا)، ولا تراجُع قدرتها على تحويل الانتصارات التكتيكية المستندة إلى قوّتها، إلى منجزات استراتيجية تضمن بقاء هيمنتها مستقرّة. يمثّل ترامب بخطابه وسلوكه التجسيد الأكثر وضوحاً لهذا التيه.
مصير مشروع ترامب وصراعاته في الداخل الأميركي يتأثّر كل ذلك بشكل كبير بنتيجة هذه الحرب، فإذا أخفق وتأزّم الوضع الاقتصادي، ليضاف إلى التضخّم الذي تصنعه تعرِفاته الجمركية، وانقسمت «ماغا» التي يحتدم داخلها الاستقطاب بين الصهاينة والقوميين الأميركيين، المجروح كبرياؤهم الوطني بفعل ما يعتبرونه سيطرة إسرائيل على قرار دولتهم، فقد يكون هذا نهايةً لمشروع بدا في نهاية عام 2024 أنه قد يهيمن على السياسة الأميركية لفترة طويلة.
نتيجةُ الحرب في الخارج تنعكس في الداخل، وفي منطقتنا كما في الداخل الأميركي، قد تسرّع نتيجة الحرب من تحوّلات مهمّة لم تكن لتخطر في بال كثيرين قبل سنوات قليلة.
* كاتب عربي